فنار عبد الغني - لبنان

روحٌ تائهـــة

فنار عبد الغنيفي الصالة الرئيسية للمنزل العائلي الكبير، كانت تتربع كأنها ملكةٌ في حفل تتويجها. هي الحسناء التي لم تمسها خطوط الزمان. كل متأمل لوجهها الفائق الجمال يصاب بنوبة طويلة من الذهول الكلي. ذهول يشبه السحر، ذهول لم يتمكن أحد من متأملي جمالها من النجاة منه، ذهول يتبعه أرق مزمن يسكن كل روح تقترب منها.

من مساحتها الصغيرة تطل بوجه مشع وعينين ثاقبتين وجبين متمرد يواري خلفه عالما من الأسرار. أسرار عظيمة يتعلق بعضها بجذورها ،كما يرى أقرباؤها. هي لا تشبه أحداً من أفراد عائلتها. وحول جمالها الساحر، الخاطف للألباب، تنسج القصص وتحاك الشائعات. وجهها حوار بين حضارتين ، حكاية التقاء أصالة الشرق بحداثة الغرب، هو لغز محيرٌ يفتك بالأذهان.

هي تشغل تلك المساحة منذ عقود طويلة، والسبب في ذلك يعود لأفراد عائلتها، الذين حافظوا، الواحد تلو الآخر على مكانتها المهيبة وعلى إضفاء لمسة من الإجلال والتعظيم ليس على جمالها فحسب، بل على كل ما يتعلق بها. كانوا يرددون: "إن الاقتراب من صاحبة الجمال يشبه الدخول إلى عالم من السحر".

في الواقع لم يكن في قولهم أي نوع من المبالغة، فصاحبة الجمال تبدو في ثوبها الأبيض الفضفاض كأنها حورية هاربة من البحر الذي يحيط بها من الخلف وبشكل نصف دائري. وهي على هذا الشكل يخيل لكل متأمل لجمالها أنها تريد اختراق الإطار الزجاجي الكبير المثبت على الجدار والعودة إلى عالمنا.

هل يعقل أنها ترغب بالعودة إلى هذا العالم أم أنها تريد دعوتنا إلى اللحاق بها؟ وماذا لو قدر لها العودة إلى الحياة ثانية؟ لا شك أن جمالها النادر كان سيتلاشى في عصر العنف والقلق والحروب المعلنة وغير المعلنة والجرائم والكوارث والتلوث.

إحدى الحفيدات اقتربت منها ذات مرة، وأطالت النظر إليها على غير عادة، فشعرت بوجود أشياء غريبة تتحرك خلف الإطار الزجاجي. كانت تعلم أن هناك أسرارا عظيمة تحيط بحياة صاحبة الجمال لكنها لم تسمع بأسرار تتعلق بموتها أو بعد موتها.

وضعت يديها فوق وجهها وفركت عينيها جيداً، رأت امتداد البحر واختفاء اليابسة التي تقف عليها صاحبة الجمال ثم غرق الحسناء في الماء رويداً رويدا رغم محاولتها الهرب من الماء إلى الأمام، لكن الإطار الزجاجي يمنعها من الفرار. إنها تمد يديها طالبة المساعدة دون جدوى، لا أحد يلاحظ عذابها فيبادر لإنقاذها ،ورغم ذلك لا تزال تحاول وتحاول دون يأس.

شعرت الحفيدة بجفاف في حلقها واضطراب في قلبها وضيق في صدرها، ولم تتحمل مشاهدة المزيد، فتراجعت للخلف وبصرها كان لا يزال يراقب المشهد المؤلم: يدا صاحبة الجمال ممدوتان خلف الزجاج تلحان بطلب النجدة.

أسرعت الحفيدة بالهرب. في تلك الليلة،لم تتمكن من النوم. وفي الصباح الباكر، انطلقت لتتفقد الصورة. تكرر مشهد الأمس المأساوي فلم تجد بداً من الهرب، غادرت مذعورة، ظلت صامتة، لا تدري ماذا تصنع. هل ستتكلم عن حقيقة ما رأته؟ وهل سيصدقها أحد لو تكلمت؟

أصبحت تخشى الاقتراب من الصورة الضخمة التي تزين الصالة الرئيسية في منزل العائلة . ازداد الأمر خطورةً، إذ أصبحت وأمست وهي تسمع أنيناً يمزق القلب ولهاثاً لا يطاق، لم تعد تمر بالقرب منها رغم القوة العجيبة التي تجذبها نحو الصورة. أصبحت تخاف النوم وتخاف الأحلام وتخاف اليقظة. أصابتها الشكوك حول صحة عينيها وأذنيها، فقامت بزيارة العديد من الأطباء المشهورين الذين أكدوا لها أنها تتمتع بصحة جيدة.

قررت الذهاب إلى عيادة نفسية، لكنها قبل أن تفعل ذلك، شعرت بطاقة تجذبها نحو الصالة الرئيسية، وتضعها مباشرة قبالة الصورة، تسارعت نبضات قلبها الذي يريد الفرار بعيداً.

كانت صاحبة الجمال تذوي في البحر كقطعة ملح كبيرة، تلفظ أنفاسها الأخيرة داخل البحر الداكن. خلعت خاتماً فضياً من بنصرها، وبحركة عفوية قامت بقذف الإطار الزجاجي به، فتناثرت الشظايا في كل أزجاء الصالة.

توجهت إلى الصورة الضخمة وتناولتها ، فرأت الحسناء وقد عدلت من قامتها وقد بدأت أجزاء من البحر بالاختفاء من الصورة بفعل الرطوبة التي ألحقت الضرر بالجدار ثم بدأت تخترق الصورة وتشوه باطنها.

بعد أيام قليلة، بدا فيها الجدار وكأنه أفق مسدود ومظلم، أعيدت إليه الصورة الضخمة التي أطل منها بحر هادئ، يقف على رماله ثوب أبيض فضفاض، بدا وكأنه يريد اللحاق بطيف كان يتبدد من أثر الضوء المنسكب فوق الزجاج السميك للصورة الضخمة.

فنار عبد الغني


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3149034

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC