فتحي العكرمي - تونس

النار في حدث أبو هريرة...

معاني النار في كتاب "حدّث أبو هريرة قال..." لمحمود المسعدي

محمود المسعدي: أديب تونسي .ولد بتازركة في عام 1911 وتوفي سنة 2005. من خرّيجي المدرسة الصادقية وجامعة السوربون. له مؤلفات عديدة. القراءة أدناه لكتابه "حدّث أبو هريرة قال...". الناشر: دار الجنوب للنشر، تونس (1989).

فتحي العكرميتحسّس النار وآثارها في "حدّث أبو هريرة قال..." هو اكتشاف لطريق صنعها أبو هريرة وهو يخرج من كهفه المسيّج بطوطم السّحر وبالأسطورة ليرى أكداس الحياة وهي تتفاعل بعنف وتمتدّ بصلابة فيرتمي على حقول الضياء وعلى اللحظة الراهنة التي تفيض دفعة واحدة كالجسد الذي يعود إليه ليحرّره من عبودية الماضي وليكشف له عن الخطوط المتناقضة التي مارست فعلها عليه:

(الأمس/اليوم، الجسد/الروح) والمتشابكة (الخمرة المضيئة، الشمس، النور، النار) والمتقاربة (الفتى، الفتاة) والمتباعدة (عودة ريحانة بعد/الفراق) والمتصارعة (الحياة المشعّة /رحم الله البطل).

هي كثافة تحيط بالبطل لتصبغ على حياته رؤى متشابكة تجعل إنسانيته موسومة حبّا ومأساة وحلولا في الغيب وموشومة تجسّدا وعشقا فتمرّدا على الكون.

نشأ أبو هريرة عبدا مترعرعا في طقوس الرّتابة والأجوبة المنتهية سلفا، لكنه يتمرّد آبقا على كل هذا، فنلقاه يلوّح بتجاربه يخبط بها خبط المتكالب على الجسد وعلى صليل الغرائز فينغرز في الحواس حدّ الامتلاء وينشدّ للنار وللضياء فلم يعد حاضره ظلا للأزلية بل أضحى اللحظة الراهنة ذاتها بكل ما تكشف عنه الحواس من انصباب على واقعيّة الدنيا فتكون القطيعة مع الطقوس والقطع مع مكة والانفصال عن الماضي.

يستيقظ البطل رتابته القديمة بأسئلة مربكة فيقوّض أكداس اللاّفكر ويهدم أطلال اللامعنى ويسافر إلى قيامة جديدة: النّار ورجّة الحياة.

هي البداية حين يطلّ على الصحراء حيث الفتى والفتاة يتكالبان على الأرض. يسكبان الغرائز ويريقان فورة الحواس.

في غمرة لهيب الجسدين يطلب البطل ناره والحياة تمرّدا على الظلام وتقويضا لإظلامه الباطني حيث تبدأ الشرارة لهيبا فجمرا واشتعالا مضطرما فيتمرّد على الكون ويأبق على الموت.

هو الجذور الممتدة عميقا في الماضي والثّقل المصوّب نحو الحاضر والامتداد المسرع للمستقبل.

يخرج من صمته ذات لحظة وهو مكلّل بهذه الأبعاد المتشابكة فيشعل الأمكنة أسئلة متردّدا بين صخب الجسد ونداء الغيب. يرتمي على الحياة فيلقاها حينا مغرية كالضّياء وأحيانا بلا معنى.

يتردّد بين حواسّه التي ترميه على لذّة لا تشبع وبين مشاعره التي تحيله إلى كائن أخف من الملائكة، غير أن النار ظلت تصاحبه في كل الجهات المثقلة حياة والمشبعة بالألوهية فكشفت له عن ذات يتداخل فيها العجز والقدرة، الضّحك والنحيب، المعنى والألغاز.

حين فاجأته صورة الفتى والفتاة على رأس الكثيب يؤدّيان طقوس الفرح وصلوات الارتماء على الحياة تحرّكت داخله رجّة الحياة. الجسدان عاريان على صحراء هي ذاتها منكشفة يقطران انسكابا على الدّنيا فتتعطّل لغة التستّر ويقول الجسد بدمائه ما يمتلكه من عضويّة واعية.

يندهش من عري الجسدين فتدبّ فيه النار التي كانت منسيّة بين ضلوعه فيترك الأمس والوقت الذي كان يهشّ به على جسده من الغرائز ويهجر زوجته التي كانت تدرّ عليه أملا عميقا انتظارا لجنّة السماء وينسى مكّة التي درّبته على تناسي الأسئلة المربكة.

بعثت فيه طلاقة الصحراء ومادّية الجسدين وهما يتعانقان صورة جديدة ومعنى مستحدث للنّار. الصّحراء البكر وشفافيّة الجسدين يصنعان طريقا يبدأ منها السفر إلى النار وبها عودة إلى لحظته، فالمشرق نار فيهتف: يحضر الكون حين تحضر النار فينكشف الضّوء والنور .

يهبّ هو وريحانة إلى الوجود وتتسلّل الأخيرة بحسنها وبروحها الشريدة إلى دنياه تعلّمه التكالب على النار التي تشبّ في جسدها.

لقد فقدت ريحانة قبيلتها وأهلها وعائلتها غير أنّها ظلّت عاشقة لسرّ صنعته النّار حين ذهبت بقومها وببيوتهم وبأهل الحيرة فلم تترك سواها بعد أن وقاها لبيد النار وملكها. فالنار والجسد يحضران وسط أكوام الغرائز حيث يلتقي لهيبها مع أبي هريرة وهو يرفل في جسد جديد يحضّر ضلوعه لتصبر على ثقل الوجود ويدرّب حواسّه استعدادا للبقاء فيصبّ في دمه خمرة فيقيمان حلولا جسديّا برقّة من يخاف على الدّنيا أن تضيع.

في "حديث التعارف في الخمر" (ص 71) يشرب الجميع وكذا ريحانة ونيران الحيّ تخبو. يشعل البطل الخمرة دفعة واحدة فيصبّ الزقّ على رأس ريحانة ويقترب من تفاصيل جسدها ومسالك روحها فيتوحّدان في انغراز بين-جسدي يرتميان على اللحظة الفجّة. ينصبّ عليها ليصطلي بجسده على وقود رغباتها فيحضر حديث التعارف في الجمر والصداقة في الخمر والعشق على ألسنة النار.

في الليل حيث الخلاء وفي ضيعة أبي هريرة حيث الجماعة تسأل الظّلام تضطجع ريحانة على صخرة وتلتصق به وتنشدّ إليه طلبا لناره فتعود إليها صورة طوطم أساف ونائله وذكرى النار التي لازمت قبيلتها فأخذت تغنّي وقد أحسّت بالنار التي بدأت تخبو في جسدها فلم تجد بدّا من إقامة طقوس الحياة [ومفارقة في حديث القيامة]

أساف ونائلة

أوقدا جذواتي

أساف ونائلة

وانفيا عبراتي (ص 79)

لريحانة صوت يستجدي النار لتعيد لجسدها اللهيب ويبتهل لروحها الشريدة لتحضر تمرّدا على الماضي. لم تستطع أن تخفي عشقها للنار "إنّ نفسي لحميم "، فأكلت الرّوح لتكون الرّؤية والتهاطل على الغرائز.

يشتري هذا المتمرّد الشموع ويشعلها دفعة واحدة ليرى النار وهي تتكدّس على حزم الظلام متحسّسا الجمر وهو يمتد ليتبرّج المكان للأجساد المتعطشة للامتلاء فيتطهّر للنار كتطهّره لاستقبال ضياء الحياة وتغتسل ريحانة من الأوهام.

يكون الطّواف بالنار تقرّبا من الحياة ومن الأرض. وحين استيقظ اللهيب اندفعت الفتاتان اندفاعا راقصا راغبا في البقاء وعلى مسافة طرفة عين وعلى وقع السنة اللهيب يعبّ أبو هريرة وريحانة الضوء والظّلال المتمايلة.

حين تخرج الفتاتان من النار تعودان إليها ثانية حيث أصبح وجودهما رهين الحضور وسط نار الحواس وداخل رغبة الغرائز فالنّهد يرقص على وقع اللهيب واليد تتحرك على غنائية الجمر والخصر يقول نشيده على ضوء النار، ففي فضاء تتملّكه طقوس الفعل والإقبال على الحياة يكون حضور ريحانة ممتلئا فتطلب أساف ونائله:

أدركاني لقد ضاقت عليّ النار وأصبح الجمر عاجزا عن احتوائي، فهل من سعير أكبر؟

ويبلغ إقبال البطل على الوجود الى أقاصي العشق فيمارس حلولا جسديّا في الجمر فيصرخ: النّار في جسدي.

تحضر تفاصيل وجودهما المتجسد أين تهبّ ريح شديدة فتزحف السنة اللهيب على الأرض فتأخذ الرجّة ريحانة التي علّمها أبو هريرة النّهم الكافر إلى النار وأراها كيف تستقيم الغرائز بألسنة الجمر فارتمت على النار لتتحول إلى بذرة، إلى طفولة الجمر حيث اللعبة ممتعة عند البداية.

يخاف البطل على ريحانة من أن ينتهي جمرها فيحتضنها وهو يوصيها بأن تصبر على النار ويزفّ بها في الظّلمة عودة إلى طريق الجمر الطويلة ليجده في انتظاره على أنقاض بيته حيث احترق كل ما يشدّ ه للماضي.

يقف مراقبا الدخان والنار وهما يفكّكان بيته القديم قدم حبّه للنار التي تنتظره أينما حلّ لتعلّمه الانخراط في جهات مستحدثة: اليوم والأرض والجسد.

والنار وهي تحرق منزله يستطير البرق ويضجّ ليصبّ لهيبا على الأرض فيضطرب الكون كهيجان البكاء على ضلوعه وهو يتألم لخوف ريحانة من أن تخونها النار.

لقد كان جزعها متوحّشا لأنها تعلم انه لا أمومة بعد النار ولا بقاء بعد فناء الجمر ولا عائلة بعد غياب اللهيب فتبكي حزنا على انطفاء النار.

حين تتكدّس فاجعة غياب النار عليها يرى البطل زوجته وهي تلوذ بسراج وبنقطة من الضوء لا تضاهي شمعة من تلك التي أشعلها هو والجواري في الضيعة، كانت تخاف الجمر مما جعل الحياة عصيّة عليها فأخذتها الصاعقة فيهجر منزله القديم رمز الاستكانة ويستعيد حنينه للنار.

يعود إلى ريحانة إذ لم يستطع الصبر عليها وعلى اللّهيب الذي يلازمه حلاّ وترحالا ويقوده من الأرض إلى أديم الحياة.

حتّى العلّة لم تنسه ناره فنلقاها حاضرة على مشارف حواسّه وعلى تخوم ألمه تعلّمه كيف يكون الانتصار على العجز. تدرّبه كيف يقف دائما في قلب الوجود. في "حديث الحسّ" (ص 87) يكون الألم كالحنظل وتضطرم النار وتحسن في العين.

غلاف حدث أبو هريرةيجلس البطل وريحانة للطّعام في فناء البيت والشمس عليهما (حديث الوضع؛ ص 93) وفي قمّة إقبالهما على الحياة يتلحّفان بضياء الشمس ليزداد التطهر ويشربان خمرة مضيئة فيتحول الطعام إلى حجّ للبقاء يتطهّر له كتطهّره "للإحرام" (ص 96) فيباشره بطقوس متعطّشة للديمومة فالشّواء حين يتحول إلى إكسير وجود يكون حبرا تخطّ به الحواس أقنوم البقاء وأيقونة الانخراط في الحاضر حيث البطل على مشارف طرقين:

التّوق إلى الشمس والخوف من طلوعها وهو الذي تعلّم كيف يكون اشتعال الحواس نارا وجمرا فتطهّرا، وينتصر حبّه للضياء وعشقه للفجر إذ كان توّاقا إلى الشمس خائفا من طلوعها. ويقول: "إن استطعت فاجعل كامل حياتك فجرا"(ص 105).

وفي "حديث الحق والباطل" (ص 119) تعاوده ذات يوم جمعة ذكرى أخته التي تكالبت عليها العلّة فأخذها الموت وهي ما تزال صغيرة وهو الذي يحبّها حدّ الفجيعة والى أقاصي البكاء.

يستعيد ذكراها بوجوم قاتم وبحزن قاتل فيفقد السّماء والأرض والهواء. يهزّه الألم أينما ولّى وجهه فيسأل أصحابه عن معنى النار وعن دلالة الصاعقة وعن منطوق ظلمات القبر فلا تجد أسئلته في نفوسهم مستقرّا أو مسلكا.

لقد كان إظلامه ناتجا عن اعتقاده بأنّ الشّيطان هو مصدر علّة أخته وأصل عجزها عن التوجّع وعن البكاء فيشرب ثمّ ينفجر تشتّتا ونحيبا ثمّ يعاوده النّحيب طالبا السُّكْر دون أن يدركه، ويعود إليه أصدقائه بعد العصر فيجدونه قد جمّع بعضا من وجوده واستعاد علاقته بالحياة.

يسألهم عن الدنيا أهي حق أم باطل فيراها عبثا ووجودا زائفا يتساوى فيها الخير والشر، الصلاة وعدمها، السعادة والشقاء، ويختزلها بن سليمان في خمرة عتيقة يعبّها ويزيد عليها نارا لظى من أمر الدنيا فيصوّب جميعهم إلى الشراب.

يطلّق أبو هريرة جسده وناره ودنياه ويهرب إلى الغيب في تجربة تعبّد مع ظلمة الهذليّة الرّاهبة. في جبل يكاد ينفصل عن الأرض يهدّه سؤال عن الوجود الصادق. يختلي في محراب مغلق ينفذ منه بصيص من النور. يشقّ لحمه بأظافره ويضرّج جسده خدوشا ليتخلص منه فيبكي لعجزه عن قتل حواسه وطمس لذّته ويعرف أنّ "الغيبة تطلب فلا تدرك" (ص 184) وأنّ الروح لغو فيستعيد ثانية جسده والأرض ويهجر الدّير والآلهة.

في "حديث البعث الآخر" (ص 219) يسرج البطل فرسين ويصوّب مع أبي المدائن نحو الغروب يتأمّله ويأسف لغياب الشمس عن الدّنيا. هي بداية الظلمة وهسيس الموت وانبعاث العجز وسطوة الرّوح على أنقاض النور والنار والحياة.

حين يستعيد ذكرى مريم وحيدته التي ماتت على عجل في طفولتها ينحسر النور في عينيه ويكفّ الكون عن البقاء فيرسل بجسده إلى الموت ويغيب في ظلمة العدم مودّعا الوجود فانطفأت فيه النار بعد أن كتب بدمه المعنى الذي سطّره بتجاربه المتعدّدة.

لقد جاء أبو هريرة إلى الوجود غازيا بناره فاتحا للدّنيا بلهيبه ومبدعا للمعاني فكان أعظم من الكون.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 2959346

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC