أوس حسن - العراق

عودة نيسان

أوس حسنها هي الوحدة تشحذ أنيابها لتفترسني، ويتسلل الموت البطيء إلى مسامات جلدي، كي ينفث سمه في شراييني وفي دمائي، التي طالما كتبتك واستقالت من لونها القاني أمام شفتيك، التي أعطت للفراشات حكمتها، وهي تُقبلُ ثغر الورد، وترقص نشوانة جذلى.

شيئا فشيئا بدأت أفقد طعم الحياة، لا رغبة لي في الاستمرار، لا رغبة لي في ابتكار ضجيج زائف يمنحني الوهم، كي أعيش كتمثال عار من أسطورته الشخصية، لن أراك. لن تعودي، وربما إلى الأبد.

هل أصدق نفسي، وأكذب حقيقة خرساء، أم أصغي لإيقاع القلب، واتبع الإشارات، كما قال لي باولو كويلو ذات حلم ربيعي؟ هل تعرفين يا حبيبتي من بعدك لم تعد الشمس ترسل لي ضحكتها مع زقزقات العصافير، التي تدق نافذتي كل صباح؟ لم تعد السماء تبتهج بأعراسها، وهي تستقبل أغاني الربيع الخضراء. كل ذلك كان يحدث في نيسان، نيسان الذي كتب حكايتنا بدمع من أنين القمر.

هل تذكرين نيسان؟، في شهر نيسان من كل عام كنا نولد من جديد، كنا نسابق الريح ونفترش الأرض مرحا وزهوا، نعبر الجبال والمنحدرات والبحار، وندخل مدنا لا تقتلها خرائط ولا أسوار، وكان صوتك الطفولي يطرز السماء بشال أبيض. كم كنت تحبين الأبيض! الأبيض يا حبيبتي هو لون الحب في ولادته، لون الروح، ولون الأبدية.

في ليالي الصقيع ومواسم هجرة الطيور من الشرق، كنت أبحث عن منفى جميل أخبئ فيه تاريخ عينيك الحزينتين وكل البحار الجريحة التي غفت تحت رمشها، في ليالي الصقيع كان صوتك يأتيني دافئا بريئا يشبه سكون الثلج، يقيني برد الخوف، ويحميني من وحوش المجهول، ليطل صباح آخر بسحره الموغل في الحنين ويلبسنا تاج مجدنا، تاجا من ريش السحب المهاجرة إلى الشمال، الشمال الذي يختصر جميع الجهات، الشمال الذي تسكنه مرايا الذكريات، وريح الألم، الشمال الذي سيصبح موطن خساراتي المؤجلة، وموطني بعد أن فقدتك.

كم كنت اعشق تلك البساطة فيك، البساطة التي يكمن فيها جزء كبير من الحقيقة، الحقيقة التي عجز الكثير من الفلاسفة والشعراء والفنانين عن اكتشافها، ربما لأنهم يرسمون الوردة حزينة وكئيبة، أو يفخخونها بأشواكهم السوريالية، أما أنا فأرى الوردة كما هي: صادقة شفافة تمنحني كثيرا من الحياء الذي يقطر من وجنتيك، وقليلا من الشعر الذي يكتب أسرار عينيك العميقتين. عيناك اللتان يسكنهما الليل وأسراره، وأنا لم يزل يسكنني ذلك الطائر الذي يعشق غربة الليل وهو يغني لك.

لم يعد ذلك الطائر في قلبي يغني وأنت غادرتك تلك الحمامة البيضاء، لتغفو على سرير الوقت قليلا، لكن دعي عشها قائما، قد تعود ذات يوم محملة بأسرار البحر، وأناشيد الغرباء، قد تعود محملة بأخبار العاشقين وانكساراتهم، وقد تتمثل لك بهيئة ملاك أبيض، لا لشيء بل لتخبرك كيف يموت البعض منا وجعا وألما وهو ينفض الغبار عن رفوف الذاكرة.

في غيابك كل شيء أصبح مثقلا بالفراغ الرتيب، ومن الفراغ يولد الصمت، ومن الصمت تولد الأحزان. والحزن قد يأخذ أحيانا شكل المطر، أو غيمة رمادية أنهكها الرحيل، أو شكل زهرة مذبوحة على قارعة الطريق. ومن الحزن تولد القصيدة محملة بتاريخ شخصي لهزائمنا وانكساراتنا، من بين كل الانكسارات كنت أجمل انتصار في حياتي، كانت عيناك تكتب انتصارا جميلا في سجل هزائمي.

ومن عينيك ولدت قصيدتي، فكلما ازددت طفولة وبراءة، ازدادت القصيدة جمالا، وكلما ازددت أنوثة وجمالا، توهجت القصيدة، وكلما توهجت القصيدة، ارتجف الكون بين يدي ونامت الملائكة على كتف الله وهي ترتل حروف اسمك ترتيلا.

في غيابك يا حبيبتي، كان الليل عاريا إلا من جنونه، يسمع أنيني وبكائي، وأنا أغني لك كقمر جريح.

هل أحترف الجنون والضياع في غيابك، أم أبحث عن وطن آخر؟ أنا الذي أتعبني البحث عن الأوطان، وأرهقتني ليالي الغربة في صقيع المنافي الرخامية، يا امرأة تختزل كل الأوطان في قصيدة، كم اشتقتك يا زهرة عمري الوحيدة، إني أنزف شوقا، وللنزيف أنين الذكريات، عندما يحاصرني صوتك من كل الجهات، ليمزقني أشلاء، ويرميني إلى ريح شمالية تعوي، لكن الريح أخذتني معها بعيدا، ها هي الريحُ تذروني كحبات رمل في بلاد تسورها أزمنة الضباب ومرايا الحزن الجليدي. معتمة هي مرايا الحزن وزوايا الطريق المؤدية إلى الخطيئة. مضيئة نوافذ عينيك. عيناك اللتان تلمعان خلف هذا البحر كلؤلؤة فضية أضاعها أحد البحارة الغرباء وهو يرتل أناشيد انكساراته.

في غيابك يا حبيبتي أصبح البكاء عادتي وعبادتي، وأصبح الدمع جزءا من تفاصيل حياتي اليومية. هل تدرين ماذا يحدث عندما تكون الدمعة صادقة؟ قد تتحول إلى قطعة بلور تتناثر وتتشظى، لتمزق ستائر العتمة، وتستقر في ردهة من القلب. ألم تشعري بوخزٍ في قلبك وأنت تتنفسين قليلا من الذكرى؟

أجمل اللحظات التي عشتها معك بتفاصيلها الصغيرة، كانت سفرا من أسفار الأبدية، لم أنساها ولن أنساها ما حييتْ، لها طعم الخلود وكينونة الأزل في دورته، لكن من بعدك، بعد أن فقدتك وحكمت على نفسي بالموت، وأنا اكتب قصيدة تتخذ شكل الغياب في حضوره الكامل، لم أعد أتذكر تفاصيل حزني، لكنني أذكر ذات يوم كيف اجتاحتني رغبة عارمة في البكاء عندما شممت رائحة عطرك، فعدت إلى البيت مسرعا، وبدأت اشهق باكيا كالأطفال بأنفاس خائفة مرتجفة، وأنا ألملم ما تبقى من ذكرى في زوايا البيت، اشهق باكيا كالأطفال، وأنا أرى قلبي ينصهر ويذوب رويدا رويدا من فرط الشوق والحنين، أشهق باكيا كالأطفال وفي البكاء يموت شاعر ويولد شاعر، وما بين الموت والولادة قصيدة تغني لعينيك إلى الأبد.

أشهق باكيا كالأطفال والكلمات في صدري تختنق. ليت الذي كان ما كان، وليت الذي حدث لم يحدث. ليتني ملكت مفاتيح القدر وحكمة السماء، واكتفيت بأن أكون بطلا لحكاية لم تكتب. ليتني كنت عاريا من كلمة "ليت". وليتك تعودين يوما لتشهدي كيف يموت أول عاشق في نيسان.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3102483

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC