فتحي العكرمي - تونس

شواطئ العشق

فتحي العكرميأقف تحت سنديانة وارفة الظلّ. أحدّث الرّبيع عن التي تسافر في ثنايا روحي. أجلس في حقل ملوَّن بأزهار تتمايل على إيقاع هواء خفيف. أجمّع قبيلة الحنين لوجهها الطّفوليّ.

تطير الفراشات قربي. أغنّي لها لحنَ حبٍّ ألّفتُه ذات فرَح. ترقص روحي على ذكرى مزركشة، تنثر حولها رذاذا من عطر الشّوق. تسير مراكب الوجد خبَبا بأشرعة مُلوّنة.

أغازل طيفها، يحضر مُفاجئا كمطر استوائي. ها هي زهرة الأمنيات الجميلة تطلّ من سقف القلب، مُبلَّلة برذاذ العشق. رمت بجذورها إلى أقاصيها.

أرحل في ذاكرة ملوّنة بالحبّ توغل عميقا في شِغاف قلبي. لم يعد المكان يَسَع انتظاري لها. انتقلت إلى شاطئ قريب. ينساب ماءه برقّة. طلبت منه أن يحمل مراكب العشق على ضفاف روحي لتسير متجاورة. سأكتب على كل زورق أبجديّة الحبّ. لقد علّمتني كيف يتراسل القلبان، يكتبان بماء الجسد. حين كانت روحي تتهجّى حروف السّعادة.

علّمتني أنّ زهور الحبّ تنبت على جدران الضّلوع حين يكون الوجد ممطرا. درّبَتني على كتابة مذكّرات العشق. رسمنا على جدار الرّوح وشما عميقا في صخرة الحياة، أردناه أبقى من جسدَيْنا.

هي التي تفيض على روحي كعطر يمضي إلى أقاصي الحواس. ترتّب ضفائرها على مرآة القلب. تجلس على أريكة الرّوح. تصفّف ألوان الوجد، ترصّف بها عِقدا يتدلّى على جدار ذاكرتي. تغتسل تحت سحابة صيف ممطرة. تمضي في ثنايا الذّاكرة، تغرس فيها أوتاد السّعادة.

تقيم في حلمي. تشيّد على القلب رَصيف العِشق. رصّعَته بلآلئ تهدي ضلوعي حين يفيض عليها ماء البُعد. وضَعت على جنباته فوانيس مُلوّنة. عبَّدَته بألوان مخمليّة شفّافة. يصطفّ العاشقون يوقّعون على دفاتره الأغاني والأمنيات الجميلة. ينتظرون أحبّتهم على رصيفه.

التقينا ذات رغبة شبّت فينا، تلتهم سنابل الصّبر.

أطلّت بقامتها المتناسقة. يسبقها شوق متوحّش يحتضن لهفتي الطّفوليّة.

تقترب بمشيتها الواثقة. تخيّلت المسافة الصغيرة بيننا سراب بيداء الفراق. كأنّني مُلْقى في سفينة وقد طلّقها البحر.

جسدها ممتلئ كرخام مصقول. وجهها منحوت كلوحة متناسقة. على فمها ابتسامة توقظ الفرح. على عينيها الواسعتين ينبسط جمال شفّاف. تلبس فستانا مزركشا.

أخذ القلب يرتجف مستبقا المكان. فاض عليه الاشتياق يغمره كالفيضان. ترقص ضلوعي على إيقاع خطواتها.

أخرج قلبانا دفاتر الصّبر وألقيا بها بعيدا. جمّع جسدانا رغباتنا المؤجّلة. فتحتُ ذراعيّ وضممتها طويلا. دفنتُ وجهي في شعرها الحريريّ المُعطّر برائحة الياسمين. حملني حضنها الصلصاليّ إلى غابتها المثمرة.

بدأت رغباتنا في صهيلها الموحش. أخذ الجسدان يتقاسمان إغماءة مخمليّة. أطلّت البهجة من بيادر روحينا. تُعربد الرّغبة في مسارب دمنا. لم نعد قادِرين على الوقوف. جذبتها من يدها برفق. جلسنا وسط الطّريق الذي جمع روحيْنا في لقاءنا الأوّل. وجهها مستدير كبدر مكتمل. على وجنتيها بياض مختلط بلون ورديّ.

جيدها الأبيض مخمليّ. شفتاها مثل وردة تفتّحت تحت ندى الفجر. وضعت يدي في كفّها النّاعم مثل الحرير. تشابكت أصابعنا بقوّة. لم نطق صبرا على جفاف البعد. سرنا إلى كوخ وسط حقل مُغطّى بالسّنابل. حين ولجناه وجدنا رغباتنا المكدّسة قد سبقتنا. تُقيم لنا العصافير موكب الفرح بأصوات منعشة. تحيط بنا شقائق النّعمان. يستعدّ الجسدان لرحلة في شاطئ العشق. أناخت الحواسّ جفافها. تتجهّز ليَمِّ الإقبال على الحياة.

أضحت حواسّنا تنفث فحيح الرّغبة، كالأفعى التي أضنتها الرّمضاء.

غصنا في نوبة شبق. بدأتْ اللذّة ترمي قلاعها على حواسّنا. تجاورت دقّات قلبيْنا. تغوص الشّهوة عميقا في ضلوعنا، تبعثر صهيلها كحصان متوحّش يأبى التّرويض. طاف علينا خَدَر لذيذ. وجدت الرّوح توأمها. والتقى الجسد بحبيبه.

تكثّف سحاب الفرح. أخذ ينبثّ في الضّلوع مسرعا. تستعدّ الرّوح للبَرَد الذي سينهمر عليها غزيرا. نزلت السّعادة مِدرارا بلّلتْ جفاف القلب. تفتّحت زهرة الحياة داخلنا.

تنهش رغباتُنا الامتلاءَ كوحوش جائعة. توغل في أعضاءنا عميقا.

سافرنا في ذاكرة جامحة سردنا بها تفاصيل العشق الذي زرعناه في قلبينا منذ أن التقينا ذات إقبال على الدّنيا. أشعلنا كلّ أنوار شاطئ الحبّ. بدأنا في حصاد قصص حبّنا. لقد أينعت تحت هواء الرّبيع المنعش، وحان أوان نشرها على شواطئ العشق.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3257402

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC