خليل الجيزاوي - مصر

رغبة ميتة


خليل الجيزاويتجلس أمامي، تتعلق العينان بها، تتبادل العيون لغة آسرة، تنادي عيناها، تستغيث، تمد يديها، نصارع معا شيئا ما، نجاهد حتى لا نغرق في بحر العيون، تلتمع العيون، نتمسك بالتواصل ولا نستطيع أن نفر من ندائهم الآسر.

تحكي عن الذي تساعده، تقف بجانبه، تذاكر له دروسه، يحصل على الشهادة العالية، بعدما فقد الأمل، وأنها كانت تسهر الليل بجانبه، تقرأ له، تبيّض المحاضرات، ثم يدخل الجيش فتساعده وتسانده، وتدعمه لانصراف إخوته عنه لخلافات قديمة على الميراث. فهل يتنكر لها بعد كل هذا ويسافر للخليج، ولا يبعث لها جنيها واحدا من ثلاث سنوات؟ تتساءل والعينان تلتمع فيهما الضبابة الدمعية.

* * *

يتلفت يمنة ويسرة مضطربا وقلقا، تعلو أنفاسه وتهبط في غير انتظام، ضربات قلبه تتزايد، ينظر في ساعته، يمسح الدائرة الخضراء التي تحتضن أسرار الأحبة، وتجمعهم أمام مجمع التحرير، يسأل نفسه للمرة الثالثة: "ترى ماذا حدث؟ ولماذا تأخرت؟"

تهدأ أنفاسه، تنتظم ضربات قلبه، تقبل باسمة في تنورتها المشجرة الزرقاء، يضغط على يدها هامسا:

"تعرفي إني بحب اللون الأزرق قوي."

يفترشان خضرة حديقة الميدان، يلمس يدها، يجذبها ناحيته، يخطف قبلة سريعة، تضربه بدلال:

"يخرب بيتك، حد يشوفنا."

تقترب امرأة تبيع المناديل في الميدان، تجر طفلة حافية، ممزقة الثياب، تستعطف الرجال:

"مناديل يا بيه؟ ربنا يخلي لك الست. والله يا بيه، بربي الغلبانة دي، أبوها في السجن، المخدرات بعيد عنك، لحست مخه."

المرأة تحكي وتغمز بعينيها، عيناي تمسحان تضاريسها المتناسقة، وتنورتها السوداء المحبوكة جدا عليها من الخلف، ساقيها العاريتين -حتى الركبتين- الملفوفتين في جمال آسر، تغريان بالكثير. نظرت ناحيتي باسمة ثم قالت:

"تغسلي إيدك يا هانم من الدرة؟"

خطوة وعادت، ثم مالت ناحيتي هامسة:

"أنا تحت أمرك يا بيه، كل ليلة في الميدان لحد وش الفجر، إذا كنت عايز تفك نفسك، لحد ما تتجوزوا."

وأسرعت الخطى ناحيتها، تصب عليها الماء، لتغسل يديها.

عادت هي تجلس بجانبي، بينما عيناي تتابعان إلحاح المرأة الشابة، تستجدي عطف الرجال.

أجلس ساخطا، أنفاسي تتردد ساخنة من كلبية المرأة الشابة وغمزاتها الباسمة. يرن هاتفها فترد هي باستعلاء:

"شايفه يا ماما! مقعدني على الحشيش في ميدان التحرير، علشان يفرج علي الناس."

تلكزني ضاحكة وتناولني المحمول. "خد كلم ماما."

"والله يا طنط الأماكن كلها زحمة، النهارده الخميس بقى، زي ما انت عارفة."

ترد ناصحة:

"بس يا ابني حافظ عليها! ولا أقولك اللي ها تصرفوه، هاتوا به حاجة حلوة وتعالوا."

ندخل حلواني العبد، تتسع عيناها دهشة، تقترب مني هامسة:

"باموت في الحلويات."

تتفقد فاترينة العرض، تلعق شفيتها، تجري ناحيتي:

" حبيبي، من حقي أختار، صح؟"

أقف أمام خزينة الدفع، أناول الصراف خمسين جنيها، تخطف هي البون، تهرول ناحية البائعة، تحتضن علبة التورتة في شغف طفولي، تجري ناحية الشارع، وتشير إلى أول تاكسي.

* * *

أجلس في الأنتريه، أشرب عندهم الشاي، حسب نصيحة أمها، وزيادة في الحرص حتى لا يرانا أحد من أصحاب زوجها. وانتهزت فرصة ظهور إعلان التليفزيون لأستأذن أمها أن تسمح لنا بالخروج في نزهة نيلية:

"ساعة واحدة يا طنط والله."

ردت بحزم وهي تغمز لابنتها باسمة:

"بلا نيل، بلا نيلة. الفلوس اللي تصرفوها، سيبهم على التربيزة علشان ناكل بيهم."

وقامت من على كنبة الأنتريه، تسحب الشبشب في رجليها وهي تنظر لابنتها نظرة باسمة. وكنت أتابع الحوار بين الأم وابنتها التي هزت رأسها وهي تنظر للأرض بانكسار.

"اعملي حسابك، نصف ساعة، ها أزور خالتك، على الواقف نصف ساعة بس."

تجلس هي بجواري على كنبة الأنتريه صامتة، أحدثها عن حبي لها، قلبي الذي يتمزق عليها، عن حيرتها بيني وبين زوجها الغائب بعيدا.

"اطلبي الطلاق، وأنا أتجوزك على طول."

أكلمها والنار تشتعل داخلي، لكني شعرت كأني أحدث نفسي، المسافات تطول بيني وبينها، أكلمها وأعضائي تثور، أضمها، تجلس بجانبي هادئة صامتة، أحدثها عن حبي لها، حرقة الشوق، عن فراشي البارد الذي ينتظرها، فهي أميرته المنتظرة، فتحدثني عن ظروفها الصعبة، زوجها الغائب البعيد، أبيها الشايب الذي لا يطلع من القهوة إلا على وش الفجر، وأنها هي التي - تقريبا - تنفق على البيت كله.

انتفضت على جرس الباب، ألملم عريي في غرفة نومها. تقفز هي مسرعة:

"خد، قوم، البس بسرعة، تقعد في الأنتريه عادي، هه."

تقترب مني وهي لا تزال في قميص نومها الأحمر هامسة:

"وشي أحمر، هه، يخرب بيتك أنت طلعت عنترة بصحيح."

جرس الباب لا يزال يزعق، تهمس هي:

"قول حاضر."

أضبط ملابسي، أراجع تسريحة شعري، أتجه ناحية الباب، أفتحه:

"انت يا طنط؟ حضرتك مش معاك المفتاح؟"

تهمل كلامي، تنادي على ابنتها، تخرج إليها وهي لا تزال تلم شعرها، تقفل الروب ضاحكة وغامزة ناحيتي:

"صاحبك ايه طلع عنترة."

تنظر إليها جاحظة العينين:

"عنترة ده علشانك يا ماما، أما أنا عايزاه شهبندر التجار."

أقف مدهوشا بينهما في حيرة، ولا أعرف لماذا تذكرت المرأة الكلبية، التي كانت تبيع الذرة والمناديل في الميدان. أنظر ناحيتها مرة وإلى المرأة الشابة - الكلبية – مرة. أراهما بنفس الملامح تقريبا.

من جيب البنطلون الخلفي، أتناول حافظتي. سريعا أسحب ورقة فئة خمسين جنيها، أضعها بينهما على تربيزة الأنتريه، ثم أخرج صامتا، منكسرا وحزينا.

D 1 تموز (يوليو) 2007     A خليل الجيزاوي     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  كلمات على جبين البؤس

2.  زهرة زيراوي: تكريم في المغرب

3.  وديع والقديسة ميلادة وآخرون

4.  "نفس أمارة بالعشق" لسناء شعلان

5.  الدعاء الأخير


القائمة البريدية