أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 2: 13-24 » العدد 22: 2008/03 » الشاعر عدنان الصائغ: بين التكوينات والمنافي

غالية خوجة - الإمارات العربية المتحدة

الشاعر عدنان الصائغ: بين التكوينات والمنافي


غالية خوجةيعكس الشاعر العراقي عدنان الصائغ حالة الإنسان العربي الضائع في وطنه وخارجه. والغربة ليست المكان الملائم، لذلك. لا بد من أن تكون القصيدة مكانية للتحولات المختلفة بتداعياتها ومباشرتيتها، بسردها، ومشهديتها، ببوحها وشعريتها، بحدادها وحلميتها. وهذا ما تعكسه كاملا قصيدة "هل مطر بلندن؟" وكأن السؤال جواب القصيدة عن مطر السياب وحال العراق في آن.

في شعرية الصائغ تتداخل الوجدانيات مع الواقع مع الحلم مع الموروث بهيئة اقتباسية، أو تحاورية، أو تضمينية، كما أن الرومانسية تختلط باليومية المعاشة، وتتوزع إيقاعاتها بين الحب والحرب والمتاهة المحتملة بين الحياة والموت لاسيما في جملته: "إن القنابل تقتسم الأصدقاء".

وتأتي الميزة الفنية للقصائد من خلال التحايلات على الظل والضوء كاختطاف الحالة اليومية بلحظة تفلسف السؤال، أو الدلالة، ثم تنبسط لتعيد المتلقي إلى العادي، ثم تتوتر لتبرق بالإشارة، تاركة للقارئ المشاركة في الحساسية. ويأتي الظل رمزا للذات، والوطن، فالظل الذات، والظل الذات والوطن، والوطن مسافة من البعد والاغتراب والنفي، شجون وأحزان وحنين وذاكرة. وهذا ما يترسب في الصورة الشاملة للمعاناة: "لا طريق تدلني إلى البيت، لا.. ريح.." الموحية بضياع البوصلة والذات والمجموع والمكان والزمان والعناصر. ولا تخبو المباشرة إلا لترتفع أكثر وذلك عندما تتمزق أنا الشاعر لتخبر بشكل تقريري عن حال العراق وشعبه: "شعبا جائعا/ آه يا ذاك البنفسج/ ما فينا يكفينا/ تعبتُ."

عدنان الصائغوتأتي التداعيات في مجموعة تكوينات بوجدانية تصف الحرب لتخرج إلى النسيان وذلك من خلال توظيف اليومي في نسق يميل إلى الحكمة تارة ليتكثف ويشبه الهايكو، تتلاحم العناصر البسيطة كالسهم والخطوط لتشكل الغرابة (الحروف نميمة الريح/ الطبول لحاء تساقط)، أو أن الشاعر يلجأ من النسيان إلى الحروب: (للقتلى غبار التصفيق)، ومن الحروب إلى النسيان: (نسي نفسه في الخارج)، ثم يخرج عن العالم الأرضي إلى الروح وذلك حين يلجأ إلى مقولة المسيح ـ مثلا ـ المحورة مع الصائغ: (كم عليّ أن أخسر في هذا العالم). واللجوء، هنا، ينزاح عن دلالته المألوفة لأنني أراه بوصلة ضياع جديدة!

في مجموعة تكوينات يبرز السرد كعامل أساسي في النص الذي تتنوع فيه إيقاعات العادي على حساب الكشفي، بينما نرى في بعض البنية شعرية مبنية على غرائبية الصورة المركبة من عناصر تنزح لتكون الغيمة والبلاد، أو لتصير الحلم والناي والرحيل والفقد في آن معا كما في قصيدة (تشكيل: ص 20):

أرسم دبابة وأوجهها إلى شرفة الجنرال

أرسم غيمة وأقول تلك بلادي

أرسم لغما وأضعه في خزانة اللغة

أرسم عنكبوتا وأحنـّـطه على باب الأحزان

أرسم أبي وأقول له لماذا تركتني وحيدا أمام اللئام

أرسم مائدة وأدعو إليها طفولتي

أرسم نايا وأنسل من ثقوبه إلى القرى البعيدة

أرسم شارعا وأتسكع فيه مع أحلامي

أرسم قلبي وأسأله أين أنت؟

محاولة لتحويل الرسم عن الرسم إلى قصيدة تشكيلية يجتمع فيها التحنيط مع الوحدة والأحزان والطفولة والألغام واللئام والناي والمسافات والأمكنة والأزمنة المختلطة على اللحظة ليأتي السؤال بوجدانيته الضائعة حتى الذروة متحولا مع الحاضر إلى فلاشباكية تكثف خطوط الرسم في المعنى لتكون كل العناصر المذكورة بعد فعل (أرسم) بتفاصيلها الصغيرة وملامحها المغيبة.

وتتضح الحركة بفنيتها وموضوعيتها في تكوينات التي تستطيل حينا بالوصف المحكي العادي لترشق ومضتها منقسمة إلى هايكوَييْن: (الهايكو الشعري) ذي البنية المتسمة بالحكمة أو اللغز أو الرمز، وما أسمـّـيه بـ (الهايكو النثري) الذي أمثل له بهذا المشهد الشعري (ص66 ):

كلما كتب رسالة

إلى الوطن

أعادها إليه ساعي البريد

لخطأ في العنوان.

وكما في هذا المشهد (ص 74):

الشعراء الأقصر قامة

كثيرا ما يضعون لقصائدهم

كعوبا عالية

غلاف: تكويناتشفيفة هي لحظة الكتابة لدى الصائغ، ومعها لا يحتاج القارئ إلى البحث طويلا في معابر الدلالات، وثقافتها، وعلائقها، وفي ذات الآن القرائي، يجد أن هناك عمقا من نوع ما في أغلب القصائد التي انكتبت بتكثيف جملي وإحالي وصوري. وبالمقابل، هناك ما لا لزوم له أحيانا في القصيدة وذلك عندما تسترسل الملفوظات العادية وتحكي أو تصف، لتشكل حيزا طويلا من الصفحة كان بإمكان الشاعر الاستغناء عنه لتبدو العلاقة الفنية بين الكلمات أشد شعرية كما في مقطع الناشر والشاعر والمخطوط (ص 59):

وأنا أقدّمُ للناشرِ مخطوطةَ ديواني

أحصيتُ مسبقا عددَ الأعذارِ المطبعيةِ

التي سيعلّقها على شماعتي

وأحصى مسبقا عددَ القراء الذين سيضيفهم

إلى رصيدهِ في البنكِ

لذلك لمْ نتفقْ

لملمتُ انكساري

ولملمَ أعذارَهُ

وافترقنا

أما ماذا بين الأرق والقصيدة والقلب والحب والقبور، فذلك ما تتشعب إليه القصائد المعنونة بـ تكوينات لتتداخل مع الحال ومقامه وتختتم المجموعة بحيرة عن البداية يجسدها سؤال مباغت بتحولاته الصورية: السؤال مؤلف من ثلاث جمل، كل جملة كانت صورة، وكل صورة كانت ترتكز على (المحو) و(الرسم) كحالة من حالات الضياع أيضا:

أرسم دربا وأمحوه

أرسم خطوا ويمحوه غيري

فمن أين أبدأ؟

هل هو سؤال فردي أم جمعي؟

بكل تأكيد هو سؤال أمل يعكس الذات والآخر والوطن لاسيما العراق والزمن العربي. تلك بداية لخاتمة محيرة، وتلك نهاية لبداية أكثر تحييرا، وتظل التكوينات تشبه المنافي إلى أن تندغم البداية بالنهاية حيث لا خاتمة ولا مفتتح، بل قصيدة تجوب العادي تبعا لإيقاعات العالم الموضوعي، أو تجوب الحلم تبعا لإيقاعات الشاعر الجوانية.

وهكذا، تشتبك التكوينات لتقبض على لحظة خارج الغربة والجرح فتصطدم بالناي والنأي لتعود مستمرة في البحث عن عصافير للفرح لا تموت.

= = =

للمزيد من المعلومات عن الشاعر ولقراءة بعض دواوينه، زر موقعه التالي:

www.adnanalsayegh.com

D 1 آذار (مارس) 2008     A غالية خوجة     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  رسالة إلى عود الند

2.  صـديـقـتـي الـوهـمـيـة

3.  عود الند في الصحافة-1

4.  مقتطفات من رسائل القراء

5.  في العدل والظلم: "لست مذنبة"


القائمة البريدية