أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 5: 48-59 » العدد 58: 2011/04 » أصوات داخل الكرتونة

بشير عمري - الجزائر

أصوات داخل الكرتونة


بشير عمري=1=

توهته ظلمة القبو المعزول والمجهول في جغرافية الكون، فاستحال إلى معلق في خواءات الوجود. لا شيء يعكس له حقيقة كينونته سوى جسده المحرق وهو يتحسس أطرافه المضروبة بالحديد والنار لكنه لا يرى تلك الأماكن المضروبة. ولكم يغدو صعبا أن تحس بعذاب أعضائك دون أن تراها، فصار يدرك وجوده بالآلام الراقصة على جسده.

لم يقو على حمل راحة يمناه كي يمسح عن ركبته الدم النازف، ولا يسراه ليكفكف دمعة منصهرة تكاد بألاهيب الحسرة أن تحرق خذه، بعد أن انتهى من حصة اليوم في الاستنطاق، وما ظل يحز في نفسه هو أنه لم يكن لديه ما يخفيه بل إنه كان يتمنى لو أنه كان لديه حقا شيء يخفيه لكان ساعتها سارع إلى الجهر به وتخلص مما آل إليه من يوم قبل بأن تدخل تلك الكرتونة اللعينة بيته.

=2=

هكذا تحولت بقايا ذاكرته وسط جمجمته المطرزة بكدمات كبقع كرة القدم السوداء التي تتلاعب وتتقاذفها الأقدام إلى أداة ألم وتعذيب له، من لحظة أن صفق الباب بعنف خلف شقيق زوجته وهو يغادر البيت في تلك الليلة المشتعلة بالمتظاهرين، وانتفض صارخا في وجه زوجته:

"أخوك هذا اللص الخسيس ذو السمعة السيئة بين الناس يريد أن يلطخ سمعتنا في هذا القصدير. أرجوك امنعيه من أن يعاود زيارة هذا الكوخ الشريف."

"وكيف تريدني أن أمنع أخي من زيارتي" هدئ من ثورتك."

بدت هي الأخرى حقا منزعجة من زيارات أخيها لكنها كانت متأكدة أن مجيئه إليها بالحي القصديري هو بدافع ودي وليس وظيفي، ابتسمت وهي تذكر "وظيفي" لأنها تدرك مديات أطماع أخيها وطموحاته، فخياله في السرقة أكبر من قدرات وقاذورات هاته العشوائيات. ثم نظرت إلى زوجها المنفعل وتساءلت في صمت "أحقا يستقيم لديك التفكير أن يترك أخي قلب المدينة وأثمن ما فيها يشتهي كل المخاطرة لينزوي إلى مؤخرتها بهذا الحي الميت ليسرق ما فيه من أشياء لا تستحق النظر حتى؟"

تبرم قليلا قبل أن يصيح وهو ينسحب من أمام وجهه: "بت أعاف سيرته كما أعاف جسدك النتن الأجدب الذي أعاقب كل ليلة بعذاب القرب منه."

دوت منها ضحكة عالية وهي تضرب براحة يدها خصرها: "هذا لأنك لن تقوى على عذاب الابتعاد عنه."

لم تشأ المزيد من التجاسر والتشاجر بالرد على جدب الجسد، فراحت تلقي بكل حمولات غضبها بداخلها، لأنها وبرغم كل جراحات الأيام وقسوة الكلام معه بين الفينة والأخرى، لا زالت تحتفظ له بالكثير من الود وأسباب الحب، فهي إن بدا لها بعض من عيوبه واشمأزت منها، أنبته وبقسوة لكن داخل روحها.

=3=

خمدت حرب التلاعن بالألسن لكنها استمرت بالأعين ضارية دائرة رحاها بينهما. كان يأمل في ألا يعود صاحب الكرتونة في الموعد الذي ذكره له لتصبح ملكا له مثلما وعده، فساعتها سيكون بوسعه أن يطلق إشارة البدء في مشروعه السري، المشروع الذي ظل عشر سنين رهن وقف التنفيذ.

رأى أن يتحجج أمامها بأن قوة التيار الكهربائي بهذا الحي غير قادرة على تشغيل تلفاز من آخر طراز كهذا، فلن تجرؤ على نقاشه فهي ليست فقط غير متخصصة بل غير قارئة بالمرة، فحتى المسلسلات المكسيكية التي تترجم إلى العربية، تتعب بنات ابنة خالتها في المدينة من إعادة ترجمتها لها كلما حضر موعد بثه الأسبوعي، حتى صرن يتبرمن ويتهربن منها ويذهبن لمتابعة المسلسل خارج البيت، عند صديقاتهن، فقد رأى مدى تعلقها بأمل عدم عودة الرجل لاستعادة أمانته وكيف أنها فرحت يومها كثيرا بالكرتونة كما لو لم تفرح من قبل وصارت من وقتها مضبوطة على رزنامة زمنية غير رزنامة الناس، مبدأ يوم دخلت الكرتونة البيت ومنتهاها اليوم المحدد للعودة أو للفوز بها، ثم يغدو به إلى السوق ليشتري حبا آخرا.

أما هي فراحت تصرخ هاته المرة في نفسها "عن أي جدب تتحدث يا أنت؟ الجدب قال؟ هي حبيبي تشجع ولملم بضعة ألاف دنانير لنسأل الطبيب من هو صاحبه أنا أم أنت؟ ثم تعال هنا قليلا. ما الفائدة؟ أسألك هل تريد أطفالا لتهديهم ميراثا عظيما صفيحك الأزلي هذا؟"

=4=

ثم استدار قليلا صوبها ورمق الكرتونة المخبأة خلف باب الغرفة الوحيدة بالبيت.

"إياك أن تكوني قد حدثت المجرم في أمر الكرتونة؟"

"بلى فعلت."

أمسك رأسه بيده. رباه وهل كان عليك إلا أن تفعلي؟ الآن بت أخشى على الكرتونة أكثر من خشيتي عليك وعلى بيتك.

"رآها وسألني إن كنا تعافينا واشترينا تلفازا فأخبرته بالحقيقة. إن صديقك غريب دق في منتصف الليل بباب البيت محملا بكرتونة لجهاز تلفاز. طلب منك أن تحتفظ له بها له لأنه مسافر لبعض الوقت ويخشى عليها أن تركها ببيته القصديري أن تسرق. وإذا لم يعد في التاريخ المحدد فستصبح الكرتونة ملكك."

ما كادت أن تنهي الكلمة الأخيرة حتى اهتز قلبها واندفعت من دخيلتها عاصفة من الأماني المشوشة كأن يتعطل الرجل وبأي وسيلة عن العودة في هذا الوقت المحدد.

كانا يجلسان على سريريهما ويتفرجان على صورة جهاز الشاشة المرسوم على الكرتونة مرة بالزاوية البيضاء والسوداء ومرة بالزاوية الملونة، اهتز ضاحكا في إحدى خلواته مع نفسه وهو يتناول معها شأن الكرتونة، نظر كرة أخرى إلى حجمها الكبير ثم قام وأخرج من خزانته حوائجه أداة القياس وراح يقيس عرضها ثم ضرب القياس في أربع وسجل الرقم، ثم طلب منها أن تحضر كرسيا، اعتلاه بقدميه ثم راح يقيس الثقب الشفاف في سقف الغرفة. نزل عن الكرسي وقال لها:

"فزنا في مطلق الأحوال حتى وإن عاد صاحب الكرتونة."

ابتسمت وهي تسأله: "كيف؟"

"سأطالبه بثمن احتفاظي له بالأمانة."

"وما هو الثمن يا ترى؟"

"أن يأخذ الجهاز ويترك الكرتونة."

"خاوية تقول؟"

"أجل خاوية."

"وما الفائدة؟"

"سنسد به الثقب الشفاف بسقف الغرفة ويمنع عنا بعضا من تسربات مياه المطر."

"يعني سنبقى بدون تلفاز ودون أفلام كما الناس."

=5=

ثم سكتت وهي تحشوا المخدة بريش الحمام وتمسح بناظرها سطح البيت: العام الماضي أهداك صديقك كرتونة ثلاجته الكبيرة لتسد الجانب الأيسر من سقف البيت وهذا العام تحلم بكرتونة تلفاز صديق آخر لتسد الجانب الأيمن من ذات السقف.

أما هو فكان هو يرد عليها في دخيلته "لو أنك أنجبت من عشر سنين لما كنا في حاجة إلى أنس أفلام تلفاز كنت ستنعمين بأنس أفلام على الطبيعة."

لم يكونا عابئين بما يجري خارج البيت من اشتباكات يومية بين المتظاهرين من أنصار المرشحين حول رئاسة البلدية المتخاصمين بالشوارع والمتراشقين بالحجارة في أزقة القصدير، فقالت:

"سمعت أن أخبار هاته الأحداث نقلت عبر قنوات أجنبية. جارتنا أكدت أنها رأت حينا عندما كانت في زيارة لبيت أخيها في المدينة ليلة أول أمس، حبذا لو شغلت الجهاز مرة واحدة فقط."

لكنه أصر على الرفض، نظر إليها بابتسامة ساخرة بدا بها مستغربا من خبر انتقال حيه القصديري إلى الفضاء عبر القناة العربية.

"أعرف أنك لا تذهبين مساء كل اثنين إلى بيت ابنة خالتك سوى للتفرج على المسلسلات المكسيكية لا أخبار ولا هم يحزنون. ما الذي يعجبك فيها؟ أو بالأحرى ماذا تفهمين منها وأنت التي لم تقعدي يوما على مقاعد الدراسة؟"

وخزتها كلمته الأخيرة، لكنها الحقيقة وهي أحيانا تذعن لمنطق الحقيقة حتى في أشد عنفوان شجارها وعراكها معه، إلا أنها تسلحت هاته المرة بترسانة عواطفها، فالحب لا يحتاج إلى ذكاء في صراعاته وعراكاته ليحسم الأمر له بقدر حاجته للاندفاع بقوة إلى ساحة القتال فيه فقالت له.

"أذهب لأستمتع برؤية بطل المسلسل."

اهتز وثارت دخيلته مرة واحدة وظهر لها منه ذلك حتى ولو أراد مداراته بتصنع الاشتغال بمد قدميه ودفع الكرتونة قليلا نحو الكوة المظلمة خلف باب الغرفة.

فارتأت أن تهدئ من ثورته:

"أنه يشبهك كثيرا كثيرا، أسمر مائل إلى الحمرة، بشعر مجعد طويل القامة، صوته جميل ببحة غنائية جبلية. الفرق بينكما أنه غني وأنت فقير، رقيق هو مع زوجته وأنت فظ. يذكرني بك، أقصد بالأشياء التي طالما يئست من أن تعطيني إياها أنت.

وسرعان ما تحسست إعصارا بات يولد في عينيه وهو ينظر إليها في صمت مر، وقد صار يقترب ويقترب، فخشيت تسونامي أعصابه الهائجة الذي بدا يتهددها ليلتها هاته فرأت أن تلوذ إلى الصمت بعدما استعدت للكارثة، وإذا به يقتلها بوداعة سامة.

"أكملي أرجوك. أكملي: وله أطفال وأنا ليس لي."

فلمح سحابة حزن ممزوجة ببريق احتجاج ورعود باكية قد لاحت في أفق التشكل بعينيها وكامل وجهها، فاستبق غضب طبيعتها.

"إنه التمثيل يا أنت. التمثيل فقط."

أكملت حشو المخدتين ولم تدر كيف فعلت، ثم ودون استئذان ألقت برأسها على إحداهما وسحبت الغطاء على جسدها من غير أن تنبس ببنت شفة. أثارت فيه بعضا من الشفقة فأراد أن يطيب خاطرها بأن يسألها عما حضرت للعشاء لكنه أحجم، فانطوى هو الآخر بالسرير يجذب إليه بالطرف الآخر من الغطاء وهو يتمتم: "تعب الشغل اليومي في مزابل الخواص أهون من تعب الحديث إليك."

=6=

طرق متواصل بالباب مع فجر يوم تسليم الكرتونة ما قبل الأخير، نهضت زبيدة مذعورة. ألقت الغطاء من على جسده، وصارت توقظ زوجها. انهض ربما جاء يطلب أمانته. صديق لا ذوق ولا أدب له. جاء صديقك اللعين يطلب أمانته، مذ ابتليت بالزواج بك وأنا أترنح في تعاسة الحظ.

ثم سرعان ما دوت صرختها حين لم تجد الكرتونة في مكانها، فحتى إدريس راح في مسافة الطريق القصير بين سريره وباب البيت يتدبر كلمات ويرتجل الأعذار ويركب الأكاذيب لينقلها إلى صاحب الأمانة، لكنه وكما لو أنه فتح على نفسه باب واد يندفع من إعصار حيث اجتاحه رجال الأمن يفتشون بيته شبرا شبرا، يقلبون الغرفة الوحيدة حتى قلبوها رأسا على عقب، ثم اقتادوه إلى مكان مجهول معصوب العينين من دون أن يتركوه ليكثر من السؤال. أما زبيدة فقد نسيت أمر الكرتونة ولم تسأل عنها حتى، وهي واقعة في حجر جارتها تحاول أن تعيدها من هول الرعب الروع إلى الطبيعة.

=7=

في الغرفة المظلمة بالمركز المجهول ألقي إدريس، فراح يحبوا، وأنين أحدهم يخترق سمعه وفؤاده. وبصعوبة تعرف على وجه نسيبه.

"ما الذي جاء بك إلى هنا؟ ومن فعل بك كل هذه الفظاعة؟"

نظر إليه زوج أخته ثم أجهش بالبكاء قبل أن يقوى على النطق ويسأله:

"من أعطاك الكرتونة؟"

"غريب، صديقي. وأخشى أن يعود خلفي ولا يجدها، لقد سرقوها."

ثم شده من طرفي ثوبه وهو يصرخ في وجهه:

"إياك أن تكون قد سرقت جهازه وبعته كعادتك."

راح يروي له كيف تسلل إلى البيت وأخذ الكرتونة، ثم فاجأه في منصف الطريق بالمنعرج المؤدي إلى وسط المدينة رجال أشبعوه ضربا واقتادوه معصوب العينين إلى مكانه هذا الذي يجهله.

غرق مرة أخرى في البكاء وهو بين ذراعي نسيبه يخضه ويحضه على الكلام.

"لم يكن بالكرتونة جهاز تلفاز يا نسيبي."

"وماذا كان بداخلها إذا؟"

"صندوق اقتراع مسروق، فيه أصوات الناخبين."

وأجهش بالبكاء بصوت مرتفع في حين انهار كل شيء في إدريس وهو ينتظر نهاره يسأل نسيبه.

"هم قد وجدوا الصندوق المسروق. ومن سرقنا نحن؟ ومن سيجدنا إن وجدنا؟

راح في الصباح، قبيل أن يبدأ أحدهم في التحقيق معه بشأن القضية، يتأمل في خواء الغرفة المضاء فقط بضوء شاشة تلفاز عريضة طويلة من آخر طراز معلقة كإطار لوحة فنية على جدار الغرفة، حيث تبشر مقدمة النشرة الجوية بتنورتها القصيرة وشعرها الأصفر ووجهها المستدير الجميل وابتسامتها الأخاذة بأمطار غزيرة ستتساقط الليلة على المدينة وما جاورها، فانزلق بناظريه صوب الكرتونة، فتذكر سقف الغرفة الوحيدة في بيته، ثم تذكر زوجته.

D 1 نيسان (أبريل) 2011     A بشير عمري     C 0 تعليقات