كروان السكري - بريطانيا

مقتطف من رواية لامار

أدناه مقتطف من رواية صدرت حديثا للكاتبة السورية، كروان السكري، وهي روايتها الأولى، وقد صدرت بصيغة إلكترونية عن اي-كتب في لندن، وسوف تصدر ورقيا قريبا.

كروان السكريلم تعد لامار تمتهن التوقف والانتظار بل هي ترقص مع التحول وتحس بنشوة عارمة وكنان يشغل تفكيرها كل الوقت، لا يمكنها أن تقتل كل هذا الجمال في مشاعرها، يجب أن تنثره في كل مكان كما تنتثر الزهور والحبق وشقائق النعمان فوق التلال.

ألا تعلن الأزاهير جمالها لبزوغ الشمس؟ لا تخفيه ولا تداريه. ألا تتثنى السنابل على إيقاع النسيم في دعوة رقص وإفصاح شوق؟ ألا تحتضن الأشجار ظلالها في عمق الضياء؟ ألا تتمطى الطبيعة أمام الناظرين متباهية بألقها وسحرها دون أن تهتم لهمسات العابرين؟

الجمال يقتحم ولا يتوارى والعشاق ينثرون عطر المحبة في عالم نسي المحبة.

تقفز من سريرها مسرعة يجب أن تراه. نيران الحب تحرقها ولم يعد من معنى للحياة من دونه. إنها تريد أن تسكن في عينيه إلى الأبد وأن تمشي نحو هذا الحب بتصميم وأن تسبح بقوة في نهره الجارف.

عقصت شعرها إلى الخلف ووضعت نظارتها وهبطت الدرج، استوقفتها رزان:

"إلى أين مع الصباح؟"

"أود أن أتريض في الهضاب".

"عجيب أمر هذا التريض المتكرر! لم يكن هذا من عادتك، لا تتأخري اليوم حفلة عيد ميلادي. لا تنسي".

"عيد ميلاد سعيد"، قالت لامار بابتسامة سريعة.

تنطلق خارج البيت وتسابق ساقاها الريح لهفة للقائه. لا بد أنه هناك ينتظرها، الأفكار تتلاطم في عقلها؟ ماذا لو لم تجده؟ ستكون خيبة أمل كبيرة.

"لماذا لم آخذ رقم هاتفه؟ لماذا لم أعرف عنه أكثر؟ يا لحماقتي".

تجول في الطريق الزراعي وفوق التلال. تتلفت حولها علها ترى خياله قادما من بعيد ولكن لا أثر له. ساعات تمر على جلوسها فوق الحشائش ومرارة الانتظار والشوق تكوي صدرها وحلقها فتعود محبطة بخطوات بطيئة إلى القصر.

اعتكفت في غرفتها حزينة بقية النهار: "وجع الحب مؤلم. لا بد أنه راجع حساباته. لابد أنه خائف. ليس من الشجاعة في شيء أن تكون مقداما على مسار زرع بالألغام. قد يكون محقا، لا يريد أن يتورط أكثر. هو إنسان مسالم وفقير يعانق كتبه في النهار وينام على ترنيمات قصائده. لا مكان له تحت ثريات القصور وبين أروقة الدجل والجشع".

إنها تحبه وتخشى عليه غيلان الأرض. يجب ألا تدفعه إلى المستحيل. ألا تقذف به إلى الجحيم. لعل القدر خط لهما مسارين متوازيين يستحيل التقاؤهما. تتفتت أجزاء بصواعق هذا الحب، جزء يحبه، وجزء يخشى عليه وجزء ينكمش مترددا وجزء يقتحم بإقدام، وتحاول حيرى لملمة كل هذه الأجزاء علها تصيغ قرارا صائبا وحاسما.

في المساء تجري الاستعدادات لحفلة رزان، الكل منشغلون، الخدم يفرشون الطاولات في الحديقة ويضعون فوقها الزهور ورزان منهمكة بمكياجها وفستانها وزينتها، وداليا تعطي الأوامر للجميع ولامار ترقب المشهد من نافذة غرفتها في الطابق الثاني.

نقرت زوجة عمها بابها وأمرتها بالإسراع في تجهيز نفسها لاستقبال الضيوف معها.

بدأ الضيوف بالتوافد. المكان متخم بالضحكات والضجيج، والأنوار تنعكس خطوطا تتكسر على صفحة الماء الرائقة في بركة السباحة ولامار شاردة، يندس كنان بين تلافيف عقلها، تراه في الوجوه وفي الزوايا وبين الأشجار، لا ترى أحدا سواه.

تصخب الموسيقى الغربية فتتمايل الأجساد وتلتصق، والأيدي تلتف حولها وتتداخل ثم تبتعد، والأقدام تضرب الأرض مع الإيقاع.

النظرات تلتهب، الفساتين قصيرة لها أنامل تكتب قصص المدينة، والنهود شبه العارية أرجل تقفز برعونة، والأحذية تتكلم صراخا، أردافهن دولارات تتدفق، وشعورهن عبث ضاحك. تشعر بالدوار. تشعر بالدوار. الدوار يلف رأسها.

ترى فراسا بسترته الجلدية السوداء الفخمة والسلسلة الذهبية في عنقه وشعره اللامع المصفف بعناية يراقص إحدى الفتيات وينظر باتجاهها بين الفينة والأخرى. مع انتهاء الرقصة اقترب فراس من لامار ومد يده لمراقصتها. إنها المرة الأولى. لم يقترب منها من قبل قط. لماذا يطلب مراقصتها هذه المرة؟ ما الذي حدث؟

هل يمكن لها أن ترفض؟ أن تمارس حقها في الرفض؟ هل يمكن لها أن تهرب. أن تصرخ. أن تدير ظهرها وتمضي؟ أن تنتزع الاعتراف بكونها إنسانة وأن من حقها أن تقول "لا". لا تستطيع، عليها أن تستسلم لواقع كريه قذفت به اللحظة الراهنة، معركتها من أجل الحرية بدأت ولكن ليس الآن.

لف خصرها بيده، ونظر في وجهها فأشاحت به عنه، التصق رويدا بجسدها وغمرها برائحة عطره النفيس. كان يلتهب في داخله ونيران تمور في قلبه، يغمره ذلك الشعور بامتلاكها فهي ليست كالأخريات، إنه يعشق غموضها وانعزالها.

في تلك الرقصة أراد لأول مرة أن يخترق هواءها ويكسر شرنقتها عله يدخل عالمها، ما أجمل أن تكون بين يديه!

الموسيقى تصدح، فيقرب وجهه من وجهها ويحرقها بأنفاسه. تكاد تختنق. جسده يطبق على أنفاسها. في هذه اللحظة أطفئ عقلها وغاب المساء والأضواء. دمها صار فاسدا. أحشاؤها أحشاء خنزير. هي الآن كائن ناقص بلا كرامة. بلا حرية. بلا خيار.

يشدها إليه وينظر في عينيها مبتسما فتهرب بناظريها بعيدا وتحاول أن تتملص. أن تبتعد، لكن يديه تعتقلان جسدها بقوة. تهرسانه. يتمزق لحمها تحت فستانها الحريري. كم كانت تراه وديعا وجميلا عندما كان طفلا، كان يتقرب منها، يناديها ليلعبا معا، يوزع قطع الحلوى بالتساوي بينها وبين رزان، كانت تشعر بميل كبير إليه. تنتظر الصباح وتفقد صبرها ومريم تمشط شعرها وتغير ملابسها من أجل الإسراع إلى الحديقة للعب معه.

كانا يسيران زوارق ورقية فوق صفحة الماء في بركة السباحة، ويتسلقان شجرة التوت معا؛ وكثيرا ما تعجز لامار عن اللحاق به فتتوقف في المنتصف فيمد يده ليساعدها في الوصول إليه وتجلس إلى جانبه يلتقطان حبات التوت ويأكلانها وهما يضحكان، وعندما تراهما مريم فوق الشجرة عاليا تضرب كفا بكف جزعا وتحثانهما على النزول بحذر خشية الوقوع.

كان يركب دراجته ويدعوها للجلوس خلفه فتسرع إليه تغمرها الفرحة لتفضيله لها عن أخته التي تركض إلى الداخل باكية. كانا يجولان خارج حديقة القصر ويتسابقان في الركض على أطراف الحقول، والمشرفة مريم تقف بصبر تراقبهما من بعيد.

عندما كانت لامار صغيرة في العاشرة من عمرها كانت تراه الأقرب إلى نفسها، وكانت تحب كل ما يقوم به وتتعجب له: يلتقط الخنفساء الملونة ويحتفظ بها في علبة صغيرة لعدة أيام فتقول له: "أطلقها يا فراس حرام" فيطلقها وهو يضحك ويقول: "من أجلك سأحررها".

واليوم كيف تحول إلى وحش كاسر؟ كيف تجمعت خواص الهمجية هذه في داخله؟ يكاد يكون شخصا آخر لا تعرفه. إنه غريب عنها تماما. لم تعد ترى في ملامحه سوى غطرسة سيطرت عليه منذ أن شب عن الطوق.

"سيكون حفل زفافنا ضخما. سيحضره كبار الشخصيات في البلد. أنتظر هذا الحدث الكبير بفارغ الصبر. وأنت؟" قال وهو يتفحص بعينيه البنيتين وجهها المحتقن.

لم تجب. ظلت عيناها معلقتين بالأشجار المزينة بالأضواء. هو لا يريد منها جوابا ولا ينتظر موافقة، ولكنه مع ذلك تمنى في داخله أن يحظى منها بإيماءة أو أي رد فعل يحمل إشارة إيجابية.

خلصت نفسها من يديه بقوة مع انتهاء المقطوعة الراقصة وصعدت السلم سريعا لتنزوي في غرفتها لا تريد أن ترى أحدا.

كيف لها أن تتمرد؟ هل يمكن لإنسانة ضعيفة مثلها أن تغير صيرورة التاريخ؟ أن تنسف تلك الجدلية القائمة على غلبة القوة والسلطة؟ أن تسقط قانون الغاب؟، كانت تقول في نفسها: ألم يغير الضعفاء وجه فرنسا في ثورة الجوع؟ ألم تتجرع أميركا العلقم على يد الفيتناميين؟

لن يكون هذا الزواج.

انبلج الصبح. فتح كنان عينيه على صورتها. لا تغيب، هي في كل مكان. مثلها هو فقد السيطرة على قلبه ولم يعد يستطيع التحكم بسفينته الجانحة؛ سيدعها تقوده حيثما تشاء. اليوم قرر أن يترك العنان للمقود يقوده، لن يستسلم لضعفه المضني.

إنه يتحرق شوقا وبعدا وألما. يمضي الليالي سهادا وأرقا. قرر أن يتسلق الجبال الجليدية المنتصبة أمامه. عيناها تستحقان خوض المعارك ضد الوحوش. لن يكون تمثالا تنحته ظروف جحيمية.

هل يمكن له أن يدع عاطفته تهترئ بإعصار التهديد والخوف والجبن؟ لن يسمح أن يكون كالآخرين ممن بصقهم الأقوياء ورموا بهم في مكب النفايات. سيكون إنسانا مهما دفع من أثمان. سيكون أو لا يكون.

= = =

غلاف رواية لامار

= =

المزيد من المعلومات عن الرواية ووسائل الحصول على نسخة منها على الرابط التالي:

http://www.e-kutub.com/

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3380714

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC