أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 5: 48-59 » العدد 52: 2010/10 » أميرة القصر المنعزل

أشواق مليباري - السعودية

أميرة القصر المنعزل


نور بين القضبان

غربت الشمس وقد ألقت بخيوطها الرفيعة على تلك النافذة الصغيرة التي يتنفس منها الجميع. وعند اختفاء النور يبدأ الظلام الحالك يتحسس المكان، ينسدل رويدا مثل الستار. من قلب ذلك الظلام، ومن بين ممرات السجن الضيقة الرطبة كان يأتي صوته عذبا كمزامير آل داوود، يلقي على ذلك المكان الغارق في الأنين نسائم تتمايل بها الأشجار والرياحين، وتسمع من خلالها خرير الجداول والأنهر حين يقرأ:

فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ. فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ. فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ. فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ.

ليبدأ بذلك ورده الليلي، ويسكن المكان بصوته الندي. كان يختم القرآن في ثلاث ليال، ويراجع نهارا كل متن حفظه، وكل بيت شعر قرأه، ويفكر في كل مسألة طرحت عليه.

كان يجلس وقد صفدت يداه وقدماه معظم الوقت، في زنزانة ضيقه قذرة تكفي لشخص واحد، وقد اكتظت السجون من حوله باللصوص والمجرمين، فيهدأ الجميع لسماع صوته وتروض أنفسهم بهذا الذكر.

لم يقترف جرما أو خطيئة، بل كل ما فعله أنه قال كلمة الحق حين سكت عنها غيره، وثبتت قدماه حين انزلق غيره، ووقف على منبره يخطب حين عجز غيره.

وبينما هو يوما يهم بقراءة ورده إذ سمع صوتا من خلف الباب:

"هل أنت الشيخ عبد الرحمن الحافظ؟ "كان الصوت لجارية صغيرة.

"أجل. أنا هو."

"ورزقك ليس ينقصه التأني = = وليس يزيد في الرزق العناء

ولا حزن يدوم ولا سرور = = ولا بؤس عليك ولا رخاء"

واختفى الصوت بعد ذلك.

دلفت الجارية إلى القصر المنعزل. كان قصرا فارها لا يقل جمالا وإتقانا عن القلعة التي يسكنها الحاكم، ولكنه بعيد عن صخبها، ومجونها، وسجونها التي قبعت في سراديبها.

دخلت الجارية من الباب الخلفي للقصر، وصعدت حتى دخلت بهوا كبيرا وفي آخره باب فطرقته، ودخلت على مولاتها التي وقفت تنظر من النافذة وهي ترتجف من حرارة الانتظار. التفتت إلى الجارية ما أن دخلت، وقالت بلهفة:

"هل وجدته؟"

"أجل. إنه في سجن القلعة كما قال الشيخ يوسف رحمه الله، وقد قلت له ما أمرتني به."

"ويلي يا رباه مما جنت يداه، كيف يزج به في السجن كل تلك المدة، إنه مسن ولن يحتمل."

"الشيخ يوسف كان يعلم، ولكنه لم يخبرك."

"نعم رحمه الله، كان أجدر به أن يقول الحق فآثر السكوت، الحمد لله أن الشيخ مازال على قيد الحياة."

"وما العمل يا مولاتي؟"

"سترين يا زمرد، وإن غداً لناظره لقريب."

::

إن مع العسر يسرا

في اليوم التالي دخلت زمرد على مولاتها.

"ستقام المأدبة بعد مغيب الشمس يا مولاتي."

"حسنا، هذا جيد سيكون كل شيء معدا، ولن يرتاب أحد بنا."

"هل أخبر الحراس."

"أجل، فليستعدوا، فقد بقي على مغيب الشمس سويعات."

غابت شمس ذلك اليوم، وبدأ الشيخ ورده الليلي. قاطعته أصوات وقع أقدام تقترب من بابه، ولكنه اعتاد على ذلك فهم يزجون بالعشرات يوميا.

أقبلت كتيبة من الفرسان والخدم الخاص تتقدمهم امرأة متلفعة بالسواد، تقدمت نحو حارس البوابة وسط ذهوله واستغرابه، قالت له بصوت واثق:

"افتح الباب وأخرج الشيخ عبد الرحمن الحافظ من زنزانته، أنا الأميرة نور الصباح."

"مولاتي، أنا لست مخولا أن ..."

لم تمهله أكثر من ذلك بل أشهرت في وجهه سيفا وقالت:

"ستموت الآن على يدي، أو غدا بتهمة العصيان فالخيار لك، افتح الباب وأخرج الشيخ ولا تتفوه بكلمه واحدة عني فلن يصدقك أحد."

أسرع الحارس وفتح باب السجن الكبير فدخل الخدم وراءه، ثم فتح بابا صغيرا في إحدى الزوايا. وما أن دخل نور المشاعل على الغرفة الصغيرة الظلماء حتى رفع عينه ونظر إليهم بتعجب. فك الحارس قيده وسلمه إلى الخدم، كانت واقفة خارج السجن تنتظر، فصاح أحد الخدم:

"لقد أخرجناه يا مولاتي."

أدارت ظهرها وقفلت راجعه يتبعها الحراس والخدم المخلصون حاملين الشيخ على أكتافهم دون أن يلتفت أحد إليهم.

أُدخل الشيخ القصر المنعزل وسط ذهوله وتعجبه، وأُخذ إلى حمام القصر ليصلح حاله، وأُلبس أحسن الثياب ثم خرج، فإذا بغرفة أنيقة وقد مُدت بها مائدة عليها أفخر أنواع الطعام والشراب والفاكهة.

أكل منها ما سد جوعه، وشرب ما أروى به ظمأه، والتزم الصمت يفكر في حاله: كنتُ في أسوء حال وصرتُ إلى قصر عال، فتبارك من بيده تصاريف الحياة والمآل.

ولم يقطع تفكيره إلا خادم حسن الوجه جاءه بين يديه:

"سيدي الشيخ إن مولاتي نور الصباح تستأذن بالدخول."

أجاب بتهكم وقد أدار وجهه إلى نافذة كانت على يمناه:

"فلتتفضل، فما أنا إلا أحد رعاياها."

فتح الباب الخشبي المنمق، ودخلت منه كوكبة من الجواري، وقد تغطين من رؤوسهن إلى أقدامهن، وكانت تقف في وسطهن بخمار لم يُظهر منها شيئا. قالت بصوت يملؤه الحزن والخجل مما أصابه:

"السلام عليك يا سيدي الشيخ."

"وعليك السلام ورحمة الله وبركاته."

رد عليها وعيناه لا تفارق أنامله فقد كانت عادته إذا تحدث.

"قد تعجب ويحق لك. إن ما فعلته اليوم هو أمر خارج عن عادة نساء البلد، ولكني سأشرح لك الأمر فأرجو أن يتسع صدرك لذلك."

"أنا حفيدة حاكم هذه البلاد، توفي والدي بعد ولادتي بفترة وجيزة ثم لحقت به أمي رحمهما الله، فكفلني جدي الحاكم. لقد أغدق عليّ الكثير من الأموال وكنت المحظية عنده عن سائر أحفاده، ولكن عندما كبرت وأشتد عودي سلكت طريقا مخالفا لنزعاته وهواه، وقلما تسلكه فتاة في مثل سني ومجتمعي المنحل وللأسف، إنه التفرغ للعبادة وطلب العلم، ونظرا لمكانتي عند جدي لم يستطع إرغامي على الانخراط في المجتمع، بل وأكثر من ذلك جعلته ينصاع لرغباتي بالانفصال عن القلعة، والدراسة على يدي شيخ، وشراء الكتب وجمعها، فجعلني في رعاية شيخ أعمى يسمى الشيخ يوسف القاسم رحمه الله."

"رحمه الله لقد كان شيخا فاضلا، وكان له منبر يخطب عليه في يوم من الأيام."

"أجل لقد أستسلم لجدي ورضي بالتدريس في حلق العلم بدلا من الدعوة إلى الله، وهكذا تعلمت على يديه، وكنت أحفظ كل ما أسمعه منه بلهفة كبيره، وعندما ساءت حاله في يوم من الأيام، وأخذ منه المرض كل مأخذ، زرته وقلت له:

"يا شيخ، أو صني، فأنا تلميذتك ورهن أمرك"، فقال لي:

"يا نور الصباح، إن لك عقلا صافيا كماء الينابيع، فلا تكدريه بالفسوق والمعاصي، ولا تركني للدعة والترف كحال قومك، وإن خير خلف لي هو الشيخ عبد الرحمن الحافظ، اطلبي العلم على يديه فهو أعلم من في هذه البلد."

قلت: "وفي أي مسجد أجده يا شيخ؟"

قال: "هو في سجن القلعة، قد اعتقله جدك لأنه قال كلمة الحق في وجهه."

"ومن حينها وأنا لا أهنأ بنوم أو طعام حتى جاءتني الفرصة المناسبة، ففي هذه المأدبة يسهر الجميع ويلهون ولا يعلم أحدهم بحاله إلا في الصباح وهي أفضل ليلة لإخراجك من السجن."

سكت الشيخ برهة وهو يتفكر، يدخل يوسف عليه السلام على أيديهن، وأخرج أنا على أيديهن، فسبحان من خلق كيدهن واستعظمه!

قال دون أن يلتفت إليها:

"اسمعي يا مولاتي، أنا لا أستطيع البقاء هنا لأجلك، فأنا رجل حر لا يملكني سوى خالقي، إذا أردت فهناك الكثير غيري، أما أنا فمهاجر إلى أرض الله، أشكرك على فك أسري، وحسن ضيافتي، وأتمنى من الله أن يوفقك، ويحفظك، ويبارك فيك."

لم تنبس بكلمة، خرجت من عنده وقد خاب سعيها في إقناعه بالبقاء.

قالت للخادم: "أكرم مثواه، وليسترح الليلة. أحكم أبواب القصر ونبه الحرس."

لقد كان لتقواها، وطيبة قلبها، وزهدها في متاع الدنيا، أن أحبها كل من كان يقوم بخدمتها حتى أصبح لها عصبة من الخدم والحراس المخلصين.

::

الرجل الحر

في اليوم التالي طلب من الخادم ثيابه وعمامته التي كانت عليه، وقال له:

"قل لمولاتك أني أستأذنها في الرحيل."

وما أن أخبرها الخادم بما فعل حتى هرعت إليه:

"أرجوك يا سيدي الشيخ فكر في الأمر مليا." قالت وهي تنظر إليه مترجية.

أجابها دون أن يلتفت إليها: "أنا آسف يا مولاتي، أرجو أن تأذني لي."

"خذ ما تريد من المال، بل أنني سأكلم جدي وسأسعى إلى العفو عنك و..."

"لقد قلت لك يا مولاتي، إنني رجل حر، أنا أتكلم في ظلمه وجوره ولن يستطيع أن يملأ فمي بالدراهم.

أنا إن عشت لست أعدم قوتا = = وإذا مت لست أعدم قبرا

همتي همة الملوك ونفسي = = نفس حر ترى المذلة كفر"

"إذن خذني معك!"

رد عليها باستنكار وتعجب:

"ماذا تعنين؟ آخذك معي؟ من تظنين نفسك؟ أنت لست طالبا، أو غلاما، أصطحبه في سفري! أتظنين أني ذاهب في رحلة صيد أو في قافلة؟ أنا ذاهب وحدي، مهاجر إلى أرض الله الواسعة، تحملني قدماي وعزيمتي، ويوجهني تعلقي بربي عز وجل."

"لا مكان لي هنا يا شيخ."

"لماذا؟ أنت أميرة على هذا القصر. ما الذي يهددك هنا؟"

"أنت تعلم أن جدي ليس له وريث ذكر، وبعد موته سيرثه أبناء عمومته، وأنت تعلم مدى فسقهم وفجورهم، وسوف يتخذني أحدهم زوجة له قسرا. ماذا أفعل عندها؟"

أجابها ببديهة المفتي: "تزوجي الآن بأي شخص، فلا أحد يستطيع أن يتزوج امرأة متزوجة."

"ولكنهم يستطيعون، إما بإرغامه على تطليقي أو حتى بقتله، وأنت تعلم أنهم يفعلون أكثر من ذلك، عافانا الله وإياك."

"وتريدينني أن آخذك معي. وخدمك وجواريك، ماذا أفعل بكم؟"

"بل خذني وحدي، تزوجني."

"ماذا؟ هل أخرجتني من السجن لتتزوجيني؟"

تغيرت نبرة صوتها واغرورقت عيناها.

"بل أريدك أن تساعدني، لا أمل لي بعد الله سواك، لا أب لي ولا أخ يحميني منهم، ولا أستطيع السفر وحدي إلا بقافلة يعرفونها ويعرفون وجهتها، تزوجني ودعني اطلب العلم على يديك، وحين نصل إلى حاضرة، جد لي مكانا آوي إليه وسرّحني، فلا ألزمك بشيء، وليكن العلم الذي آخذه منك صداقي."

فكر مليا فوجدها كسيره، ولم يجد لمحنتها حلا، وإن كانت هاربة فهو أيضا مطارد."

"حسنا لك ذلك، ولكن أن تأتي معي وحدك دون أن تأخذي من متاعك إلا زادك وراحلتك."

التمعت عيناها بالأمل، فسوف تخرج من سجنها المنعزل إلى نور العلم الذي طالما حلمت به، ستبرئ ذمتها من كل ما يفعله قومها وتنجو بنفسها من عقاب الله إذا أحاط بهم.

أمرت بالمأذون، والشهود، وجاء القاضي جمال الدين كي يكون وليا لها، فلا يوجد بين أهلها رجل رشيد يقوم بذلك، وإن وجد فسيمتنع عن تزويجها خوفا من بطش جدها، أما القاضي جمال الدين فهو لا يخاف في الله لومة لائم، وقد قُبض عليه مرارا، ولكن شهرته، ومكانته، ومحبة الناس له كانت تشفع له دائما، فيُخرجونه من السجن خوفا من غضب الناس، وانقلابهم على الحكم.

وما أن جلسوا جميعا حتى التفت الشيخ إليهم، وقام من مكانه عند النافذة وأخذ يقترب منهم، وعندما جلس رفعت عينيها لتنظر إليه فأدهشها ما رأت. كانت تظنه في الستين أو ما يقارب عمر شيخها يوسف، كانت تنتظر أن ترى لحية قد اشتعلت بالشيب، وظهر قد انحنى بفعل الزمن. أما هو فشاب حسن الوجه، شديد الملامح، ذو لحية سوداء قاتمة، قوي الجسم عريض المنكبين.

قالت في نفسها: أهذا هو الشيخ؟ متى أصبح شيخا علاّمة؟ إنه لا يكاد يتعدى العقد الثالث من عمره على أكثر تقدير. متى ألم بكل هذه العلوم من قرآن، وفقه، وتفسير، وعقائد، ولغة؟ سبحان من له الكمال.

::

الفراق الصعب

في صباح اليوم التالي كان ينتظر مجيئها عند باب القصر الخلفي، وقف يفكر في حاله فهو قد خرج من سجنه وتزوج في يومين، فسبحان مغير الأحوال.

قطع عليه تفكيره ناقتان قد اقتيدتا إلى جواره، وقد وضع على إحداهما هودج، وقد زودتا بقراب الماء، وصرر الزاد.

"لمن هاتان الناقتان أيها الغلام؟"

"لسفركما يا سيدي."

"ابق على هذه الناقة كي ترتحلها مولاتك، وعد بالأخرى فلا حاجة لي بها."

وما أن رأت ناقته قد سيقت إلى مكانها، علمت أنه زاهد في مالها، وفي هذه الدنيا الواسعة. وحين دنت من ناقتها وهمت بالركوب سمعت صراخ امرأة مسنة تركض ناحية الباب:

"لا يا ابنتي، لا تلقي بنفسك إلى المنية، أنت العزيزة، الكريمة، الحظية، لماذا تختارين هذا المصير؟ لا تستبدلي الذي هو أدنى بالذي هو خير."

اقتربت منها، وأمسكت يدها:

"عزيزتي ومربيتي، أنا إن بقيت هنا سأستبدل الدنيا الفانية والنعيم الزائل بالذي هو خير وهو العلم، المعين الذي لا ينضب، وقرة العين التي لا تنقطع."

"مولاتي، أنت نور عيني، أنت الهواء الذي ينعش نفسي ويبعث فيها الحياة. حين كنت أرى وجهك الصبوح كل يوم، يشرق في عيني أمل بأن أراك يوما تُزفين إلى أمير أو حاكم، وتعيشين ملكه على عرشه، فأنت الغانية الفاتنة تخجل الشمس إذا رأت سحر وجنتيك، ويطرق الليل حياء من سواد عينيك، وتتفطر قلوب الفتية أملا بالزواج منك. إلى أين تذهبين معه، بلا جاه ولا مال وتتركين عزك وكرامتك؟ أنا لم أعرف طعم الأمومة إلا حين أخذتك من حضن أمك وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة، ومن يومها وأنا لا أعرف عائلة سواك، أهكذا تجزين المعروف يا ابنة الملوك؟"

احتضنتها وهي تبكي، فهي حقا لم تعرف أما غيرها، ولا قلبا أرق وأحن من قلبها، مسحت دموعها ونظرت في عينيها بكل عطف.

"أمي والله لأن أموت قهرا وكمدا لأهون على قلبي من أن أكون سببا في حزنك. ولكن دموعك اليوم هي أهون عندي من أن تموتي حرقة عليّ حين يتزوجني فاسق ماجن لأغدو عنده صورة ينظر إليّ متى شاء، ويتركني متى شاء، وأدخل سجنا لا أخرج منه أبدا. أريد منك دعوة في جوف الليل، كي يوفقني ربي في سعيي، ويتقبل مني، وسوف أعود إليك يوما فلا تحزني."

كان يستمع إلى حديثها الرقيق بذهول، فهؤلاء القوم قد نزع الله الرحمة من قلوبهم وهم يعاملون الناس كالحيوانات أو أقل ناهيك عن عبيدهم، أما هي فتقبل يدي جارية سوداء مسنة وتبكي لفراقها. سبحان من يخرج الورد من أشجار الشوك!

ألقت نظرة أخيره على قصرها المنعزل الذي قضت فيه ربيع عمرها بعيدة عن القلعة، ثم رنت إليها وهي تتمنى أن يهدي الله قومها إلى صراطه المستقيم.

::

في أحضان الصحراء

مشى وهو ممسك بخطام ناقتها، مسبحا، مهللا، يرجو من الله أن يفتح له أبواب فضله، وينجيه من القوم الفاسقين. وما أن خرجا إلى أطراف المدينة، وزالت الشمس قال بصوت حازم:

"لن نرتاح حتى نخرج إلى البراري، فهناك سنكون بأمان، وسنبقى كذلك إلى أجل غير مسمى."

"حسنا يا سيدي كما تشاء."

"طالما أننا في معزل سنبدأ بكتاب الله، هل تحفظين منه شيئا؟"

"أجل يا سيدي."

"فاقرأي عليّ ما تحفظينه."

قرأت بصوت يملؤه الثقة والطمأنينة فاتحة الكتاب، وما أن أكملتها حتى بدأت بسورة البقرة، فتعجب الشيخ، وقال في نفسه: لقد بدأت بالفاتحة لتبدأ من أول سورة في المصحف، إذا فهي تحفظه كاملا.

وما زالت ترتل عليه من على ناقتها حتى أتمت ستة أجزاء، وقد غابت الشمس، وهو يستمع إليها ولا يكاد يردها في كلمة، فهي تتقن مخارجه، وأحكامه، وهو أمر غير عادي لفتاة في مجتمعها؛ حيث ينتشر الجهل بين النساء اللاتي تباهين بالثياب، والحلي، وغفلن عن العلم الشرعي.

عند المغيب أناخ الناقة كي يرتاحا من عناء السفر، وبعد الصلاة بدأ يجمع غصينات ليشعل النار، وهي تنظر إلى فعله باستغراب؛ فهي وأن كانت زاهدة، ورعه، فلا علم لها بحياة الرحيل والتجوال.

لم تستطع النوم وهي تنظر إلى النار تشتعل لتبدد الظلام بينهما. كانت تفترش الأرض، وتلتحف النجوم، في ليلة دلماء لم تر مثلها في حياتها، وهي التي كانت ترفل في النعيم، والدفء، نظرت إليه وقالت في نفسها:

تموت الأُسد في الغابات جوعا = = ولحم الضأن تأكله الكلاب

وذو جهل ينام على حرير = = وذو علم مفارشه التراب

وما لبثت أن غطت في نوم عميق من شدة الإعياء، أما هو فما أن سلم من وتره حتى نظر إليها، فتقدم ودنا منها، لم يظهر منها غير كفيها، وقد جعلتهما على صدرها كأنها تحتضن قلبها من شدة الخوف. أخذته الرأفة بها فهي فتاة رقيقة، وصادقة، ومرهفة الحس، وقد كان صارما في كلامه معها منذ أن قابلها، كما أنه عف عنها فلم يرغب حتى بالنظر إلى وجهها، لأن زواجهما كان لغرض الهرب، وكأنها مسئولة عما جرى له على يد جدها، وقدر لها أن تتزوج من رجل لا يريدها.

نظر إليها في حنو بالغ، وجمع كفيه ونفث فيهما، فقرأ آيات الحفظ ومسح عليها، ثم قام خلف النار وأستسلم هو أيضا للنوم.

::

أهل الجود والكرم

في اليوم التالي أكملا سيرهما متوغلين في الصحراء، بعيدا عن أعين الحاكم ورجاله، وأخذت تكمل نور الصباح ما بقي من كتاب الله كي يسمعه منها كاملا، وما لبثا حتى وصلا إلى ديار قوم من البدو، فأستقبلهما خادم القوم الذي كان يرعى الغنم بالترحاب، وهذه عادتهم في البادية فهم يرحبون بالضيف أيا كان وإن قل الماء، وندر الطعام.

أمازح ضيفي حين إنزال رحله = = ويخصب عندي والمحل جديب

وما الخصب عندي بكثرة القرى = = ولكن وجه الكريم خصيب

رحب سيدهم بالشيخ ترحيبا خاصا، فقد عرفه أحد أعيانهم، وقُدم له اللبن، وأُوقدت النار على القدور، وجيء بالذبائح، وأدخلت نور الصباح ضمن الحريم فوجدتهن أكرم ما يكن وهن يجهلن من تكون، ووجدت في صدر الخيمة عجوز، قد يبس جلدها، وانحنى ظهرها على خرزات تنظمها وتخيطها على قماش أسود. دنت منها نور الصباح وقالت:

"كيف أنت يا جدة؟"

"الحمد لله قد انحنى الظهر، وضعف البصر، وأشتعل الرأس شيبا، وأصبحت بلا هيبة."

ضحكت نور الصباح، ثم شدها ما بيد العجوز فسألتها عنه فقالت:

"إنه برقع يا ابنتي، لقد تعلمت صنعتي هذه عن أمي، وأنا إلى اليوم أغزل الخيوط وأصنع البراقع لنساء القبيلة."

وعندها خطرت على بالها فكرة:

"أيتها الجدة الطيبة هل تقايضيني هذا البرقع بهاذين القرطين؟"

وأخرجت أقراطها من تحت خمارها، ووضعتها في يدي العجوز، فنادت على جارية كانت تصنع القهوة:

"لبنى، تعالي يا ابنتي."

"لبيك يا جدتي."

"أنظري إلى هذين القرطين."

"إنهما قرطان من الذهب المنقوش يا جدتي."

فصرخت العجوز: "لله درك يا ابنتي، أتقايضين الذهب بما دونه؟"

"لا تقلقي علي يا جده، لدي ما هو أثمن منه في قلبي، إنه الإيمان."

أدارت العجوز ظهرها وأخرجت لها برقع من سلة قابعة في زاوية الخيمة، كان برقعا جميلا، مزينا بالخيوط الملونة، وحبات من معدن الرصاص الذي صب في قوالب وخيط بعناية وسط تلك الخيوط، وكانت العملات المعدنية تتدلى من أطرافه لتحدث رنينا محببا.

في اليوم التالي ارتحل الشيخ بعد أن ودعه شيخ القبيلة، وجهز له ناقته بالزاد، والماء، والمتاع، وطمأنه أنه سيكون بخير في مضاربهم، فقد استجار بهم ومن غيرهم أهل الجوار والنجدة والشهامة.

::

قطرة في صحراء الظمأ

مضى يمشي في طريق طويل وهي تركب هودجها لا تدري إلى أين يقصد، ولا تجرؤ على السؤال خجلا، فهو لا يتحدث كثيرا، وهي التي اختارت أن ترافقه. استمر ظعنهم يومين كاملين وهما يرتاحان سويعات ثم يكملان المسير حتى نفذ الماء من القرب. وبعدها خارت قوى الناقة، وبركت على الأرض لترتاح، فنزلت نور الصباح وهي تريده أن يقول شيئا ولكنه جلس يرتاح في صمت وبعد برهة وقف وقال لها:

"لتمشي، فالناقة متعبه."

كانت تريده أن يخبرها إلى أين هما ذاهبان: إلى بئر، أو بشر، فلا شيء حولهما غير الرمال منذ يومين، لكنه مشى بصمت فمشت ورائه. كانت الشمس تلقي عليهما سهام اللهيب، وتغريهما ببحيرات السراب حيثما نظرا، وبعد فتره من المشي سقطت على الأرض. لم تتحمل العطش ولا المشي على الرمال الحارة.

أسرع إليها وأمسك بذراعها وصرخ:

"مولاتي أفيقي كدنا نصل."

"إلى أين؟"

"انظري، إنها هناك."

"لا أرى شيئا سوى الشمس والرمال."

"مولاتي، تمالكي نفسك أرجوك. قفي على قدميك فقط."

وقفت على قدميها ونظرت حيث أشار فوجدت بأسفل الكثيب الرملي واحة غنّاء، قد أحيطت بأشجار النخيل المثمرة، ووقفت عليها أسراب الطيور ترتوي من مائها العذب. وعندما رأت الواحة دبّت الحياة في جسدها من جديد، وأطلقت ساقيها للريح نحوها، تنزل من الكثيب المرتفع الذي كانوا يحاولون تخطيه ليصلوا إلى الجهة المقابلة، أما الناقة فقد انطلقت هي الأخرى ورائها.

كانت نور الصباح تركض بسرعة فائقة وتقفز في الهواء وتفرش ذراعيها كالأطفال والناقة تركض خلفها، كان منظرا مضحكا حتى أنه لم يستطع إخفاء ابتسامته العريضة وراء وقاره، وسكينته، وتبعهما يمشي الهوينى.

أخذت نور الصباح تشرب، وتغتسل فرحة بالواحة، ثم التفتت إليه وقد بدأ ينصب خيمته ويدق أوتادها، فخجلت من نفسها وقالت: والله إني لم أرافقه ليقوم على خدمتي. ثم أخذت تحتطب ودخلت في محاولات جادة لإشعال النار.

اقترب وسألها بكل هدوء: "ماذا تفعلين يا مولاتي؟"

"أشعل النار، وأنا لست مولاتك فلا تناديني بذلك."

"حسنا، أنت فتاة مجدة، وتلميذة ذكية، ولكن تأخذك الحماسة أحيانا، إنني ابحث عن حطب خاص، وهذا الحجر لن يشعل النار، فهو حجر عادي."

ثم بدأ بإشعال النار وتركها، وأخرج قصعة وضع فيها طحينا، وأخذ يعجنه بالماء حتى تماسك، ثم ساواه ووضعه على الجمر، فتعجبت:

"ما هذا؟ سيحترق."

"انتظري يا مولاتي."

"لا تناديني بمولاتي!"

أخذ يقلبه على الجمر حتى نضج، وفاحت رائحته الزكية، ثم بدأ يفتّه في القصعة وصب عليه بعض السمن وقدمه لها وانصرف.

"ألن تأكل؟"

"سآكل من بعدك يا مولاتي."

"اسمي نور الصـ ..."

واختفى بين الشجيرات حتى لم تعد تراه، ثم تسلق إحدى أشجار النخيل المثمرة وجمع بعض الرطب.

عندما حل الظلام نامت نور الصباح وهي لا تشعر بما حولها. لقد كان يوما مضنيا. أتى إلى خيمتها كعادته كل ليله. قعد عند رأسها الذي غطي بالكامل. قرأ الأذكار، حصنها من كل شر، وعاد إلى خيمته ليصلي وينام، فرأى انعكاس صفحة السماء في مائها فأنشد:

كم ليلة ساهرتُ أنجمها لدى = = عرصات ماءٍ أرضها كسمائها

قد سُيرت فيها النجوم كأنها = = فلكُ السماء يدور في أرجائها

والبدر يخفق وسطها فكأنه = = قلبٌ لها قد ريع في أحشائها

::

العجوز الداهية

في الصباح كان الشيخ يرعى الناقة بعيدا عن الخيمة، بينما كانت هي على كثيب مرتفع قريب من الواحة تجمع الحطب، وإذا بكوكبة من الفرسان تطل عليها من بعيد، وعندما دققت النظر في جيادهم رأت اللُجم الذهبية فعرفتهم على الفور، إنهم حرس القلعة الخاص يبحثون عنهما.

ألقت ما في يدها وهرعت إلى الخيمة، فتشت في متاعها فوجدت البرقع الملون الذي اشترته من العجوز البدوية، فلبسته وربطت على ظهرها كيسا منتفخا، ثم التحفت بعباءتها، وأمسكت عصا بيدها، وخرجت تعرج في مشيها إلى حيث كانت واقفة، فرأتهم أمامها قد اعتلوا الكثيب، وما أن رأوها حتى تقدموا نحوها برويه، فتقدمت إليهم وبادرتهم على الفور

"يا هلا بالضيف، ارحبوا. ارحبوا."

رد عليها قائدهم بفظاظة واشمئزاز:

"لم نأت لنضيفك أيتها العجوز الحدباء، إني سائلك فأصدقيني القول، هل مر بكم رجل غريب ومعه امرأة على ناقة؟"

"نحن نسكن هذا الوادي يا سيدي منذ مدة، ولم يمر علينا أحدا من البشر."

"من أنتم؟ أيوجد غيرك هنا؟"

"اجل هذا بعلي شيخ."

"سيدي، ألا ترى أبناء قبيلتنا ونسائهم حول الواحة يغتسلن؟"

"ويلك يا عجوز الشؤم ما أرى أحدا غيرك هنا."

تلفت القائد فلم يبصر أحدا، فنظر إلى جنده وقد اصفرت وجوههم، فصرخ بهم مذعورا:

"ما بالكم؟"

"سيدي، ربما يكونون من الـ ..."

وما أن سمع القائد ذلك حتى انخلع قلبه، ونظر إلى العجوز تدور عينه من الفزع، ثم لوى عنان فرسه وهرب، وهرب وراءه جنوده.

عادت إلى خيمتها وهي لا تتمالك نفسها من الضحك، حتى عاد وسمع ضحكتها، فدنا من الخيمة وسلم، فسكتت، ولفت وجهها بخمارها.

"ما بك يا مولاتي."

"سأروي لك كل شيء."

وعندما أكملت قصتها، ابتسم ابتسامه ساخرة، ولكن ما أعجبه هو سرعة بديهتها، وتصرفها الحكيم، وفي كل ما قالته لم تكذب أبدا، فهو الذي قال يا عجوز وليست هي، وبعلها شيخ وهذا حق، أما حديثها عن القبيلة فكان تساؤلات، يا لها من داهية.

::

جنود الحاكم

وبعد عدة أيام وبينما كانت تدرس الحديث مع شيخها وقد زالت الشمس واشتد الحر إذا به يتوقف عن القراءة، ويقف وهو ينظر حوله:

"سيدي، أثمّة خطب؟"

"أسمع صوتا، إنها جياد تركض، والصوت يقترب."

وإذا بالفرسان يتجهون نحوهما، وسيوفهم تلمع في لهب الشمس كأنها مشاعل من نار، فصرخ:

"مولاتي أدخلي خيمتك!"

ثم عمد إلى خيمته فانتزع العامود الذي كان في وسطها نزعة واحدة، وخرج وقد أحاطوا بهما إحاطة السوار بالمعصم.

اقترب قائدهم وهو ينظر إلى الشاب الواقف أمامه كأنه أسد قد انتهك عرينه.

قال في تهكّم: "ها نحن نلتقي ثانية يا شيخنا الهارب، تبدو بصحة جيده."

"ماذا تريدون؟"

"نبحث عن سجين، ومولاتنا العجوز الحدباء."

كانت تنظر من طرف الخيمة، وترى عسكر جدها الحاكم قد أطبقوا عليهما. أيعقل أن تكون هذه هي النهاية؟ هل ستعود إلى القفص المظلم والعزلة التي كانت عليها؟ وماذا سيحل بشيخها، زوجها؟ بكت بحرقه:

"يا رب لطفك ورحمتك بنا، لن أبقى مكتوفة اليدين."

وخرجت إليهم فرآها القائد وناداها: "مولاتي الأميرة نور الصباح."

"أجل، مولاتك أيها الغبي، أنت من الحمق بمكان ما أستطيع به خداعك وأعوانك الجبناء، ولكن أنا أعلم من الذي كشف لكم سري، إنه رجل واحد في بلاط جدي أعرفه جيدا، لطالما ناصبني العداء لأنني كنت أذكى منه، فقد كنت أفضح ألاعيبه أمام جدي، وأحرجه أليس هو من دلكم علي؟"

"أجل، لقد خدعتنا يومها وعدنا نجر أذيال الخيبة، وعندما روينا ما حدث للوزير برهان أخبرنا أنك أنت هي العجوز، فأتينا ولكنك لم تتداركي نفسك هذه المرة."

وأخذ يضحك ضحكات خرقاء.

"خزاك الله أيها الشقي."

"حسنا، لقد أمرني الحاكم أن أحضر له حفيدته، وأن أحضر السجين حيا أو ميتا، وأنا اخترت الموت لك أيها البائس بما أنك لن تستسلم."

وترجل من فرسه، وأشهر سيفه متقدما نحوهما.

::

الرجل ذو الضفائر

صرخ الشيخ بقوه:

"ابق خلفي يا مولاتي، والله لأذودنّ عنك أو أموت دونك."

أحست بصرخته في أعماقها، من السهل عليه أن يسلّم نفسه، ويسلمها ليبقى على قيد الحياة ولكنه اعتبرها عرضه، وآثر الموت وهو يدافع عن امرأة لا يربطه بها سوى عقد زواج.

تقدم القائد وضرب عبد الرحمن بسيفه فصد ضربته بعامود الخيمة، واشتبكا وبدأ جنوده بالتقدم أيضا منهما، فتحلقوا بسيوفهم حوله وأقترب أحدهم من نور الصباح يريد الإمساك بها فما كان منها إلا أنها التقطت حجراً كبيراً وهمّت برميه على الجندي، وقبل أن يصل الحجر إليه، سقط الجندي على وجهه أمامها وهو ينزف من سهم أصابه في ظهره، فرفعت عيناها وإذا بغبار كثيف قد غطى الأفق، ومن داخله فرسان يتلفعون بالسواد وقد ثارت ضفائرهم المتدلية تضرب الغبار من حولهم كأنها الأفاعي، يتقدمهم رامٍ يحمل قوسا عريضا ويقود فرسه بقدميه فيحصد الجنود من حولهما حصدا.

نظر القائد إلى كل ذلك فدفع الشيخ وهرب نحو فرسه التي جفلت من مثار النقع، وما أن لوى عنانها حتى رآهم أمامه، ملثمين قد أحاطوا به وبجنوده كالأُسد تحيط بفرائسها.

تقدم من بينهم رجل ملثم على جواد أدهم، قد لبس رداء من جلد النمر، وربط على وسطه حزاما من الجلد، تتصارع عنده أطراف ضفائره الست المتدلية وقد حمل سيفا طويلا مصبوبا مع مقبضه الحديدي، فبدا وكأنه الموت بعينه.

ترجل القائد عن فرسه دون وعي منه، وجثا على ركبتيه يتلعثم طالبا الرحمة والعفو، فترجل الرجل المهيب ومشى باتجاه القائد الجاثي بذل وهوان، فأيقن أن الرجل قاتله، فأطرق يبكي وينوح، ولكن الرجل لم يتوقف عنده بل أكمل سيره دون أن ينظر إليه، حتى وصل إلى عبد الرحمن وزوجته الأميرة، فأغمد سيفه، ونظر في عينيه، وأمسكه من كتفه وهزه، فأبتسم عبد الرحمن وأحتضنه وهو يقول:

"أهلا بك يا أخي، لنعم القوم أنتم ولنعم الجوار جواركم."

فقال شامخا:

"نزلتم منزل الأضياف منا = = فأعجلنا القرى أن تشتمونا

نعم أناسنا ونعف عنهم = = ونحمل عنهم ما حملونا

نطاعن ما تراخى الناس عنا = = ونضرب بالسيوف إذا غشينا

ألا لا يجهلن أحد علينا = = فنجهل فوق جهل الجاهلينا

فضحك الشيخ وقال: "ولكن كيف علمتم أنهم وصلوا إلينا؟"

"الفضل لله أولا، ثم لحماقة هذا الرجل، لقد مر على أطراف مضاربنا هو وجنوده فاستطاع صغيرنا أن يلحظهم قبل كبيرنا، إنه البصر القوي والبصيرة فغلب على ظننا أنهم ماضون إليكم فتبعناهم.

"جزاكم الله عنا كل خير. "

::

المنارة العالية

ارتحل الشيخ عبد الرحمن وزوجته قاطعين قلب الصحراء، محاطين بفرسان من القبيلة، وما أن ظهرت لهم في الأفق منارة عالية حتى التفت الشيخ إلى الفرسان فوجدهم قد توقفوا عن السير، وترجل أحدهم، وأقترب منه، وصافحه قائلا:

"هنا ينتهي حمانا يا شيخنا، وأسأل الله لك ولأهلك السلامة، ولا تنسانا من صالح دعائك."

"كنتم خير صحبة، وخير معشر، بارك الله فيكم ونفع بكم."

ثم ركب الفارس ولوى عنان فرسه مشيرا بيده إلى الشيخ، ورجعوا قافلين إلى ديارهم بعد أن أوصلوا الشيخ إلى حاضره قريبة من حماهم.

نظر إلى تلك المنارة العالية يرسوا من خلفها جبل عظيم يحتضن القرية كلها، قال بصوته الهادئ المعتاد:

"سندخل القرية ونرتاح قليلا. قريتي ليست بعيدة عنها."

جرّ خطام ناقتها وتلثّم. نظرت من هودجها إلى تلك القرية القابعة عند سفح الجبل، يشقها نهر عريض إلى قسمين، وقد أحيطت بمزارع النخيل المدهمة، فأحست براحة بعد أن رأت الخضرة والماء، وتذكرت موقفها بين يدي الله يوم القيامة، وكيف يكون حال المؤمنين بعد كل تلك الأهوال أن يدخلوا الجنة، ويروا النعيم، بل وأن يروا وجه خالقهم سبحانه وتعالى، فأغرورقت عيناها بالدمع وجلاً وأملاً.

::

المنقذ الغريب

دخلا القرية، وأدلفا إلى السوق حيث كان مكتظا بالمارة والباعة، وقد عرضت فيه آلاف السلع من أوان، وأقمشة، وغيرها، وكل ينادي على سلعته حتى لا يكاد المرء يسمع مقال صاحبه.

وكان الشيخ يجر ناقتها وسط الزحام حتى تناهى إلى مسامعه صوتا يألفه، فالتفت إلى مصدره، وإذا بصبي يافع قد أحاط به رجالٌ من فساق القوم، وقد ألقوا ببضاعته على الأرض، وحطموا الأواني الزجاجية التي كان يبيعها، وتقدم أحدهم، وكان ضخما طويل القامة، وأخذ بتلابيبه وهو يصرخ ويستنجد، فوجّه له لكمة في بطنه قائلاً:

"لقد طلبت منك أن تبيعني هذه الآنية بقطعتين، وكان يجب عليك أن تفعل اتقاء غضبي. أما وأنك قد أبيت فسوف ألقنك درسا، وأجعلك عبرة أيها الصبي المغرور."

ورفع يده ليوجه له لكمة ثانيه، فأمسك أحدهم بيده. صرخ في غضب:

"من يجرؤ؟

ولم يكمل مقاله حتى سحبه من ذراعه، وألقى به على الأرض، ثم جثا فوقه ممسكا بذراعه وقال بصوته الهادئ:

"إما أن تعيد الأواني المكسورة كما كانت، وهو ما لا تستطيع فعله، أو أن تدفع للصبي ثمنها وهو ما ستفعله الآن."

"اترك يدي أيها الشقي وإلاّ ..."

"وإلاّ ماذا؟ تنادي صحبك الجبناء، لقد هربوا جميعا."

"اترك يدي وإلاّ ..."

"أدفع للصبي وإلاّ ستفقد يدك."

وأخذ يضغط على ذراع الرجل فبدأ يصرخ ويستغيث، وعيناه تذرف الدمع من شدة الألم. لقد كان الشيخ أقصر قامة وأنحل جسما من ذلك الرجل، ولكن على الرغم من انشغاله في طلب العلم إلا أنه كان قوي البنية، شديد التحمل، ويتّقد فتوة.

نهض من على الرجل وهو يقول: "لقد صفحت عنك هذه المرة."

"أجل يا سيدي، أشكرك، وهذه الصرة لك."

"مالي في نقودك من حاجه، ادفعها إلى الصبي، ولا تعاود هذه الأعمال، فهي من الظلم الذي حرمه الله على نفسه عزّ وجل، وجعله بين عباده محرما."

دفع الرجل الصرة للفتى، واستدار يمشي يجر أذيال الندم.

دنا الشيخ من الفتى بينما كان يلتقط ما بقي من بضاعته، ينظر إليه بحنان بالغ، وشوق دفين. أشغل الفتى نفسه في جمع البضاعة؛ لعل هذا الملثم أيضا يتركه في حاله ويرحل، لقد عانى كثيرا من بطش الفساق والغرباء، وبات لا يثق بأحد منهم. اقترب منه الشيخ، ووضع يده على كتفه بحنان، فنظر الفتى في عينيه بخوف ورهبة، فقال الشيخ:

"إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون."

فاتسعت عيناه، ورفع يده، ونزع لثام الشيخ، فعجز عن الكلام، وانحدرت من عينيه الدموع، وقد ارتمى في أحضانه يبكي ويضحك. لقد كان سعد أخاه الأصغر، وكان يأتي به عبد الرحمن إلى هذه السوق ليقف على تجارة أبيه الراحل، ولكن في غياب عبد الرحمن ساءت الأحوال، وضاق العيش، واضطر سعد للوقوف وحيدا غريبا، يتحمل ظلم الناس وجورهم من أجل لقمة العيش، يبيع بضاعته حتى آخر النهار، ثم يعود إلى قريته.

كانت نور الصباح ترقب ما جرى عن كثب حتى جاءها الشيخ ممسكا بالفتى:

"هذا أخي سعد يا مولاتي."

"أقرأه مني السلام."

"سعد، هذه هي الأميرة نور الصباح حفيدة حاكم البلاد، وزوجة الشيخ عبد الرحمن الحافظ."

وابتسم في وجه أخيه وهو فاغر الفم من شدة العجب، ثم سارا في طريقهما إلى قريته وهو يحكي له ما جرى.

::

القرية الخضراء

كان الطريق جبليا مكسوا بالخضرة، والأشجار تظلله من كل جانب، وعند حلول المساء، وصل الجميع إلى قرية صغيرة، على مشارفها مسجد أبيض مضاء بالقناديل، تحيط به أشجار النخيل المثمرة، وقد طوقته المنازل ذات الشرفات المزهرة، والجدران التي تسلقت عليها الخضرة البهية.

اقترب الجميع من باب عتيق، وأسرع سعد إلى الداخل بينما أناخ الشيخ الراحلة واقترب من الهودج ليساعدها على النزول.

وعند دخوله من الباب إذا بصياح امرأة في خريف عمرها، وقد أقعدتها المفاجأة فلم تقو رجلاها على القيام، فركض إليها، واحتضنها بقوه يقبل رأسها ويديها ورجليها.

بعد برهة جاءت فاطمة" إنها أخته الوحيدة. احتضنها وقبّل جبينها، ومسح دموعها. بعد ما هدأ الجميع أخبر أمه بما حصل له من إخراجه من السجن على يد نور الصباح، وأنه قد تزوجها، وأحضرها معه، ثم دلف إلى الباب وطلب منها الدخول.

كانت تذرف الدموع من هول الموقف، فهي لم تعرف قط معنى العائلة، لم يكن لها إخوة أو أخوات، ولكن عند دخولها المنزل رأت وجوها جامدة تنظر إليها بصمت.

لم تستطع فهم نظراتهم، أهم يرحبون بها؟ أم يشفقون عليها؟ أم يرغبون عنها؟ قالت أمه بعد برهة:

"أهلا بك يا سمو الأميرة."

فتقدمت نور الصباح من أمه فصافحتها، وأرادت أن تتطاول لتقبل رأسها ولكن أمه لم تنحن، فآثرت تقبيل يدها، وقد فهمت ما يجري، فهي الأميرة حفيدة الحاكم الجائر الذي زجّ بابنهم في السجن، وعذبه، وأهانه، وحرمهم من رؤيته لسنوات.

أعطيت غرفة متواضعة في زاوية المنزل، ووضع لها عشاء، واجتمعت العائلة حول ابنها على المائدة تسمع منه قصته العجيبة.

في صباح اليوم التالي سمعت نور الصباح طرقا على الباب ففتحت. إنها أم الشيخ قد دخلت عليها وبعد أن سلمت قالت بصوت جاد:

"اسمعي يا هذه، أنت لست إلا امرأة قد تزوجك عبد الرحمن كي تستطيعي السفر معه، إن قريتنا آمنه مطمئنه، وتستطيعين العيش فيها، وهناك امرأة تملك دارا للأيتام ومن لا أهل لهم، ستنتقلين إليها بعد أن يسرّحك عبد الرحمن."

تجهم وجه نور الصباح وقالت:

"يا خاله، لقد ارتحلت مع الشيخ طمعا في طلب العلم و ...|

"اسمعي يا فتاة، اطلبي العلم عند غيره فالقرية تعجّ بالعلماء والأئمة الحفّاظ."

خرجت من عندها وأغلقت الباب. إنها لا تأبه بها، كل ما يهمها الآن أن تجد عروسا تختارها هي لابنها.

تعلق نظرها بالباب المغلق، ودارت الأفكار في رأسها، هل سينتهي بي الأمر إلى دار للأيتام؟ وماذا سيحل بي بعد ذلك؟ وضاقت بها الأرض. نظرت من شباك الغرفة الذي كان يطل على ساحة البيت، فرأت عبد الرحمن يحتسي قدحا من الشاي. بعد ذلك ذهب إلى حمام القرية لينفض عنه غبار السفر، ثم لبس ثوبا أبيض، وحزاما من الجلد، وخفين مطرزين، وعمامة بيضاء، وقد احمر وجهه من أثر الماء الساخن، ظهر في عينيها كأنه طائر أبيض، تبسّمت، وسقطت من عينها دمعه. صرخت في أعماقها، يا إلهي إنني أحبه.

::

ارحموا عزيز قومٍ ذلّ

وبعد أذان العصر، التفت عبد الرحمن إلى أمه وأخته وهو يهم بالخروج:

"أمي يجب أن تصحبا نور الصباح إلى الحمام، فهي متعبه من طول السفر ثم ابتسم ابتسامه سعيدة وخرج."

أدركت الأم حينها أن مكوث نور الصباح عندهم سيطول حتى تقنع ولدها بالتخلي عنها، فهو متمسك بها، راغب فيها.

كانت السعادة ظاهره على الشيخ الشاب، فها هو الآن بين أهله وأحبائه، وقد كتب الله له زوجة مطيعة، تقية، ورعة، وذات حسب، فماذا يريد بعد هذا كله؟

في المساء جاءت فاطمة إلى غرفة نور الصباح. ترددت في طرق الباب، كانت خجلة جدا. فتحت نور الصباح وهي تنظر إلى فاطمة بتوجس، ما عساها أن تحمل من أنباء؟ قالت مطرقة:

"أمي تطلب منك أن... أن تأتي إلى المطبخ لتساعدي في إعداد العشاء، فهناك وليمة اليوم بمناسبة عودة أخي."

رفعت نظرها إلى نور الصباح فوجدتها مبتسمة، لقد توقعت الأسوأ فقامت معها ولم تنبس بحرف.

أعدت العائلة وليمه كبيرة، دعيَ إليها أعيان البلدة وشيوخها، وقد توسطهم عبد الرحمن يحكي لهم قصته، ويشكر الله على فضله ومنّته.

بعد أن ودّع الشيخ ضيوفه على الباب ودخل، نادى على فاطمة بلهفة فأتت إليه مطرقة خجله مما فعلته أمها مع ضيفتهم الأميرة.

"والآن قولي لي يا صغيرتي، كيف كان يومكن في حمام البلدة؟ ما كنت سأسمح لكن ولنور الصباح بالذهاب إلى هناك إلا لأني أعرف صاحب ذلك الحمام، إنه رجل حريص على محارم الله، ويعلم حاجة الناس إلى تلك الحمامات هل ..."

فقاطعته: ""أخي، نحن لم نذهب."

"لماذا؟ أين نور الصباح إذن؟"

لم تستطع الإجابة، أشارت بيدها إلى المطبخ، ذهب عبد الرحمن إلى حيث أشارت، وعند دخوله وجد فتاة تجلس على كرسي خشبي صغير، وقد انحنت على قدر قد اسود من أثر النار تنظفه، فتلطخ وجهها ويداها بالسواد. نظر إليها في حزن وأسى وقد فهم ما جرى. اقترب منها. جلس، ونظر في عينيها التي احمرت من أثر الدخان وهمس:

"مولاتي، سامحينا واغفري لنا زلتنا."

اغرورقت عيناها بالدمع. بعد النعيم، والجاه، والسلطان، كيف ينتهي بها الأمر أن تقبع في مكان كهذا بعد أن كانت في صدر المجلس، وتنظف بقايا الطعام بعد أن كان يقدم إليها ما لذ وطاب منه على أطباق المرمر، والزجاج. وقبل أن ترد عليه، جاءه صوت من ورائه:

"أهكذا كنت تجثوا أمام جدها الحاكم؟ هل تعلمت كيف تخنع أمام الأمراء والملوك في رحلتك تلك؟ أنت لست عبد الرحمن الذي زرعت فيه العزة والكرامة.

وقف والتفت إليها وقال بصوت هادئ حازم: "أمي، لماذا فعلت ذلك؟"

"ماذا تقصد؟ ما الذي فعلته؟"

"إنها امرأة عزيزة عند قومها، لماذا أهدرت كرامتها؟ هي على الأقل لها حق الضيافة علينا، لماذا يا أم الشيخ؟ هل جزاء الإحسان إلا الإحسان. إنها زوج ابنك.

"كلا لن تكون، سوف تتزوج من اخترتها لك فتاة ذات حسب ونسب وجمال من أهل بلدتنا."

"أمي، أنا لا أريد غيرها."

دهشت نور الصباح. وقفت على قدميها ونظرت إليه؟ هل حقا لا يريد غيري؟ هل حقا سيبقيني معه؟ هل يعقل أنه يحبني؟

لقد أحبها لتقواها وورعها، وذكائها وفطنتها، وشغفها بالعلم والتعلم حتى في أحلك الظروف، أما بالنسبة لشكلها فعندما قُدّر له أن يراها كان ذلك في أسوأ حال: ثياب رثه، ووجه شاحب، ومكان مظلم. ولكن مع ذلك أحبها لجوهرها.

احمر وجه أمه بعد أن وجدت منه الصدّ. غادرت إلى غرفتها، وتركته فعاد إلى رشده، وأعقبه ذلك حسرة في قلبه، فقد أغضبها بعد طول غياب. تمنى لو أن المنية قد عاجلته قبل أن تغضب عليه أمه، فهو الابن البار دوما، ووسط ذهوله وحرقته فاجئه صوتها:

"اذهب إليها يا عبد الرحمن."

نظر وراءه فوجد عينين قد ذبلتا وغرقتا في بحر من الدمع.

"لقد ابتعدت عنها كل تلك المدة، وهي تحترق شوقا إلى لقائك، فلا تغضبها الآن، لا من أجلي، ولا لغيري، فلا أحد جديرا بك سواها، اذهب إليها وأفعل ما يرضيها."

انشرح صدره رغم الحزن الذي كان يخيم على المكان، كان كلامها يجسد ما يشعر به، لقد نطقت بما كان يجول في خاطره تماما. وبدون أن ينتظر غادر يتبع أثرها حتى وصل إلى غرفتها، فسمع صوتها تبكي، فتح الباب وركض إليها واحتضنها بين ذراعيه، لقد كان هذا ديدنه منذ صغره إن رأى أمه تبكي لأي سبب، فكان يحتضنها من شدة حبه لها. مسح دموعها، ونظر في عينيها التي أرهقها السهر بالدعاء له.

"أمي لا تبك، أنا رهن إشارتك وسأفعل ما يرضيك."

نظرت إليه في حنوٍ بالغ، إنه في الخامسة والثلاثين وما زالت ترى في عينيه براءة طفلها الذي كان يسترضي أمه، ولا يحتمل بكاءها. كم أحبته! وكم تعبت في تنشئته وتعليمه بعد موت والده، حتى صار عالما فقيها يشار إليه بالبنان! هي تريد سعادته كما تراها، وهو يضحي بكل مشاعره ويدفن عقله وقلبه على ضفاف رضاها ليحظى به. قالت له بصوت حنون:

"لا يا حبيبي، أنا لا أريد إلا إسعادك، وإن كانت نور الصباح هي مرادك فلسوف أبارك زواجكما، إن أملي أن أراك سعيدا مع زوجك، وأن يمد الله في عمري حتى أرى أزهارا تركض بأقدامها الصغيرة في ساحة الدار، وتصخب المكان بضحكاتها العذبة، وتحيي قلبي الذي مات بعد فراق والدك الحبيب."

ابتسم مطرقا وقبل يدها وهو يقول: ""أطال الله عمرك يا أماه، وبلّغك مناك يا عزيزتي."

"سأجهز لك نور الصباح بيدي، وهي الآن ابنتي."

خرجا من الغرفة، فوجدا نور الصباح واقفة في ساحة الدار تنظر إليهما بانكسار وحزن. تقدمت إليها أمه وأمسكت بيدها، قالت:

"سامحيني يا ابنتي لقد ظلمتك والحقد أعماني؛ فعبد الرحمن هو ابني الأكبر وقرة عيني، قد مرت عليّ أيامٌ من العذاب هي أشبه بالسنين حين كان بعيدا عني، وعندما علمت بسجنه وضعت نفسي في سجن من الحزن والأسى، وزاد حقدي على الحاكم، وحاشيته، اصفحي عني يا نور الصباح، واسمحي لي أن أكون أمك التي لم تنجبك."

انهالت الدموع من عينيها، وقالت بفرح: "أنت كذلك يا أمي، ولا فرق الله بينكما."

::

العروس الأميرة

في اليوم التالي ذهبت الأم بنور الصباح إلى الحمام فاغتسلت، وتطيبت، ولبست أجمل الثياب، ثم زين شعرها بأكاليل الورد، والرياحين، وخضبت يداها ورجلاها بالحناء، وأصبحت تشع جمالا وفتنه فتحلقت حولها النساء، لقد كن بنات القرية متشابهات الملامح؛ لكثرة التزاوج بين أهل القرية، أما هي فقد كان جمالها يطغى عليهن، فهي ابنة ملوك لا ينتقون سوى أجمل النساء في ذلك الزمن ولا تجد أميرة إلا وهي أجمل من أختها.

زُفّت نور الصباح إلى بيتها، وحولها النساء ينشدن ويضربن بالدف، كان الحياء يغشاها، ولكن قلبها كان يرقص فرحا، لقد اغتسلت بماء وسدر بدلا من ماء الورد وقطع الصابون الفاخر، ولبست ثيابا بسيطة وتقليديه بدلا من الحرير والديباج، وزُين شعرها ونحرها بأكاليل الورد بدلا من عقود اللؤلؤ والذهب، ولكنها كانت سعيدة كطائر مغرد خرج من قفصه الذهبي ليبني عشه على شجرة خضراء مورقة.

دخلت عليه مطأطئة الرأس خجلة، كان يجلس على أريكة مزخرفة، في غرفة مكسوة بالسجاد، وقد توسطها تخت كبير فُرش بقماش ناعم، وجُلبت إليه الزهور من كل البساتين المحيطة بهم، فبدا كأنه حديقة من الأزهار، وفاحت رائحتها في الغرفة لتمتزج برائحة الطيب الذي كان قد تطيب به عبد الرحمن.

قام إليها حين دخلت، وقف أمامها، ورفع رأسها بيده لينظر في وجهها الذي لم يره حتى تلك الليلة، فرأى وجها كالبدر، وعينين واسعتين، قد اكتحلتا، فكأنهما زهرتان وسط جنة خضراء، أطرقت خجلا، فأمسك بيدها وقادها نحو الأريكة، فهمت بالجلوس على الأرض حياء منه، فأقامها وأجلسها بجانبه، قالت:

"أرجوك يا سيدي، أنا لست بمنزلتك وفضلك."

"لا تقولي ذلك يا مولاتي."

"ألن تكفّ عن مناداتي بمولاتي؟"

"أنت الآن أميرة على عرش قلبي، فهل أناديك بغيره، يا نور القلب، وبلسم الجراح، قد اختارك الله لي من بين كل نساء الدنيا، كي تحملي مشعل النور من بعدي، لتضيئي الأرض، وتنشري العلم، وتحيي القلوب الميتة، وتكوني أنت، وريثة لأنبياء الله تعالى."

JPEG - 25.5 كيلوبايت
غلاف مخطوطة رواية
D 1 تشرين الأول (أكتوبر) 2010     A أشواق مليباري     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  قطرات دؤوبة

2.  المعارف اللسانية في التعليم

3.  كتب: هدية لعود الند

4.  الوثيقة الموسيقية: قراءة أوّليّة في الـمُدوَّنَة الموسيقية التونسية

5.  صلاح الدين الأيوبي في مرآة أمل دنقل الشعرية