دنيا فيضي - العراق

اللغة العربية وخطر الانقراض

يتكرر الحديث من حين لآخر عن احتمال انقراض اللغة العربية، فبعض اللغات انقرض مثلما انقرضت كائنات أخرى ولم تعد موجودة في عصرنا. الآراء المتحدثة عن احتمالات الانقراض تشير إلى ازدواجية بين الفصحى والعامية، وعدم تمكن اللغة العربية من مواكبة العصر والكثير من مصطلحاته التقنية. رأي آخر يبدي ثقة في بقاء اللغة العربية معتمدا على آية في القرآن الكريم تقول: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" (سورة الحجر؛ الآية 9). ولكن هناك أيضا من يقول إن الذكر، أي القرآن الكريم، والآية تقتصر على القرآن، وليس كل اللغة العربية.

بداية كيف نشأت اللغة؟ كانت صدفة حين "نطق الإنسان القديم كلمة ربّما كان لها صدى غريب". ولم يكن عقل الإنسان سوى قوى غامضة، احتوتها كلمة كان لها سحرٌ أكيد. إنها الكلمة التي ولدت في زمن مضى، حين كان الإنسان مختلفا تماما، والحيوان قادرا على أن يصبح إنسانا، وكل ما تريده البشريّة كان سهل المنالْ. "ما كان الإنسان ينطق به يصبح حيـّا وسحرا كما حياته مع المخلوقات الغريبة والأرواح"، تمهيدا لولادة اللغة كوسيلة يحمي بها نفسه وسلالته في ظل علاقات إنسانية، ونحو غموض الحياة الكبير[1].

كلُّ ما ننطق به يصبح حيا، وجاريا كنهر سبيل لا حدود له، يصبُّ في محيط اللغة بتنوعاتها كما الأسماك الملّونة حين تزيّنُ جدول الحروف الصافي. اللغة هي التي خلقت الواقع، وما كان يرددّه الإنسان يصبح قيد الوجودْ الذي تفرّع وتنوع كشبكة العنكبوت يُحيك لغات شتّى وكلمات ليس لها حدودْ. إن مقاطعُ الكلام التي نستخدمها في حياتنا اليومية والتفكير بها هي وريثة كجزء من النشاطات الاجتماعية وبناء داخل قياسات شاملة لمعنى الواقع، أي أن "لغتنا هي وسيط لتجاربنا اكثر من أن تكون وصفا لأول ما يتذكره المرءْ"[2].

لقد ركّزت دراسات العصور المتوسطة على أصول اللغة من حيث توحدها دون الإشارة إلى استخدام أصوات الحيوان، وقد أشير إلى أصوات الطيور كوسيلة للتواصل أكثر من الماموثيات. واللغتين، لغة الحيوان والإنسان، تتفقا في أن لهما غرضا، يهدف إلى تغيير السلوك، وتراكيبية، أي لها تركيب ضمني، ومعلوماتية، بدءاً من نظريات إطلاق الأصوات بدائيا، حيث استخدم الإنسان أصواتا أشبه بنباح الكلاب من اجل الإشارة إلى الخطر، وانتهاء بأحدث طرق دراسة أصول اللغة، التي تتناول لغة الطفل والتي تعتمد على الاستماع بالطبع، بشكل أساسي من اجل الإحاطة اكثر بوسائل التواصل بداءة.

إن علم اللغويات في تطور مستمر، وأساس البحث بأصول اللغة يتناول التفريق ما بين تعلم اللغة عن طريق الصور، وتعلمها من خلال الأنظمة والقواعد، فمن غير المعقول أن يتم تعليم الطفل في شهوره الأولى بنفس النظم والقواعد التي يتعلمها الطفل الكبير، أي الاستيعاب الفطري، وجميع ما درس يصب بأن اللغة هي هبة للبشرية جمعاء، و"ما يتم اقتباسه فطريا هو هبة تعلم لغة الأم"[3]، ثم الإشارة إلى البحوث والدراسات التي تدعو إلى الغوص اكثر بتطورات اللغة حين يكون "تعلمها من غير اللسان الناطق باللغة الأم"، واثر ذلك على تغيرها وطريقة نطقها [4].

وتبعا لذلك، بزغت الحضارات وسنت الثقافات الأولى قوانينها وتشريعاتها بالكتابة الصورية والتي تطورت عبر العصور لتوثّق ما ينطق من كلام، ثم بزوغ الحضارة الإسلامية متوجة باللغة العربية السامية الأصل، التي تتفرع إلى لغة الشمال، أي الحجاز ولغة الجنوب أي اليمن، وهيمنة لغة قريش لأسباب اقتصادية ودينية وميّزات أخرى، كما أُرخّت في صفحات نشأة اللغة العربية لأحمد حسن الزيّات، بأرجحية قرب العربية إلى اللغة الأم، لأنها انعزلت عن العالم، وسلمت مما أصاب غيرها من التطور والتَغير بسبب البناء والعمران[5].

وقد تمت الإشارة إلى أخطار انقراض اللغة العربية، في مؤتمر المجلس العربي للطفولة والتنمية، الذي عقد عام 2007، حيث شارك فيه اكثر من (500) باحث من ضمنهم الدكتور علي القاسمي الذي استشهدَ بانقراض اللغة العربية فعلا في ايران بعد أن "كانت لغة البلاد الرسمية والثقافة فيها"[6]، واحتمالية انقراضها فعلا مع بقاء القرآن الكريم.
وتتطرق المؤتمر لكتاب موت اللغة لـ(ديفيد كرستل) الذي يعتبر أن اللغة العربية "مشمولة" بالانقراض مع لغات أخرى، ويشير إلى ظهور الازدواجية اللغوية كنتيجة للاندماج الثقافي ما بين الأمم والشعوب.

وكان في المؤتمر وجهة نظر لا تتفق مع الرأي الذي يتحدث عن انقراض اللغة العربية، وتقبل برأي إدراجها ضمن اللغات المعرضة للخطر لا الانقراض، في المؤتمر الثالث عشر . وأشار الدكتور احمد ابو الخير رئيس قسم اللغة العربية في جامعة المنصورة في بحثه (صورة العربية داخل وطنها) إلى أن هناك اكثر من (300) مليون متحدث باللغة العربية وأنها تدرج كخامس لغة بعدد المتكلمين بها بعد الصينية والهندية.

إن حماية اللغة العربية من الذوبان والانكسار وهيمنة لغات أخرى يتم عبر التوعية وترغيب جيل النشء فيها والإسهام في انفتاحها على إلى اللغات الأخرى.

الهوامش والمراجع:

[1] Matthew C. Bronson, Lessons in the Old Language. http://www.globalonenessproject.org/people/matthew-c-bronson

[2] المصدر السابق، الدرس الأول: اللغة تخلق الواقع.

[3] Noam Chomsky. Language and Mind. Cambridge University Press, 2006, p. 88.

[4] المصدر السابق، ص 92.

[5] أحمد حسن الزيات. تاريخ الأدب العربي. دار المعرفة بيروت، لبنان 2000م.

[6] علي القاسمي. "انقراض اللغة العربية خلال القرن الحالي".البحث المشارك في المؤتمر العالمي الذي نظمه المجلس العربي للتنمية والطفولة في مقر جامعة الدول العربية، شبكة فولتير، 8 آذار 2007 http://www.voltairenet.org/article145997.html


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3043943

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC