سهير سليمان - مصر

ثروة من الماضي يحرقها الفساد

المجمع العلمي المصري: ثروة من الماضي يحرقها الفساد

سهير سليمان، صحفية وناشطة من مصريخطئ من يثق في أن المشاعر الإنسانية تبنى على علاقات بين إنسان وآخر أو بين الإنسان والحيوان الذى يتخذ منه رفيقا. كلها علاقات متبادلة المنافع. يتعلق الإنسان بذكريات أخرى تقويها أوتاد اعمق، ألا وهي التعلق بمكان ما. وسوف أتطرق في حديثي إلى مكان مرتبط بطفولتي وما استحوذت من معلومات.
أبي الذي شارك في بناء مجموعات من المصاحف، والكتب، والمراجع، والوثائق النادرة من معظم بقاع العالم، لم يترك حلقة علمية أو مناقشة معرفية إلا واصطحبني معه إليها. من هنا جاءت علاقتي بالمجمع العلمي المصري.

سليمان حسن، خبير كتب نادرةاشتياقي إلى سماع حديث أبي (*) وانتظاره وهو يمضى الساعات منغمسا بالكتب زاد من اشتياقي إلى زيارة المجمع الذي أبعدتني الغربة عنه والوطن. منذ حوالي خمس سنوات قمت بزيارة سريعة للمجمع بحثا عن مراجع لاعتمد عليها في كتابة موضوع تاريخي حول مصر. وطوال السنوات التالية، مررت تكرارا في كل زيارة لي لمصر بجوار المبنى وودت لو سمح الوقت لي بزيارته، ولكن "نريد، ويفعل الله ما يريد"، فقد كانت آخر الذكريات في آخر زياراتي لمصر حين وجدت أن من واجبي نفض رماد الحريق من فوق المجلدات التي التهمت النيران الكثير من صفحاتها.

موقع المجمع العلمي

المبنى قديم قدم الزمن. وقف شامخا في حياء وتواضع وسط القاهرة. شموخه ليس لحجمه، ولكن بما احتواه من معلومات وقيم إنسانية.

ويقع المبنى داخل سور يضم الكثير من المؤسسات الحكومية والوزارات، منها وزارة الري والشؤون الاجتماعية، ومؤسسة النقل العام، وهو قريب من مجلسي الشعب والشورى، وعلى بضع خطوات من مجلس الوزراء، ويشارك أحد جوانبه الجمعية الجغرافية.

والمجمع العلمي على مشرفة من الجزء الأخير من شارع القصر العيني المؤدي إلى ميدان التحرير. والناصية الأخرى تطل على شارع الشيخ ريحان.

وصف المبنى

مبنى المجمع العلمي قبل الحريقبالرغم من صغر حجم الطوابق الثلاثة التي يتكون منها المبنى، إلا أنه في ذاكرتي كبير. قد يمر الكثيرون عليه كل يوم دون توقف لمعرفة هذا الصرح.

يبدو من أي الشوارع المؤدية إليه مبنى مستطيلا، قام بتصميمه وفقا للطراز المعماري المملوكي أحد أقارب مراد باشا، ويدعى إبراهيم كاتخدا، المعروف بالسناري بك، حين أتى إلى القاهرة من الصعيد عام 1794، أي قبل وصول الحملة الفرنسية إلى مصر. ثم جعله وقفا، شريطة أن يبقى على حالته دون تغير كمبنى أثري يتمتع بالحماية.

تغطي فناء المدخل تكعيبة من الخشب النادر الملون، مرتكزة على أعمدة من الرخام. وتتوسط الفناء فسقية من فسيفساء (موزاييك) تؤدى إلى مدخل الديوان المكون من رواقيين، تعلو قبوة كلا منهما، للسماح بدخول الضوء على الممر المؤدى إلى عدد من الغرف التي خصصت للخدم في تلك الحقبة.

كل دور من المبنى تتوسطه مسطبة مؤدية إلى غرف من الناحيتين، استخدمت فيما بعد قاعات لحفظ الكتب والمواد النادرة، وأخرى للقراءة والبحث أو المحاضرات.

فكرة لخدمة العلم أم مركز لخدمة الفرنسيين

يعد المجمع العلمي اقدم هيئة علمية تم تأسيسها بالعالم العربي. عندما قاد نابوليون بونابرت الحملة الفرنسية على مصر، جاء بصحبته إلى جانب العسكر الكثير من العلماء والباحثين الذين كان بحاجة إليهم لدراسة مصر تفصيليا حتى يتسنى للحملة الفرنسية الوصول إلى المواقع الاستراتيجية والتاريخية التي تخدم الغرض الذى جاءت من أجله.

قرر نابليون في 20 من أغسطس (آب) عام 1798 أي بعد 41 يوما فقط من وصوله، تأسيس هيئة علمية. ومن هنا انطلق المجمع العلمي.

بعد تولي سعيد باشا ولاية مصر أمر عام 1856 بنقل المجمع إلى الإسكندرية، فالتحق به الكثير من العلماء والمتخصصين الأجانب الباحثين في مختلف العلوم، والآداب، والفنون، والجغرافيا وغيرها. في عام 1880 عاد المجمع مرة أخرى إلى مبناه الكائن بالقاهرة.

بالرغم من أن الهدف وراء إقامة المجمع كان من اجل خدمة الحملة الفرنسية وباحثيها، إلا أن المجمع اصبح بمثابة شرارة نشر العلم والمعرفة في مصر، فجذب إليه الكثير من العلماء والمتخصصين من أنحاء العالم.

الزائر للمبنى سيشاهد واقعا، كثيرا ما استرعى انتباهي منذ زمن، ففي المنطقة المحيطة اطلق على شوارعها أسماء الكثير من أعضاء المجمع، مثل عالم الفلك الشهير محمود الفلكي الذي اخذ الميدان اسمه، وشارع علي باشا إبراهيم، والمنصور، وأحمد زكي باشا، وبالقرب من شارع ميريت باشا، ماسبيرو. هذا إن دل على شيء، فإنما يدل على احترام العلم والعلماء في تلك الحقبة، والتأكيد على النشاط الذي اتبعه المجمع في نشر العلوم عن طريق الندوات والحلقات العلمية، والتثقيفية، والفنية على مدى تاريخه، بعضها شهري وبعضها أسبوعي، والبعض الآخر احتفالا بالمناسبات العلمية أو المتعلقة بوجوده.

مكتبة المجمع ومقتنياته

بالرغم من صغر حجم المبنى إلا أن مكتبته ضمت اضخم مجموعة من المواد الشاهدة على تطور العلم والتاريخ الحديث والتي فاقت مكتبة الكونجرس الأميركي، ليس فقط في مقتنيات مكتبة المجمع ولكن أيضا في قيمة محتوياتها الثمينة.

احتوت المكتبة على اكثر من أربعمئة الف مادة من بينها مئتا ألف من أمهات الكتب بمختلف اللغات، ضمت النسخة الأصلية من موسوعة وصف مصر(Description de L’Egypte)، التي ألفها الاكاديميون الفرنسيون، وهي مكتوبة بالخط اليدوي، وتتكون من عشرين مجلدا، منها أحد عشر مجلدا مخصصا للصور واللوحات رسمها اكثر من ألفين من الفنانين والرسامين الذين رافقوا الحملة الفرنسية. وهناك مجلد خصص كأطلس للخرائط. أما المجلدات الثمانية المتبقية فبعضها احتوى على شرح للنصوص والمحتويات التي جمعت بالموسوعة،، وبعض آخر يضم الوثائق الثمينة والمخطوطات النادرة، والخرائط الاستراتيجية الهامة، ومن بينها اطلس مصر الدنيا والعليا الذي يرجع لعام 1752، والأطلس الألماني عن أثيوبيا ومنابع النيل ويرجع إلى عام 1842، وآخر حول الهند. وأهم ما في هذه المجموعة الأطلس الذي استحوذ عليه محمد علي تحت عنوان ( ليزوس)، هذا إلى جانب خريطة اتفاقية طابا، المدينة المصرية الواقعة على خليج العقبة التي عادت إلى مصر بموجب قرار هيئة التحكيم الدولية في 27 سبتمبر (أيلول) 1988، بعد المراوغات الإسرائيلية. والفضل في الحفاظ على ثروة العلم يعود لهذه المكتبة التي ضمت بين جدرانها منبع الحضارة من القديم إلى الحديث.

بعد رحيل الحملة الفرنسية عن مصر عام 1801 لم يلق المجمع العناية التي قدمها الفرنسيون وساد المبنى الإهمال، فأمر الخديوي محمد سعيد عام 1856 بدعوة خبراء ومختصين فرنسيين لترميم المبنى وإعادة النشاط العلمي به.

وحتى أعطي كل ذي حقا حقه، أرى من الواجب أن أعطي فكرة سريعة عن الجمعية الجغرافية التي شاركت المجمع ليس فقط في حق الجوار ولكن أيضا في القيمة العلمية.

الجمعية الجغرافية

جمعت الجمعية الجغرافية بين الجمعية المصرية العلمية التي أنشأها القنصل البريطاني بمصر والجمعية الأدبية إلى أنشأها فرنسي استقر بمصر.

في عام 1875 اصدر الخديوي إسماعيل مرسوما بإنشاء الجمعية الجغرافية من اجل نهضة مصر الاستراتيجية وتوطيد علاقتها بمنابع النيل واللحاق بالركب الأوروبي في مجالات الجغرافيا، والدراسات الاستراتيجية، والجيولوجيا والاكتشافات الأثرية.

اتخذت الجمعية الجغرافية في بدايتها قاعة في بيت ابنة محمد علي باشا، السيدة زينب هانم زوجة محمد بك الدفتردار. في عام 1925 تم نقل الجمعية الجغرافية إلى المبنى المجاور للمجمع العلمي والذي تم تسجيله كمبنى اثري يرجع إلى القرن التاسع عشر كمثال للتقدم المعماري والفن الزخرفي. وفي عهد الملك فؤاد الأول احتفلت الجمعية بذكرى العيد الخمسين لإنشائها. وقد دعيت للحضور الجمعيات الجغرافية العالمية حيث أقيم المؤتمر الدولي الثاني عشر للجمعيات.

اهم مقتنيات الجمعية الجغرافية

إلى جانب الخرائط والمواد الأخرى النادرة، اهم ما تقتنيه الجمعية الجغرافية "المحمل النبوي" الذي كان يخرج سنويا في احتفال شاسع من مصر بكسوة الكعبة الشريفة التي يعمل عليها أدق الحرفيين المصريين على مدى عام كامل. وتحمل على ظهور الجمال كهبة من مصر إلى السعودية. وبعد الحج يعود المحمل بكسوة العام السابق. وتقتني الجمعية خرائط لقناة السويس إلى جانب جزء كبير من المواد القبطية النادرة.

حريق المجمع

مبنى المجمع العلمي يحترقمنذ الخامس والعشرين من يناير (كانون الثاني) عام 2011، أي يوم انطلاق الثورة المصرية، لم تشهد مصر يوما يسوده الهدوء أو الابتعاد عن المراوغة التي واجهتها الوقفات والاعتصامات الثورية السلمية بين الحين والآخر.

بعد استقالة وزارة عصام شرف، الأولى بعد نجاح الثورة في خلع مبارك، فرض المجلس العسكري الذي تولى الحكم كمال الجنزوري رئيسا للوزراء. وتم استخدام العنف لفض اعتصامات ميدان التحرير في 19 نوفمبر (تشرين الأول) 2011، واسفر ذلك عن مقتل أكثر من أربعين متظاهرا وإصابة اكثر من آلفين آخرين.

كان المتظاهرون قد اختاروا الشوارع والميادين المتفرعة من ميدان التحرير أماكن للاعتصام. واختارت مجموعة منهم الاعتصام أمام مبنى مجلس الوزراء احتجاجا على فرض كمال الجنزوري رئيسا للوزراء، وكان اعتصامهم سلميا.

وقد شهد شارع محمد محمود المؤدي إلى وزارة الداخلية أعمال عنف شاركت فيها قوات الشرطة، والشرطة العسكرية، وبلطجية مأجورون. وراح ضحية هذا العنف حوالي 255 شخصا، وإصابة أكثر من ثلاثة آلاف بإصابات خطيرة نتيجة استخدام الرصاص الحي والمطاطي والخرطوش الموجه إلى العيون والرؤوس، بالإضافة إلى الاختناقات التي أصابت الكثير من المتظاهرين الآخرين من جراء استخدام الغازات السامة والممنوعة دوليا.

وقد ساعد على انفجار الموقف ما أصدره علي السلمي، نائب رئيس الوزراء (كمال الجنزوري) في وثيقة المبادئ الأساسية للدستور، إذ ضمنت امتيازات خاصة بالقوات المسلحة والمجلس العسكري فقط، وتتيح التدخل في اختيار الهيئة التأسيسية لوضع الدستور، واستمرت الأوضاع حتى جاء اليوم المشؤوم، أي 16 ديسمبر (كانون الأول) 2011.

في ذلك اليوم، قامت قوات تابعة لوازرة الداخلية وأخرى من القوات المسلحة بالاعتداء على المتظاهرين السلميين أمام مبنى رئاسة الوزارة، واستخدمت اشد وسائل العنف ضد النساء قبل الرجال.

وشملت الاعتداءات على المعتصمين اعتداء سافرا على شابة سحلت، وبدأ جسدها يتجرد من الملابس نتيجة لذلك. وشهد هذا اليوم أيضا مقتل (المتظاهر) المسالم الشيخ عماد عفت، أمين الفتوى بدار الإفتاء. ولم يمض هذا اليوم الكئيب حمل ليله الدامس الاعتداء المتعمد على المجمع العلمي وتدمير محتوياته.
اتهم المجلس العسكري المتظاهرين بحرق المجمع. ولكن هل لهذا الاتهام أساس من الصحة؟

لا بد هنا من وقفة للحساب.

قيام الثورة منذ البداية كان سلميا، وعلى أيدي افضل الأجيال المصرية تعليما وثقافة ومستوى اجتماعيا. وتحمل الثوار منذ البداية وحتى هذا اليوم شتى أساليب العنف، ولم يقوموا بعمل تخريبي واحد، فكيف يعقل أن يقوموا بحرق منبع وصرح للمعرفة والعلم يعرفون قيمته جيدا؟

كتب محترقة من كتب المجمع العلميالتخريب جاء على أيدي بلطجية مأجورين لإثارة الفوضى المتعمدة والرعب في البلاد، وقد كان هؤلاء وسيلة المجلس العسكري والمتواطئين معه من أجل خداع الشعب، وإلا فلماذا وقف العسكر يتفرجون على البلطجية وهم يشعلون النيران في مبنى لا يعلمون قيمته؟ إضافة إلى ذلك، لم ترسل سيارة إطفاء واحدة لإطفاء الحريق.

في اليوم التالي، أي في السابع عشر من ديسمبر (كانون الأول) 2011، انضممت إلى المتظاهرين والمشاركين في توديع الشهيد عماد عفت من الأزهر، حيث أديت صلاة الجنازة. واستمرت المسيرة بعد دفنه في مثواه الأخير إلى ميدان التحرير.

تركت المسيرة لأكمل طريقي لألقي النظرة الأخيرة على مكان له في نفسي ذكريات عزيزة. صدمتي كانت كبيرة حين وقع نظري على الثروة التي تناثرت بين أرجاء شارع الشيخ ريحان، وحين شممت رائحة الدخان، وشاهدت النيران المشتعلة، والأخشاب النادرة تتهاوى واحدة بعد الأخرى.

لم تعد الأعمدة الرخامية بيضاء؛ غمرها لون غريب، حزن، وكآبة لم استطع الوقوف أمامها.

كان لقائي الأخير بتراث المجمع العلمي مع ما تبقى من مقتنيات استطاع البعض إنقاذها ونقلها إلى مبنى دار الكتب والوثائق. وقفت انفض الرماد من فوقها.

تبت أيدى الجهلة المتآمرين على مصر!

= = = = =

(*) سليمان حسن، خبير في المكتبات والكتب النادرة.


مرفقات

سليمان حسن، خبير كتب نادرة

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3106965

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC