ياسمينة صالح - الجزائر

وطن من زجاج


عمي العربي هو نفسه يحكي عن نفسه، في حكاية يحكيها لي، ويحكيها لكل الناس، كمن يحكي قصة حب حميمة. يحكيها بتفاصيلها المدهشة. بنفس التفاصيل. فأجدني اقرأ الحكاية في عينيه حتى حين يصمت، وحين يبدأ في نفث دخان سيجارته الحزينة. الحكاية التي بدأت في أكتوبر الجزائري 1944، أيام اشعلت مظاهرات الرابع شيئا في قلب والده الذي لم يكن يملك إلا دكانا صغيرة، ليمارس فيها مهنته التي تعلمها عن أبيه وجده: الإسكافية. تصليح أحذية الفقراء التي لم يكن فيها ما يصلح أصلا، فيبتكر لها جلدا يطيل لها عمرها سنة أخرى.

كان العربي صغيرا جدا وقتها، ولهذا لا يذكر سوى ملامح والده الجادة، وصوت المطرقة التي كانت تنهال على المسامير الصغيرة. على الأحذية القديمة الممزقة، فيسأل والده:

"ما فائدة إصلاحها وهي بهذا الشكل من الرثاية؟"

كان أبوه يبتسم له بجدية لا تخلو من عتاب ويقول:

"الرثاية لا تعكس إلا المظهر يا بني. هذه الأحذية لأولئك الذي سرقت فرنسا راحة بالهم مثلما سرقت خيراتهم. هذه الأحذية تعكس واقع البلاد، وتصليحها افضل من رميها. لا يمكن للنساء أن يمشين حافيات. الوطن لهن. ومن له وطن لا يمشي حافيا يا بني."

العربي الصغير الذي يجالس والده في الدكان ويسمع الكلمات التي لا يفهمها عقله، ومع ذلك يشعر أنها كبيرة ومهمة لأن والده من يرددها، وما يردده والده يجب أن يكون عظيما. ألم يصبح والده بطلا؟ لم تكن البطولة اختيارا في النهاية، تماما كما الأشياء المباغتة التي لا تنتظر أن يختارها حاملها.

كانت الأقدار مهيأة ذلك اليوم من شهر أكتوبر 1944، التاريخ الذي اقتحم فيه الجنود الفرنسيون منزلهم. كانت المرة الأولى التي يرى فيها العربي الصغير جنودا فرنسيين وجها لوجه. كان يدرك أن دخولهم إلى البيت لن يكون عاديا، وأن البداية ستبدأ من ذلك التاريخ بالنسبة لعائلته، وبالنسبة إلى والده، وبالنسبة إليه. فجأة علقت في مخيلة الصغير صورة الجندي وهو يصرخ بهستيريا ويقتاد والده بعنف. لم يكن في المشهد أكثر من ذلك الوجه الفرنسي، والصوت الذي يلعن كل الجزائريين البائسين. ثم اختفى والده. لم يره من وقتها.

يومها تساءل العربي عن هذا الوطن الذي يستسلم لهكذا محتلين، ويطأطئ رأسه لمرور دباباتهم العسكرية أمام بابه. الوطن الذي يبصق عليه الجندي الفرنسي حين يتكلم عن الجزائريين البائسين ويصفهم بالأوباش. يا لذلك الوطن الذي يدير ظهره للناس، عن لا وعي أو عن خوف أحيانا. لم يكن يدرك أين أخذوا أباه، لكن أمه أدركت، لهذا غرقت في الفجيعة والصمت والفزع. كانت أمه تعرف جيدا أين اقتادوه بعد أن اتهموه بمساندة "الإرهابيين" الجزائريين. كانت تعرف أن الذين يذهبون إلى هناك لا يعودون، فلا أحد يعود من هناك: من الأمكنة التي تسكنها الجنية الخرافية التي تأكل لحم الكبار والصغار على حد سواء. تلك التي لا تشبع. تظل تأكل وتأكل وتأكل. ألم يكن الاحتلال وجها من أوجه الجنية؟

أحس العربي يومها انه يحنق على الفرنسيين. يكرههم لأنهم حرموه من أبيه. ولأنهم حرموه من أمه التي ماتت سنة من بعد تلك الحادثة. ماتت حاملة حسرتها معها والأسئلة التي لم تجد لها جوابا. ثم في السنة الثالثة من الاعتقال اكتشف العربي أن والده اعدم شنقا بتهمة "التآمر على أمن فرنسا في الجزائر." لم يكن ليستوعب ماهية الشهادة وقتها. بالنسبة إليه كان يتيما. ولم يكن ثمة حسرة أشد وطأة من تلك التي تمازج بين اليتم والضغينة. ضغينة تربى على يدها. كبر معها. وتجاوز حدودها بسرعة مدهشة.

في العشرين من العمر وجد نفسه يتحول من مجرد شاب إلى مقاوم. هل كان عليه أن يعيش سنواته العشرين كما يعيشها الشاب الفرنسي مثلا: مستمتعا بالحياة. يحب ويعشق ويتزوج وينجب أطفالا يجرهم في عربتهم الصغيرة بجانب زوجة جميلة وسعيدة؟ لم يكن له تلك الأحلام، لم يكن له الحق فيها. ولهذا صار جزائريا كي لا تأكله الجنية ثانية. كان الاختيار سهلا وبسيطا وحتميا. لم يكن بمقدوره أن يعيش بلا ذاكرة ولا أحزان. لم يكن بمقدوره أن يتزوج وينجب أطفالا يورثهم الفقر والجهل والأحذية الرثة. كان يعرف أنه خلق ليكون في الصف الآخر وليس الصف الأخير، في الجهة التي لا يمكنها أن تلتقي بالجبناء مهما كانت وضعيتهم. وفي الواحد والعشرين من العمر، وجد نفسه مسؤولا عن خلية سرية تابعة لجبهة التحرير الوطني.

كانت مهمته اختيار مجموعة من الشباب الغاضبين مثله للقيام بمهمة دقيقة وخطيرة: مهمة تطهير الوطن من العملاء والخونة. ألم تكن الضغينة ما صنع شخصيته القوية حد الشراسة؟ الضغينة نفسها جعلت انتقامه من العملاء جزءا من واجبه نحو الوطن الذي آمن به. والتحاقه بالجبهة كان واجبا أيضا، واجبا شعر أنه ينتقم من خلاله لكرامته ولكرامة والده وأمه وإخوانه الذين تشتتوا هنا وهناك. كانت الأوامر التي ترده من قياديي الجبهة واضحة وضرورية: القضاء على العملاء الخونة أينما كانوا.

كان يتربص بهم بعد أن شكل مجموعة من المساعدين الذين لا يملون ولا يكلون من التربص والتحري حتى يأتي يوم القصاص. وكان يجد متعة في قول تلك الجملة التي عاش لقولها: "حكمت عليك الجبهة بالموت يا كلب."

- - - - -

مقطع من رواية قيد الطيع بعنوان وطن من زجاج.

D 1 حزيران (يونيو) 2006     A ياسمينة صالح     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  ذات الرداء الكرستالي

2.  الجواهري: جمال الطرح والقدرة الشعرية

3.  مقابلة ج2: الفنان علي الرفاعي

4.  هدية لعود الند: الفردوس البعيد

5.  عود الند في الصحافة


القائمة البريدية