ياقوت بلحر - الجزائر

تجليات الإحباط في تشكل الذات

تجليات الإحباط في تشكل الذات في رواية "سيدة المقام" لواسيني الأعرج

إذا حاولنا أن نستند إلى ما عهدت إليه الرواية العربية بتأنيثها للآخر، أو ما يطلق عليه بالتجنيس الحضاري مسقطين إياها على ثنائية الحاكم والمحكوم، نجد المحكوم عليه يحيل على الأنا في معاناته ورحلة إحباطه فينقسم بين متمرد ومتخاذل لتتشتت صورة الآخر على ذاك المخصي الذي يعوض شذوذه بالتعنت ومختلف أشكال الظلم والجور.
إن النصوص التي تنطوي عليها السداسية تستمد بنيتها من المتخيل الواقعي، كما أنها تنبني على شكل محكيات أو مشاهد حوارية ثنائية، تغوص خطاباتها في عوالم يتجلى فيها حدود "الأنا" فضاءً للجسد الذي يتربصه الموت.

فسداسية نصوص المحنة، هي نقل لواقع مزري تلبّس بالذات الجزائرية، إذ "الأنا" تستمد حضورها من "النحن" الذي يحيل على الشعب، حيث ترزح هذه الذات تحت وقع السياط السلطوي الذي لا يجد متعته إلا في قهر هذا الكيان، وكأنه يسعى لإخصاء ذاته، ومحركه في ذلك كراسي السلطة، فبعد أن كشفت أوراق اللعبة السياسية، وانسدل الستار عن أبطال المسرحية التي لم تجد لنفسها عنوانا غير "السلطة لي أو لي" تعرت النفوس وعادت الذات العربية إلى بدائيتها الأولى واسترجعت لسانها ألا وهو السيف ولغة الدم.

ومن ثمة تمحور الصراع في هذه النصوص الروائية الواسينية بين أبناء المافيا وأبناء الجنون كما حري بالكاتب أن يسميهم على لسان أحد أبطاله (الحسين برواية ضمير الغائب) حيث يمثل أبناء الجنون ذاك "الأنا" الذي يسعى إلى إثبات وجوده متحديا الآخر (أبناء المافيا)، لكنه ينتهي دوما بالفشل وخيبة أمل، فيما يبقى الآخر سيد الحلبة في وطن اسمه الجزائر.

فالانطلاقة كانت "رصاصة خرجت لا يعرف صاحبه مطلقا أنه هو صاحب الكارثة"، وكأنه يوحي إلى أن مفجر الأزمة الدموية لم يقصد أبدا ما حصل، إنما كان مجرد وسيلة أو أداة بيد مجهولة وتظل مجهولة مهما ألنا الدوافع المتواترة، وهنا كان مفصل الجسد عن الرأس، بل نقطة انطلاق البعد الآخري الذي لم يمس الجزائر فحسب أنا عبر القطر الإسلامي ككل، إن لم نقل العالم بأسره.

وإذا عدنا إلى ثنائية (الأنا/الآخر) نجد أن أغلب روايات واسيني الأعرج، جاءت مواجهة عنيفة مع الموت، فهي كتابة محورها الفاجعة والأنا والآخر؛ حيث إن الفاجعة تعد "الوحدة المركزية في عنصر الصدام مع الآخر وحتى مع الذات" . فالكتابة عند واسيني هي بحث عن الحياة، فهي حوار نصي بين الحياة والموت، وبفعل تنامي الخطاب قد تتجلى بعض خصائص "الأنا" من جهة، وطبيعة علاقتها بالآخر على اختلاف مستوياته من جهة ثانية، وذلك بالوقوف على عدد من الظواهر أهمها: العنف، الخوف، الهمجية، الموت... والتي أسهمت في خنق الأنا الرافضة، التي تعيش أزمة حرمان، واغتراب الذات في قمع وحشي، وإحساس حاد بالعجز. هذا الإحساس الذي ولّد هوس اللذة؛ لذة اللجوء إلى الآخر(المرأة ارض الآخر)، ولذة الانغماس في الذاكرة الجريحة المثقلة بآلام الماضي، والتي جعلته يتخبط بين عبثية الموت وعبثية الاغتراب، ولا متنفس له إلا الكتابة أو الهجرة أو الانتحار، أو الرضوخ لعبثية الجنون فـ"في بلاد ميكي هذه، يصادرونك حتى في أدنى حقوقك. البلاد الوحيدة في العالم التي يخافون فيها عليك من نفسك؟" .

إذن، فـ"ما معنى أن يكون الإنسان مجنونا في وطن يعتقد كل ناسه أنهم عقلاء؟ وما معنى أن تكون عاقلا في وسط لا يدري انه مجنون؟"، و"ما معنى أن تقطع علاقاتك بالريح والنباتات والصرخات والعمل والوجوه الأليفة؟ ما معنى أنك فقدت الأمل ويئست من معرفة سر الكلمات المخبوءة في ذاكرة لا تمحي"، سيما وأن " في هذه البلاد personne n’est indispensable فلن تتأثر لغيابنا. ربما قد تسعد أكثر فهي اليوم لمن صنعوا فراشها منذ الاستقلال ويرشونها كل ليلة بمزيد من العهر والقتل والسقوط"، وكأن البلد أضحت مخبرا للدم والعهر، فـ"هل من حقنا أن نشتاق إلى مدينة تقتلنا وتحاول اليوم أن تنسانا؟ ماذا تساوي مدينة ترفضك وتستقبل في فراش العز قاتليها" .

وحتى نقترب أكثر من شخصية الذات التي أحبطها صراعها مع الآخر في ظل هواجس الموت والخوف والغربة، سنحاول أن نستند على نظرية المجال، لتبيان مدى تأثير ذاك الصراع، ودوره في تشكيل الذات وتصريح مواقفها، وذلك بتصنيف مواقف الصراع المؤدي إلى الإحباط في أربعة أنواع تكاد تنحصر فيها أغلب المواقف الصراعية التي تواجه الإنسان :

صراع الاقتراب الاقتراب:

ويتمثل في مأزق الضمير الأخلاقي حين التعارض بين هدفين إيجابيين أو متعادلين من حيث الصفات المرغوبة، ويتمثل هذا في الصراع الذي خاضه "الأنا" بين فضاءين مرغوبين عنده؛ فضاء الوطن بماضيه وشموخ رجاله، ونخوة شهدائه، وعزة أنفته رغم خيانات بني كلبون، والذي ينزح إليه بذاكرته، وذاك تشترك فيه كل نصوص السداسية:

رسم توضيحي ياقوت

صراع الابتعاد الابتعاد:

الذات – هنا- مدعوة للاختيار بين هدفين سلبيين غير مرغوبين، وما أكثرها، فالأنا يكره الطبقة المستغلة – المهيمنة (بنوكلبون، أصحاب الحل والربط ...) و(حراس النوايا ...) وكان عليه أن يختار بينهما وإلا ...

ففي "سيدة المقام" نجد "مريم" وفي صراعها مع زوجها، مخيّرة بين أن تسلمه نفسها برضاها، أو أن يغتصبها رغما عنها، فتنتهي إلى ترك بيت الزوجية بعد أن مزقت الدفتر العائلي؛ الذي هو في نظرها طعنة خنجر في ظهر امرأة، إذ يستبيحها لمن هب ودب، مادام هذا الأخير يمتلك وثيقة زواج.

رسم توضيحي ياقوت

صراع الاقتراب الابتعاد:

ويكون للفرد هنا هدف واحد لكنه يحمل الإيجابي والسلبي في الوقت نفسه، ومثال هذا الصراع الارتباطات التي للأنا مع الجنس الآخر، وهي علاقات بقدر ما كانت تسعده كانت تؤلمه؛ تسعده لحاجته المفتقدة للآخر- الأنثى، وتؤلمه لفشله في تحقيق امتداده: إذ كانت مريم تسعد بحميميتها في حضن أستاذها، كم كانت تتمنى أن تكون لها ابنة من صلبه لكن الرصاصة الملعونة سرقت عمرها قبل الأوان، وحتى العباس كان يطمح في امتداده
من زوجته أم مريم لكن القدر حكم بغير ذلك.
أما مريم سيدة المقام، فتؤلمها علاقتها مع زوجها لأن يمثل ذلك الرجل الذي يتعامل مع المرأة كمقبرة للذّاته، فيما كانت تسعد بعلاقتها بأستاذها رغم انعدامية شرعيتها، لا لشيء إلا لأنها تحيي أنوثتها، وتحقق لها وجودها، وحق الاختيار وتقرير المصير.

رسم توضيحي ياقوت

الصراع المزدوج الاقتراب الابتعاد:

ويكون فيه الفرد أمام هدفين كلامهما إيجابي وسلبي في نفس الوقت مثال ذلك:

رسم توضيحي في بحث


قائمة الإحالات :

=1= واسيني الأعرج، سيدة المقام، ألمانيا/الجزائر1995، الفضاء الحر، ص6

=2= حفناوي بعلي، دلالات الخطاب السردي، شعرية القص وانتفاضة الجنس، الملتقى المغاربي حول السرديات، بشار28/29أكتوبر2001.

=3= المرجع نفسه.

=4= واسيني الأعرج، ذاكرة الماء، ألمانيا1997، الفضاء الحر2001، ص30.

=5= واسيني الأعرج، ضمير الغائب، ط1، بيروت1984، دمشق1990، الفضاء الحر2001، ص10.

=6= سيدة المقام، مرجع سابق، ص12.

=7= واسيني الأعرج، شرفات بحر الشمال، ط1، الفضاء الحر2001، ص14

=8= واسيني الأعرج، مصرع أحلام مريم الوديعة، ط1، بيروت1984، الفضاء الحر2001، ص20.

=9= تركز هذه النظرية التي تبناها الظاهراتيون، على الأحداث كما تتمثل معرفيا داخل المتلقين وعلى الأشخاص وظروف الحياة كما يراها الفرد، فخبرة الفرد التي يدركها ه ويصنعها، هي ما سمي بالمجال الظاهراتي، انظر: رحال الحوات، تشكل الذات في مؤلف "أوراق"، دراسات مغاربية، مجلة البحث والبيبليوغرافيا المغاربية، ع12ـ2002، ص23.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3153629

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC