أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 1: 1-12 » العدد 04: 2006/09 » وردة لفادي والجنوب

ياسمينة صالح - الجزائر

وردة لفادي والجنوب

ملف: وفاء للبنان


للجنوب وردة بقاء أبدي في ذاكرتنا

إلى روح فادي حاوي

::

"القتل لا يمكنه أن يلغي ذاكرة الإنسان المتشبثة في الأرض، فالأرض لا تموت."

الروائي الكولمبي، غابرييل غارسيا ماركيز
::

لعلي تذكرت عبارة غابرييل غارسيا ماركيز وأنا أجلس قبالة شاشة الجهاز وأطالع رسائلك الأخيرة. تلك الرسائل التي كنت تعاتب في بعضها تأخري في الرد عليك. لم تكن ثمة إجابة مقنعة لي أو لك. كنت أصمت حين لا أجد كلاما يكفي لنتقاسمه مع الآخرين كرغيف ساخن وحار. كنت أصمت كي لا أجرك إلى إحساسي المسبق بالفجيعة على ما كان أو ما يمكن أن يكون. وكنت خائفة عليك من الحزن، من حزني ومن حزن المدن التي نعرف حرقتها بعد الأوان. أنت الذي صدق ألوان ريشة اعتقد أنها ستكفي لتدافع عما تبقى من عشب ومن ماء. لم يكن لي أن أنقل إليك فجيعتي "القومية" العميقة التي طالما جررتها في خطواتي وفي قوائم الخسارات التي من كثرتها نسيت كيف أعدها من البداية. خفت عليك من اللون الأسود الذي أحبه والذي كثيرا ما انتقدته بقولك لي: "كل الألوان مستمدة من الأسود في الأساس، ولكنها تجاوزت الأسود في خصوصياتها، لهذا نحب الألوان ونكره الأسود." وكنت أبتسم بيني وبين نفسي.

هل كنت أكثر واقعية منك؟ لا أظن. فقد كنت أقرب إلى الحقيقة منا وأنت تصر على أن للعصافير هويتها وللألوان تاريخها الثابت كما الأوطان تماما. كنت أقل منك حلما كلما فكرت أن الأوطان أكثر مما تبهجنا، وأننا حين نحب وطنا نتمسك فيه بيتمنا الأبدي في خرافة الوجود والبقاء الذي يتعرض للقصف بجرة قلم.

***

فادي الصديق والرسام الذي وعدني بلوحتين هدية لي، قال إنه سمى إحدى لوحاته "بحر الصمت" لأنه أحب روايتي الأولى كثيرا، ولأنه أراد أن يرسم الرواية بألوان مغايرة -كما قال- بحلم أكبر. بفرح أكثر. وببياض أوضح. فادي الذي كنت ألتقيه في شارع الحوار المباشر على الانترنت. عبر الماسينجر يسألني فجأة: "وين غاطسة يا صديقتي؟ صار لي زمن وأنا أنتظر ظهورك." فادي البسيط كشجر الجنوب والصادق كأرضه. ذلك الجنوب الذي حين يتكلم عنه يقول "هيدي أرضي،" وحين يتكلم عن "البقاء" يقول: "وين بدي أروح؟ أنا هون وسأبقى هون،" بلهجته اللبنانية التي كانت تبدو لي كطبق جاهز ومغر وبعيد. ثم حين انفجرت الحرب الهمجية على لبنان، وجدتني أصاب بالذعر قبالة كل هذا التساقط الغريب لكل الأحلام المتبقية. إزاء الصمت المطبق الذي اكتشفت أن العالم كله يستحليه ويمارسه اليوم علينا جميعا. ذلك الصمت الذي كنت أهرب إليه طواعية كم كرهته. كم شعرت بالنقمة عليه. أنا المرأة التي كانت تغيب أكثر مما تحضر وتصمت أكثر مما تتكلم، وجدتني أصاب بالفزع وأنا أتصفح وجه لبنان الذي دمرته القنابل الإسرائيلية ودمره الصمت العربي والدولي. وفي قمة صدمتي وجدتني أسأل عن فادي. كتبت له رسالة أسأله فيها عن حاله فلم يرد. فهمت أن الحلم والحرب لا يلتقيان إلا في نص نؤمن أنه سيختزل لوحده حقيقة الكون بكل ما فيه وما عليه. ولعلي كنت أدرك ذلك من بداية الخليقة، مثلما أدركته أنت يا صديقي الأجمل.

***

فادي الريشة الحالمة والصداقة التي تحكي عن الغد بعبارة "الأمل" التي لا تعني لجيلي اليتيم شيئا. فادي الذي كتبت له عشرات الرسائل في غيابه أكثر مما كتبتها له في حضوره. كنت أدرك أن الهرب من القصف الإسرائيلي جزء من الدفاع عما تبقى من احتمالية العيش ولو قليلا، في تلك الأرض التي أعرف حبك لها وأعرف انتماء ريشتك لخضرتها ولمائها ولتفاصيلها المتشابكة حينا والغامضة أحيانا. فكرت أنك ستقرأ رسائلي حين تهدأ الأمور، وأنك سترد علي بعبارة "ها أنا أعود كمحارب أتعبته الهدنات المغشوشة وغير الحقيقية." ولكنك لم تعد. حين سألت صديقا مشتركا عنك أخبرني بهدوء جارح: "فادي الرسام؟ ألا تعرفين؟ لقد استشهدوا جميعهم. أصابت قذيفة إسرائيلية ضيعتهم في منطقة البقاع. استشهد عشرات من سكان القرية أيضا."

***

فادي. ها أنت تصمت الآن. تصمت في الوقت الذي تمنيت أن تتكلم فيه، لتدافع عن ألوانك الجميلة وعن قناعاتك الجميلة وعن حقك الشرعي في الحياة وفي البقاء. كأن تقول لي "أنا هون، وين بدي أروح؟" أعرف أنك بقيت حين غادر الجميع. حين كانت الطائرات تسحب رعاياها نحو الخارج كي تعطي للإسرائيليين سببا آخر للقتل والتدمير. أعرف أنك هنا، حين لم تذهب. حين لم ترحل. حين لم تصر على الكلام في زمن وجدنا فيه العالم قد "أكل" لسانه كي تأكلنا إسرائيل باسم الحضارة التي تخلفنا عنا ألف عام مضت وألفا أخرى ستأتي عما قريب في خريطة الشرق الأوسط الجديد.

***

فادي. لروحك ورد البلاد وتفاصيل الرحلة الأخيرة والوطن/الحالة، فأن تموت شهيدا أجمل بقاء في أرض تعي أنها لك. لروحك ورد الجنوب وعشبه وعصافيره التي لم تتوقف عن الغناء برغم القنابل والموت اليومي. برغم الدمار والكارثة.

D 1 أيلول (سبتمبر) 2006     A ياسمينة صالح     C 0 تعليقات