مادونا عسكر - لبنان

نكتب لنحيّر العالم

الكاتب هو الّذي يرى بعين قلبه ما لا يراه العالم؛ كذا يعرّف العظيم ميخائيل نعيمة الكاتب. لا بل هو من يرى بعقله ما لا يدركه العالم. وبما أنّه يمتلك رؤية العقل والقلب، ويعي أنّ دوره هو تسليط الضّوء على ظلمات النّفوس، يسعى جاهداً لبث نور المعرفة فيها، فيحرّك عقلها، ويضرم نار العطش في قلوبها.

الكتابة سرّ، ولا بدّ أنّها سرّ الكاتب، ولكلّ كاتب بصمته في رسم الكلمات. ينتزعها من جمودها، يبثّ فيها بذور عقله وروحه ويمنحها الحياة. فالكتابة ليست تنسيق الكلمات وتجميل العبارات، هي أوّلاً إحياء العقول من موتها، وإنعاش النّفوس، وانتزاعها من الظّلام.

الكاتب أشبه بزاهد، اختار أن يتنسّك في معبد الكلمة، يستمدّ منها نور الحكمة، ونقاوة الرّوح. بين الكاتب والكلمة اتّحاد عميق، فهي انعكاس لفكره ومشاعره وآلامه. وهي شخصه المتنقّل بين الصّفحات وفي قلوب النّاس. وهي أحلام يقظته، يلامسها حقيقة ويحاول اقتحام واقع مرير بها.

ليس كلّ من رتّب كلمات وأتقن تجميلها كاتباً، وليس كلّ من تهيّأ له أنّه بإمكانه أن يملأ صفحات بكلام هشّ وسطحيّ، يمتلك الحقّ بالتّعريف عن نفسه بصفة كاتب. الكاتب الحقيقيّ يبقى تلميذاً في الكتابة حتّى تتغلغل كلماته في النّفوس، ويزرع جزءاً من شخصه في كلّ قارئ. وهو تلميذ، لأنّه يرتجف دوماً أمام ورقته البيضاء، كلّما هبّت عاصفة الفكر، فيطبع عليها الكلمات منتظراً بمسؤوليّة نقد القارئ، إيجابيّاً كان أم سلبيّاً.

لا يخطّ الكاتب سطوره ويرحل، بل يبقى قلقاً في كلّ مرّة يعرض فيها فكره، أو مشاعره، منتظراً حكم القارئ. فهو الحكم الأصدق، مهما كانت درجة ثقافته، لأنّه إن لم يدرك بعقله هواجس الكاتب، فسيحسها بروحه. ولا بدّ أنّ القارئ يميّز بين كاتب وآخر، ويفرّق بين ينبوع وآخر، فإمّا أن يعود ويشرب من ينبوع عذب، وإمّا أن يبحث عن آخر.

لا يدلّ هذا القلق على عدم ثقة بالنّفس، وإنّما هو ثقل المسؤوليّة واحترام القارئ، والتزام بقدسيّة الكلمة، وتوقير لنور الحكمة. فهل يعني هذا أنّ الكاتب لا يجد لذّة شخصيّة في ما يكتب، أم أنّه يكتب فقط ليتمتّع بإعجاب القارئ؟

يكتب الكاتب أوّلاً لنفسه، فالكتابة تمنحه قدرة على التّعبير عن نفسه، والتّفريج عمّا يخالج قلبه من آلام وأفراح. كما أنّها تجسّد خياله واقعاً، وتخفّف من وطأة واقعه. تمنحه الكتابة لذّة عميقة، إذ يسافر من خلالها إلى عالم يراه وحده في داخله، يسكن فيه ويتعايش معه. وهي السّلاح الوحيد المقاوم لحروب الذّات، كي لا يختنق في همومها، ويحترق بنارها الموجعة.

ولكن إن وقف الكاتب عند حافة اللّذة الشّخصيّة، سيندثر مع الوقت ويفرغ من داخله. فمهما كان ممتلكاً من مهارة وقدرة على التّعبير عن هواجسه، فهو بحاجة دائماً إلى عين ناقدة، تصوّب له نسج الحروف والمعنى، وتبدي ملاحظاتها فتبني شخصيته وتظهر فيها الأفضل. كما أنّه بحاجة إلى من يستفزّ ملكاته الكتابيّة، ليمنح العالم أفضل ما عنده.

يتطوّر الكاتب من خلال العيون النّاقدة والمحرّكة لوجدانه، ولا ينمو بقدراته الشّخصيّة فقط، وإلّا كتب لنفسه فقط وتوقّف هنا. إنّ الكاتب الّذي لا يرضى بالنّقد ولا يتقبّله برحابة صدر أشبه بإنسان يشرب من مياه راكدة ويوهم نفسه أنّها ماء عذب. النّاقد هو الحاجة الملحّة للكاتب، وإن أتى نقده لاذعاً، قارصاً. ولا ننتظرنّ المجاملة والمسايرة، فهما وإن دغدغتا مشاعر الكاتب، فلا تسهمان في تحفيزه ليكتب بشكل أفضل.

وأمّا الأفضل، فهو أن يقف العالم أمام ما يترجمه الكاتب من فكر ومشاعر، ويتحيّر، يندهش ويضطّرب. وليس الأفضل ترويج كلام استهلاكيّ، ينحدر بالقارئ إلى مستوى الجهل.

نكتب لنحيّر العالم وندهشه، لنتكلّم بلسانه ونخاطب عقله، ونرفعه من الجهل إلى نور المعرفة. ولا يجوز الخوف من كتابة قناعاتنا أيّاً كانت، فلا يمكننا الكتابة لإرضاء الجميع، ولا نكتب لإرضاء أحد.

نكتب ليسمع العالمُ صوته فينا، ويرى بعيوننا، ويتحرّر بكلماتنا، فنلمس جراحه، ونداويها. ولا يستخفّنّ أحد بمرهم الكلمة، فإن حلّت في موضعها، دملت جراحاً عميقة، وأيقظت أحلاماً كبيرة وألهمت نفوساً كثيرة لتحرّرها. ولا نكتب لنرضي الأذواق، فتنعم علينا بإطرائها ومجاملاتها، وإنّما لنحرّك سكوت ليلها الواجم، فتضطرب، وتنتفض وتطلق العنان لأفكارها الرّاقدة.

نحن لا نعرض كلاماً منمّقاً للبيع في معارض للحروف المزركشة والمنمّقة، بل نستفز ملكات القارئ الفكريّة والرّوحيّة، ونحرّك كيانه ليناقشنا وينتقدنا ويخالفنا ويوافقنا. فإن وافقنا دفعنا للاستمراريّة، وإن خالفنا ساهم في ازدياد ما نقص منّا.

الكتابة أشبه بالوحي، إن لم يلسع النّفوس بصدقه، انتفت عنه صفة الحكمة، وإن لم يحوّل العقول بنوره فقد قيمته الرّسوليّة.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3203641

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC