موسى أبو رياش - الأردن

أحمد المؤذن: شهادة إبداعية

أحمد المؤذن: شهادة إبداعية (*)

أحمد محمد محسن حسن المؤذن: قاص وروائي من البحرين. له ثلاث مجموعات قصصية ورواية. وله نشاطات ومساهمات أدبية عديدة في البحرين وخارجها.

الشهادة قدمت في أمسية اقامها فرع رابطة الكتاب الاردنيين في مدينة الزرقاء يوم 17/1/2012 احتفاء بأحمد المؤذن.

محمد إبو رياشأحمد المؤذن أديب بحريني متنوع الاهتمامات والمتابعات، فهو يكتب القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً والرواية والمقالة الأدبية والسيناريو والاسكتش والمتابعات الأدبية والمسرحية والحوارات مع المبدعين. وهو في كل ذلك إنما يسعى لإشباع نهم لا يُشبع، ويحاول أن يحيط بما لا يُحاط، ويدرك ما لا يُدرك. ولكنها عزيمة الأديب وهمة الأريب، وهي محاولة تُشكر، وجهد يُحمد، ولا بد أن تأتي لحظة يرسو على شاطئ إبداعي يجد نفسه فيه، يستريح للإقامة على سواحله الجميلة، وبين أحضانه الدافئة.

وفي هذه العجالة سأحاول أن أسلط إضاءات سريعة على الإنتاج الإبداعي المنشور لأحمد المؤذن والمتمثل في ثلاث مجموعات قصصية هي على التوالي: أنثى لا تحب المطر (2003)، من غابات الإسمنت (2006)، رجل للبيع (2009) وروايته البكر: وقت للخراب القادم (2009). ويلاحظ أن المؤذن لم ينتقل من القصة إلى الرواية، بل اشتغل على روايته منذ صدور مجموعته الأولى وربما قبل ذلك، وهذا يؤكد على روح إبداعية لا تهدأ ولا تستكين.

ومن مجمل إبداعات أحمد المؤذن نلحظ ما يأتي:

أحمد المؤذنيستمد المؤذن مادته وموضوعاته من الحياة التي يعيشها في القرية أو المدينة، أو مما سمع من أترابه وأسلافه، أو مما يشعر به ويسمعه عن مآسي أمته ومشاكلها، وهذا يشكل مادة خصبة وغنية لأي مبدع.

وتتميز قصص المؤذن بالواقعية وهذا ما يجعلها قريبة من النفس، ويجد القارئ فيها نفسه أو يشعر أنها تتحدث عنه أو عن تجاربه ومعاناته، بل لا تملك أحياناً إلا أن تقول: "كيف عرف المؤذن عني كل ذلك"!

لغة المؤذن جميلة، وأسلوبه لطيف، لا تكلف ولا تقعر، وخاصة في مجموعته "رجل للبيع" التي تميزت بالاختصار والتكثيف والعبارة الرشيقة، والوصول إلى النهاية بسرعة دون أن ينقص ذلك من قيمتها شيئاً.

تناول المؤذن معظم الموضوعات الإشكالية، وخاصة السياسة والدين والجنس دون تهيب مؤكداً أن الأديب الحقيقي المنتمي لا يضع رأسه بين الرمال، ولا يتغافل عن مشاكل مجتمعه وأمته تحت أي ذريعة كانت. ولعل إشكالية تغول السياسة على الدين واستغلالها لرجاله من أهم القضايا التي تناولها المؤذن في روايته "وقت للخراب القادم"، معتبراً أن فساد السلطة بوابة لكل فساد وإيذاناً بالخراب الذي لا يُبقي ولا يذر، مثل الفساد الأخلاقي والسياسي والاقتصادي. ولا يتردد في كشف فساد بعض من يتقنعون بلبوس الدين، ويستغلونه لأغراضهم الدنيئة، ويتعرض لبعض ممارسات المعارضة وتعاملها مع الأجنبي وتفضيلها اللجوء السياسي بدلاً من العمل من الداخل. وهو يكشف كل ذلك ويترك الحكم للقارئ دون أن يفرض وصايته عليه؛ احتراماً له وتقديراً وثقة بقدرته على وزن الأمور وسبر الحقائق، والوصول إلى الحكم المناسب.

المؤذن أديب ينحاز إلى الناس العاديين والمهمشين والمسحوقين، لأنهم الأقرب إلى بيئته وقلبه وهم أولاً وآخراً ناسه وأهله، ولذا تأتي قصصه طافحة بالصدق والحنين وتدخل إلى القلب دون تذكرة. ومن ذلك قصة "خدوج تأكل الأطفال" وقصة "لقيمات الوجع" وقصة "الحاج محمد" وقصة "صندوق التفاح".

البيئة البحرينية لها حضور بارز في قصص المؤذن، حيث الحرارة اللاهبة، والبحر والشاطئ، والأمواج، والصيد، وحفلات الشواء، والنخيل، والرطب، والألعاب الشعبية وغيرها، وهذا مما يعطي أدب المؤذن ميزة الالتصاق بالأرض التي أحب.

المؤذن وفيٌّ لا ينسى أصحاب الفضل عليه، كالأم الصابرة في قصة "كلما رأيتها"، والأب المكافح المريض في قصة "رماد الحزن كان"، والمعلم الإنسان الرائع في قصة "محطات تعبك يا..."، وآذن المدرسة المجهد في قصة "الحاج محمد".

تتميز معظم قصص المؤذن بروح ساخرة تنتزع الابتسامة، ولعل خبرته بالحياة وأهلها أوصلته إلى نتيجة أن الحياة بكل تفاصيلها ما هي إلا لوحة كوميدية وإن كانت سوداء أحياناً.

تعقيدات الحياة المعاصرة ومشاكلها وتبعاتها تظهر واضحة جلية في قصص المؤذن، ومن ذلك قصة "رجل للبيع" حيث يقع الرجل في مأزق الديون والملاحقات فلا يجد مفراً من أن يعلن نفسه للبيع عبر الإنترنت، وكذلك بعض قصص مجموعته الثانية "في غابات الإسمنت".

يتقن أحمد المؤذن الغوص في أعماق النفس والتغلغل في دهاليزها ويكشف أحاسيسها ومشاعرها وعذاباتها، ويتجلى ذلك في قصتي "صفعات العطش" و"ويذوب العطش" وهما في الحقيقة قصة واحدة في جزأين تتحدثان عن امرأة حرمت من الأمومة، وكيف تشعر، ومن المفارقات أن زوجها سمح لها بالعمل بعد تمنع، وجاء نصيبها للعمل في مكتب لتسجيل المواليد الجدد، فتتراكم عذاباتها حتى تفكر وتخطط للانتحار وتوشك أن تفعل لولا بارقة أمل لاحت لها في برعم نبت في حديقة الدائرة.

أحمد المؤذن إنسان رقيق حساس فقد أهدى ما كتب لأناس أحبهم من قلبه: أمه نجيبة السيد في مجموعته الأولى "أنثى لا تحب المطر"، ولوالده في مجموعته "غابات الإسمنت"، وأخته فاطمة في مجموعته "رجل للبيع" ولأرواح الشهداء في روايته "وقت للخراب القادم". وهو يتميز بالبساطة، فلا عجرفة أو خيلاء أو كبر، حتى لا تستطيع أن تفرقه عن أي مواطن بسيط. ولا يخجل المؤذن من أن يعترف أن قلة ذات يده أخرت صدور مجموعته "رجل للبيع"، بل ويعترف أنه استدان مائة دينار بحريني من أجل تذكرة سفر لتلبية دعوة أدبية في الإمارات العربية.

ومن الطريف أن أحمد المؤذن قد قصَّر به معدله في الثانوية العامة عن دخول جامعة البحرين، ولكن نجحت مجموعته القصصية "أنثى لا تحب المطر" في دخول الجامعة التي كان يأمل بدخولها وفرضت نفسها لتكون ضمن المقرر الدراسي لأحد المساقات.

وبعد، فإن أحمد المؤذن أثبت حضوره القوي في المشهد الثقافي البحريني والخليجي، وهو يبشر بمستقبل متميز وقامة إبداعية سيكون لها حضورها اللافت، وألقها وشذاها الطيب، فما زال أحمد مسكوناً بأحلام لم تتحقق بعد، وآمال يسعى للوصول إليها، ومشاريع تتزاحم في فكره ووجدانه، ولا بد أن تترجم إلى إبداع متنوع قصصياً وروائياً وربما مسرحياً، والمستقبل يفتح ذراعيه لأحمد ليصدق الوعد، ويحقق الحلم، ويكتب أروع ما عنده، ليكون لبنة في مستقبل عربي واعد بعد ربيع عربي لم يكتمل بعد!


غلاف رواية أحمد المؤذن، وقت للخراب القادم (2009). الناشر: دار نينوى، دمشق.

غلاف رواية


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3206368

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC