زهرة يبرم - الجزائر

أحلام موؤودة

هيأت نفسها للذهاب إلى عملها، كما هيأت ولديها الصغيرين اللذين اعتادت أن تودعهما دار الحضانة كل صباح في طريقها إلى العمل. تذكرت أن سائق السيارة العجوز قد تقاعد، وأن سائقا بديلا سيبدأ مهامه اليوم. تمنت على الله أن يكون طيبا وخدوما كما كان سابقه.

في حي من أرقى أحياء المدينة وأمام منزل تبدو عليه علامات الفخامة، ركن السائق الجديد السيارة حسب العنوان المحدد له من طرف مستخدمه صاحب الشركة التي استلم بها وظيفته هذا الصباح.

أطلق من بين شفتيه صفيرا طويلا بنفس واحد وهو يقلب ناظريه في الحديقة الغناء التي تحيط بالمنزل. انبهر بما ينبت فيها من أنواع الأشجار والورود والنباتات المتسلقة للجدران، ونافورة ماء ينعش منظرها الروح تحتل ركنا في الجنة. هل هي من حدائق بابل المعلقة أم تراه قصر من عهد الأندلس؟ همس في سره: الدنيا قسمة ونصيب.

تحرك في نفسه شيء من الحسرة على حاله هو المعدم ذو الحظ العاثر وصاحب الخيبات التي تحاصره منذ زمان ومن كل مكان. لم يتمكن منذ تخرجه من الحصول على وظيفة دائمة بدخل محترم يعتمد عليه في فتح بيت وتكوين أسرة. كل الأبواب مغلقة أمامه، بالكاد كان يتسلل من أبواب مواربة إلى أعمال وضيعة قد لا يضمن له دخله منها أحيانا الاستمرار في العيش إلى آخر الشهر.

مرت سنونه عجافا والعمر يذوي ولم يحقق شيئا من أحلامه التي لم تكن مصنفة ضمن المستحيلات.

غبط ساكني هذا القصر، واعتقد جازما أنهم قد نالوا حظا كبيرا من السعادة على قدر حظهم من الدنيا.

ضغط على زر منبه السيارة. فتح باب القصر، وأطلت منه امرأة شابة يسبقها صبيان كأميرين فرا من إحدى قصص الأطفال الأسطورية القديمة. هرولا نحوه يتسابقان ويتنافسان على المقعد الأمامي للمركبة.

فيما كان منهمكا في فتح الأبواب وفض النزاع بين الصغيرين، جاءه صوت ملائكي لم يكن بالغريب على مسمعه: ليجلس كلاهما في المقاعد الخلفية.

رفع طرفه إلى صاحبة الصوت مستطلعا ومقدما نفسه: إسمي عمر يا ... وتاهت الكلمات في حلقه. ابتلعها مع ريقه ولم يكمل الجملة التي انتقى كلماتها بعناية ليقدم بها نفسه إلى زوجة السيد المدير. وكأنما تلقى صفعتين على الذاكرة، ترقرق قلبه نبضا لمرآها.

سمرته المفاجأة وشلته الحيرة. بين الصوت والملامح وجد إنسانة مألوفة لقلبه، لكن كان قد قتلها من سنين.

لم يصدق أن تكون هي، شابة في سنها، زوجة لذلك المدير الذي التقاه منذ قليل في مكتبه. لقد كان شعرُ شاربيه كما رأسه، فضي، مزيج من اللونين الأبيض والأسود، يسهل على من يراه تخمين سنوات عمره التي أشرفت على الستين.

يا جريحة الوجود، وهل زواجك من رجل يكبرك بدهر إلا موت من نوع آخر بعد مقتلك على يدي؟

أما هي، فنبش الاسم، عمر، في الذاكرة ونكأ جرحا في القلب ما زال ينزف. تاهت فيه بنظرة تحمل شتى المعاني ودلفت إلى المقاعد الخلفية رفقة ولديها.

استرق إليها نظرة في المرآة المثبتة أمامه ليتحقق مما لم يصدقه عقله من صدفة هذا اللقاء، فوجدها بدورها تتثبته فيها. تأكد أنها ميساء، أو ميس، كما كان يحلو له أن يناديها، يدعمها طابع حسن أسود وضع بعناية على أعلى وجنتها اليسرى، تلامسه أهدابها الطويلة عندما تسبل عينيها أو تغمضهما. وفي عينيها قرأ صحائفه.

مدت يدها إلى حقيبتها، أخرجت منها نظارات سوداء بعدستين عاكستين كالمرآة، وضعتها على عينيها لتخفي ما يمكن أن تبوحا به فتفضحانها أمام وائد أحلامها وقاتلها الذي ظهر أمامها فجأة .

* * *

كان يوما شتائيا جميلا يليق بالأحلام الجميلة، يوما هادئا لا مطر فيه، لا برد ولا رياح. هاتفها يطلب منها اللقاء، فرفرف قلبها في قفص صدرها رغبة في الطيران إلى ملاقاته. لقد عاد خطيبها عمر من رحلة عمل في الصحراء دامت ستة أشهر. وتزهو الأماني في مخيلتها المفتونة ترقص وتتمايل يمنة ويسرة. لا بد أنه عاد بالمهر وبتكاليف العرس.

سنجسد أحلامنا حقيقة، منت نفسها. سنحدد موعد العرس ونحجز للزفاف في قاعة مسك الليل، سنختار أثاث غرفة النوم وأريدها باللون الأبيض، سأعلق على مفاتيح الأبواب عرائس صغيرة بأثواب الزفاف، سأركب سيارة مكشوفة يوم فستاني الأبيض يقودها عمر. ستكون الأضواء كلها موجهة إلي.

لم تكن تعلم أن الأضواء يمكن أن تبهت فجأة ودون سابق إنذار، وأن ما سيحدث في ذلك اليوم سيرتسم نقشا على ذاكرتها لا يمحوه الزمن.

تأنقت فتألقت وطارت إليه في موعد الأحلام والأوهام. أسرعت إليه الخطى بدافع الشوق والفضول تشعل من الأمل فتائل لأيامها، وتتسلق أغصان الريح لتبني من الأوهام قصورا فوق الغمام.

لم تتوقع أن الأهم سيهرب منها في لحظات، وأن أمانيها ستتسرب منها كما الرمل من ساعة رملية. لا تدري أنها كفراشة من قبلة القنديل سترتشف حتفها.

وصلت إليه وكأنها جاءته من بلاد الجليد تحمل إليه الهواء النقي. وجاءها، رغم حبه لها، بحسام في يده يلمع بدل الورد ليصيب منها المقتل . جاء لينفذ جريمته فيها مع سبق الإصرار والترصد. لم تعد في قلبه شفقة تأخذ بيد حبه لها لينجو به عن هذا المصير.

سارا جنبا إلى جنب على طريق الكورنيش بمحاذاة البحر. كانت تطارد الصمت في عينيه. كان مقلا في الكلام معها، مشغولَ التفكير في طريقة تليق بقتلها. لا بد من اختيار قتل يليق بوجه حبيبته. أمسكت بيده فكاد يلين ويعدل عن جريمته، لكنه تراجع وصمم.

وصلا أمام شاطئهما المفضل. نزلا الدرجات المؤدية إلى البحر. نزعت حذاءها وركضت أمامه تسبقه إلى الماء تستقبل الموج يتكسر على ساقيها.

رجل وامرأة على شاطئ البحرجلست على الحدود مع المد والموج يداعب أقدامها، وجلس جنبها. سافرت عيناه تبحث عن فرصة للكلام، بينما كان مد الهوى يوغل بين ضلوعها في حناياها الجائعة، عند رعشة القلب الولهان بلحظة اللقاء، المترقب لتلقف البشرى.

أبحرت أدغال عينيه في محياها السمح الطافح بالسعادة. كان يسري في أصداف عينيها جمال وحب. ثغرها كجرح يفتر دما لا تفارقه بسمة الفرح. تنبلج شفتاها كالصبح عن عقدي لجين بين الحين والآخر. سالت على خده دمعة. حزن تؤرخه العيون. ولا تسل عن دمع القلب.

ماذا سيبقي من الحب ومن الحنين يا كل الحب والحنين؟ ماذا سيبقى من القلب يا نبضه؟ ماذا سيبقى من الطرقات ومن المسافات؟ ماذا سيبقى من الشطآن والموج ومن السحاب وزينة الغروب؟ ماذا سيبقى من المدينة؟ وماذا سيبقى من الحواس؟

واستل خنجره من حلقه. قرار كادح ينتصب، يهوي، يحفر، يدمي، يقتل ويقبر. ظروفي صعبة يا ميس، انتهت مدة تعاقدي في الصحراء، وذهب ما جنيته من مال في عملية مستعجلة لوالدي، وفي ثمن دروس أخي الخصوصية، وفي جهاز أختي التي انتظرت سنتين، وتجديد إيجار البيت و... لا يمكننا الاستمرار معا، سأظل لك دوما الأخ والصديق.

لم تعد تسمع وابل تبريراته ولا ما يقول من حيل العشاق لسد الطريق. ومن بعيد بعيد، جاء السكون زاحفا يستل من وجه الحياء ضجيجها، فهوت روحها قتيلة. بدت جامدة الملامح وكأنها اختزلت كل مشاعرها في ابتسامة ثغرها الفاترة. بدا لها كما لو كانت ترى ملامحه في مرايا محدبة. تشوهت صورته وضاعت تقاسيمه.

انتفضت واقفة دون أن تنتظر أن يمد لها يده كعادته لتنهض. نزعت خاتم الميثاق الغليظ الذي يربطهما من إصبعها، وضعته على الرمل، تركت حذاءها وشالها على الشاطئ وصعدت إلى الكورنيش تجر خطاها. استوقفت سيارة أجرة وغابت عن ناظريه إلى الأبد.

حين تتلبد سحب الزمن، تهطل الأمطار، تأخذ معها الألوان وتبقي النقوش. والحب ضعيف في هذا البلد لا يستطيع أن يعيش، أن يقاوم، أن يتحدى، بل سرعان ما تسحقه الظروف. تموت أحلام الشباب في المهد، ويطول وقوفهم في ظلال الحيرة لسنوات.

لم ينهض من مكانه، لم يتبعها بخطاه، لم يلق عليها نظرته الأخيرة، لم يواس حزنها. ماذا عساه يقول لها لو تكلم؟ وهل هناك كلمات تبرئ تمزقا بين الضلوع؟

صب المساء حزنه المعتق في قلبه، فأصبح كالسكران يترنح بين المد والجزر. بكى كما لم يبك من قبل، كأنما استنفذ كل حزنه ومخزون دمعه في يوم واحد. هو يعترف لنفسه أنه لم يكن حكيما في تصرفه هذا، لكن هناك في الحياة ما لا تستطيع أصابع الحكمة أن تبلغه.

لو تعلمين يا ميس أنه قبل قتلك كان قد مات آلاف المرات.

* * *

ركن عمر السيارة بمحاذاة الرصيف، لكن ميس لم تنتبه. كانت تائهة. قال بصوت خفيض: دار الحضانة يا سيدتي "أولادنا أكبادنا". بالكاد تحاملت، جرت نفسها جرا، نزلت وأمسكت بمعصمي طفليها، وقالت بصوت كأنما يخرج من كهف نفسها: "لا تنتظرني سآخذ سيارة أجرة".


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3154766

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC