فتحي العكرمي – تونس

قطار الفرح ونصوص أخرى

فتحي العكرميقطار الفرح

بأسمال بالية تلحّف جسمه الغضّ وعلى وجهه جَمال زادته البراءة حسنا. عيناه الخضراوان تنامان تحت رموش ناعمة. غارق في الفقر وموغل في الصّمت. ترجّه رغبة جارحة في أن يمتلك لعبة. يتخيّل قطارا صغيرا يتحرّك آليّا على السكّة. يرى أقرانه وهم يلعبون فتتملّكه رغبة جارحة في البكاء فتخونه دموعه. استيقظ يوم العيد باكرا، لم يجد الفَرَح الذي حلم به في اللّيل، رأى أمّه قابعة على تخوم الحزن. حين كبر عرف أنّ أباه دهسه قطار فمات وتركه دون لعبة.


الانتظار

جلست الأمّ تراقب الطّريق الذي يوصل إلى الجبل مُنتظرة وحيدها الذي سيحلّ من سفر طويل. أعدّت له شوقا وقِصصا عن الخيالات التي زارتها في وحدتها. ستروي له تفاصيل الأحلام التي رأتها في غيابه. حلّ الغَسَق ولم يظهر، انقضى اللّيل وهي تصيخ السّمع، طلع النّهار وقلق الانتظار يرجّها لوحيدها الذي أخذته الغُربة وتفاصيل الحياة.

فاجأتها إغفاءة فزارتها الأحلام المتداخلة: تلمح طيفه مقبلا تسبقه ابتسامة الحنين لحضن افتقده طويلا، ترى جسدها موغلا في الرّحيل بحثا عن القوت تحمل معها ابنها بقدمين حافيتين وبثياب مُرقّعة، كانت تنتقل في مواسم الحصاد من بيدر الفقر إلى قبيلة التشرّد، تركها زوجها مع صغيرها مجهولة في كوخ على حافّة الجبل.

تدرّبت على الصّبر وعرفت صنوف الفاقة. كانت لا تستقرّ على فرح فهي دائمة التّرحال تحمل معها وحيدها وتجرّ وراءها انتظارا موحشا لفضاء تكون فيه الحياة ممكنة. استيقظت وقد بدأ الغسق في رسم ألوانه، التفتت قربها فلم تجد سوى الفراغ يحيط بها. وضعت وجهها بين يديها وعادت إلى سفر الانتظار.


حبّ يموت على الشاطئ

التقيا ذات صدفة على مشارف مدينة مُسرعة. جسدان مُقبلان على الحياة، روحَان يطلُبان الفَرَح، فاضت مشاعر الحبّ على قلبيهما، غرِقا في وحل العشق، يلتقيان كلّ يوم بمزيد من اللّهفة ليتأمّل وجهها المرسوم بجمال طفوليّ. أضحى قلبه مُصوّبا إلى باحَة عشقها، ينتظرها كلّ صباح على أحرّ من الفَقد، كان يرى فيها الغيمة التي ستُمطِر لتبلّل صحراء روحه بسعادة تخيّلها طويلا. أوغل قلبه في الفرح وأضحت روحُه مُشرّعة على ربيع سيُزهر حين تلتقي الرّوحان في إغماءة الحواس. يأتيه الحلم بصورتها وهي ترفل في فستان بألوان متناسقة، حين يستيقظ يُلملم فرحه مُنشدا

"وانّي لأهوى النّوم في غير محلّه ---لعلّ لقاء في المنام يكون"

كان الوقت صيفا، وقفا قرب الشاطئ يتأمّلان طيور النورس ويستمعان إلى الموج وهو يردّد معزوفته. جسد مصقول وعينان بلون البحر وقامتها فارعة، تنحدر من عائلة ثريّة. قطعت الصّمت قائلة: لقد علِمت عائلتي بقصة عشقنا ورفضت زواجنا. اقترب منها بقامته القصيرة ترجّه الصّدمة، يتأمّل عينيها طويلا ثمّ يخاطبها هامسا: "لي الحُلم، سأرسمك وشما على قلبي، وسيظلّ البحر حبيبي ".


أغنية للموت

لك كلّ الألق أيّتها الحياة التي أرضعتنا حليب الانتظار وأطعمتنا كلّ ألوان الفَقد، دُمتَ شامخا أيّها الوجود الذي ألقانا إلى يُتْم يتسلّل إلى القلب فيرسم عليه وشم التّشرّد في عالم موحش. تقبّل منّا بعض الزّهور التي جمعناها في غفلة منك لنَهْدِيها إليك لتفرح حين تُجرّعنا كؤوس الألم فمن شِيَمك أن تكون مسرورا حين ترانا نلملم جراحنا ونجمّع تشتّتا هو من صنيعك. من أين تسلّلت إليك طقوس القسوة لنلقاك تعجن أرواحنا بحِنّاء الوجع؟ ألم تتعب بعد من سفرك في أجسادنا تخطّ عليها عجزا غائرا في الرّوح وترسم عليها وشم الفجائع؟

سنهديك عطرا عجنّاه من ورود الرّوح لتلتهمنا وأنت مُقبل على الفرح، فلْتأخذ كل ذاكرتنا لتعرف كم كنت قادرا على حرث صحراء الرّوح بمعاول صدئة لتكون بُوارا. سنعطيك هشاشتنا التي صنعتنا بها ليكون سبك أجسادنا مستحيلا. ماذا ستفعل حين يُفاجئك العيد وأنت تسخر من ضعفنا ؟

نُعطيك كل الحبّ الذي يرفرف على قلوبنا لتبني به على مقابرنا مسكنا تراقب منه عجزنا الكامل. نهب إليك فرحنا الطّفولي المُطارد من جحافل العسس لِتتدرّب به على خيالات سعادة لا تعرفها ولا تريدها لنا.

لك كلّ الودّ أيّها الموت الذي ينتظرنا على قارعة الظّلام، لا تكن مستعجلا ولا تخف من هروبنا فنحن مِن صنيعك لم تترك لنا مجالا للتمرّد على عرشك. فلْتُنقص قليلا من الضّوضاء والجلبة التي تحيطنا بها لتلتهم ضحيّتك وهي في أفضل حالها. تصل سعادتك إلى قمّة انتصابها وأنت ترانا نُساق إلى بيت طاعتك ونُزفّ إليك عراة بلا أحبّة وفي قلب الوحدة. أبارك لك تواضعك فمَهرك بسيط فيكفي أن نأتيك صاغرين بلا أمل ودون ألوان حتّى تستقبلنا منشرح الفؤاد.

لا تكفيك ورود العالم بألوانها ولا يمكن للرّبيع أن يرسم لك فرحك ونعجز عن مدحك فقدرتك تفيض فوق طاقتنا، لتعذر لنا عبوديّة صنعتها لنا وكنت سيّدنا لذا ترفض هدايانا.


الوفاء

تزوّجا بعد معاناة طويلة مع الفقر، صنعا بيتا مُتواضعا، يعيشان على القَناعة في قرية معزولة، يقضيان النّهار يجمعان الحَطب لبيعه، وفي اللّيل يتقاسمان حُلم الإنجاب. مرّت عليهما سنوات عِجاف رجّت روحَيهما. كانت زوجته عاقرا، أصابها مرض مُزمن فأخذها الموت. في عيد ميلادها يشتري وردتين واحدة لها والأخرى لصغيره الذي لم يُولد.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3256044

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC