د. التاج بودالي - الجزائر

أسطورية الموت المحتوم في الشعر الجاهلي

إن قصائد المدح والرثاء كثيرة في شعرنا القديم. وطبيعي أن الظواهر الطبيعية تؤثر في صياغة الحالة النفسية لدى الشاعر وهو أن الثور ارتبط كثيرا بالليل حين تعصف الريح ويشتد البرد وينزل المطر فيهرب ويشعر بالعزلة ويحفر بظلوفه مربضا يبيت فيه، بإزالة التراب لكثرة السيول والخوف من الهلاك فيلجأ إلى الأرطاة/الأرطي ليحتمي بها. ومع إشراقة الشمس تهاجمه الكلاب الضائرة، الزرق، الجائعة فشبه الشاعر عيونها الحمر بزهور العضرس:

تعشّى قليلا ثمّ انحى ظلوفه - - - يثير التراب عن مبيت ومكنس

يهيل ويذري تربها ويثيره - - - إثارة نبّـاث الهواجر مخمس

وبات إلى أرطـأة حقف كأنها - - - إذا ألثقتها غبية بيت معرس

فصبّحه عند الشروق غديّة - - - كلاب ابن مرّ أو كلاب ابن بسبس

مغرّثة زرقا كأن عيـونها - - - من الذّمر والإيحاء نوار عضرس (1)

وإذا أدركته الكلاب المجوّعة، تناولت ساقه ومزقت عروقه كما يمزق الولدان ثوب قاصد بيت المقدس، وبعد أن استبد بها الإعياء، لجأت إلى الشجر لتستريح وتركته بارزا للشمس:

فأدركته يأخذن بالساق والنسّا - - - كما شبرق الولدان ثوب المقدّس (2)

إن هذه الترسبات الأسطورية المتعلقة بالثور، القائمة على نهايته المحتوم أمام الكلاب توحي بانتصار القوة والمعاونة على العزلة والانفراد، ودلالة على انتصار الصيادين الذين أرسلوا كلابهم دون رماحهم وفي ذلك يقول الجاحظ:

"ومن عادة الشعراء إذا كان الشعر مرثية أو موعظة، أن تكون الكلاب هي التي تقتل بقر الوحش، وإذا كان الشعر مديحا، أن تكون الكلاب هي المقتولة، ليس على أن ذلك حكاية عن قصة بعينها، ولكن الثيران ربما جرحت الكلاب وربما قتلتها وأما في أكثر ذلك فإنها تكون هي المصابة والكلاب هي السالمة والظافرة وصاحبها الغانم" (3).

وحين تدنوا الكلاب منه، وتوشك أن تطرحه أرضا فإنه يتحرك بسرعة ويبتعد عن الخطر الضاري، ثم يعود عازما على قتلها بقرنيه الأسودين، فيتركها بين قتيل بالنطح وقتيل بالقوائم، جريحة، ممزقة:

فلما أن دنون لكاذتيه - - - واسهل من مغابنه المسيح

يسّد فروجه ربذ مضاف - - - يقلبه عجــــــــــــــال الوقع روح

فلّما أخرجته من عراها - - - كريهته وقد كثر الجروح

تواكلن العواء وقد أراها - - - حياض الموت شاص أو نطيح (4)

وتتفق الصورة الأسطورية لدى الشاعرين بشر بن أبي خازم وعبدة بن الطبيب في شعريهما (5) حيث تصرع الكلاب ويولي الثور هاربا، حيث جاء في قصيدة ابن الطبيب:

باكره قانص يسعى بأكلبه - - - كأنّه من صلاء الشّمس مملول

يأوي إلى سلفع شعثاء عارية - - - في مجرها تولب كالقرد مهزول

يشلي ضواري أشباها مجوعة - - - فليس منها إذا أمكن تهليل

حتّى إذا مضّ طعنا في جواشنها - - - وروقة من دم الأجواق معلول

ولّى وصرّعن في حيث التبس به - - - مضرّجات بأجراح ومقتول (6)

ثم يمضي مستروحا من حرارة التعب وجهد الضواري، وقد دلع لسانه لاهثا من الإعياء:

مستقبل الريح وهو مبترك - - - لسانه عن شمال الشّدق معدول (7)

وتأخذ الصورة الشعرية لدى النابغة بعدها الميثولوجي المتسم بالعنف، فالصياد يغري الكلاب بالهجوم عليه ولكن الطريدة ترّد بقرنها الحاد بعد أن نفذ في جوفها، فيشبهه بالسفود المتوهج، وتنتهي ملامحها بانهزام الكلاب وتخور قواها، وتعود حاملة العار:

كأنّه خارجا من جنب صفحته - - - سفود شرب نسوه عند مفتأد

فظلّ يعجم أعلى الرّوق، منقبضا - - - في حالك اللّون صدق غير ذي أود

لمّا رأى واشق اقعاص صاحبه - - - ولا سبيل إلى عقل، ولا قــــــــود

قالت له النّفس: إنّي لا أرى طمعا - - - وإنّ مولاك لم يسلم، ولم يصد (8)

وأرى أن الثور حيوان "الطوطم" الذي هو بديل الأب ولفظ أب في الأكادية يرادف ثور(9) ولهذا امتنعت كل الشعوب عن ذبحه. نجد في ما سبق من شعر النابغة انتصار الثور وكأنه الآلهة التي تقدس وتقاوم وتنجي من المحن والإحن. ولانبثاق الصباح دلالة طقسية مرجعها إلى الشمس التي بظهورها يبدأ الصراع والكفاح وقديما قيل: في البدء كان الفعل والفعل يفسر بالمقاومة، وإيجاد الطرق الكفيلة بنجاة الحياة .

ولنزيد الصورة الأسطورية عمقا، فإن الانتصار تجتمع فيه قوتان إلهيتان قوة الناقة المعبودة (10)التي تقرن قوى شجرة الأرطي التي تحمي الثور من البرد والريح والمطر، فالليل الشتائي تحجبه السحب المظلمة فيأتي الذهن البدائي ليفسر على أساس أنه تعد على الإله من الظواهر الطبيعية، ويرى في الكلاب التي تحمل بصائدها على الثور بمجموعة التي تعود بالنصر للإله الخير (11).

ولكن انتصاره لم يكن عادة معروفة، فقد صوّر الهذليون (12) لوحته الانهزامية في أشعارهم الرائعة، يقول على البطل إلى إن هذا الحيوان تتغلب عليه آلهة العام القديم يقصد بها الزمن وحين نعود إلى شعر أبي ذويب نجد الثور يذكر معه حمار الوحش وبتعابير جميلة تأخذ بتلابيب العقول، وصور حيّة، ناطقة، تحاكي الآلهة القديمة في دهرها وحدثانها:

والدّهر لا يبقى على حدثانه - - - شبب أفزّته الكلاب مروّع

شعف الكلاب الضاريات فؤاده - - - فإذا رأى الصبح المصدّق يفزع

ويعود بالأرطى إذا ما شفّه - - - قطر وراحته بليــــــــــــــــــــل زعزع

يرمي بعينيه وطرفه مغض - - - يصدق طرفه ما يسمع (13)

إلى أن يخبرنا الشاعر معلنا مصرعه وقد أجهد في مقاتلته للكلاب التي ما طفقت تحاصره من كل الجوانب الممكنة، ولكنه استسلم في الأخير:

فصرعته تحت الغبار وجنبه - - - متترب، ولكل جنب مصرع (14)

إنه تصوير قديم أحدث نهجا صوريا، فالثور يخور ويكبو كما فحل الإبل، غير أنه جعل للكلاب إلها وهو الصائد الذي يرميه ليشغله عن باقي الكلاب وهكذا تكتمل الحفلة بهذه الطقوس والأحداث الأسطورية في صراع من أجل الفرار من الموت والبقاء في الحياة، تحت ظل طبيعة تحرسها الآلهة.

فكبا كما يكبو فنيق تارز - - - بالخبت إلاّ أنه هو أبـــــــــــرع (15)

إن عناصر التجربة الشعرية عند الشاعر تكتمل بالتأبين لتحديد القيم الاجتماعية والإنسانية التي تشكل فعل الموت في الحياة الجاهلية، كنهاية مقدرة، محتومة لها سلوكها المعروف لدى المجتمع الذي ظل يؤمن منذ القديم بهذه الاحتفالية في الموت.

أسطورية الحمار الوحشي:

يعد الحمار الوحشي من الحيوانات التي ذكرت في الشعر الجاهلي غير أن ما بقي من صورته تكون ملامح من أسطورة مفقودة تتصل بالشمس، كما تتصل اتصالا كبيرا بالترحال الذي تقوم به القبائل بين مناطق الرعي وموارد المياه، فهو دوما له هدف في رحلته ولذلك يكاد يكشف لنا عن صورته في الدين القديم إلا قليلا، وفي ذلك يقول أحمد وهب رومية:

"إذا كان الثور يظهر دائما وحده دون أسرته، فالحمار دائما مع حلائله من الأتن وإذا كان الثور يظهر في الليل، فإن الحمار يظهر نهارا في الغالب، وإذا تلازمت صورة الثور مع الشتاء العاصف والمطر فإن صورة الحمار تتلازم مع الربيع وبداية الصيف"(16).

ومعنى ذلك أن هذا الحيوان يشبه الناقة في سرعتها وسلوكها البدائي (17)، ومن القصائد التي سجلت أحداثه وصوره وأظهرت عناصرها الأسطورية، نص امرؤ القيس الذي يبدو فيه قويا، وقد أخصب المرعى واخضرت مشافره وحوافره من كثرة الأكل من النبت النضير ثم ألح عليه العطش فتذكر موضع ماء، لا يجف فجمع حلائله وانطلق بها:
ولما رأت أن الشريعة همها - - - وأن البياض من فرائصها دامي (18)

وتؤكد النصوص الشعرية أن ارتباطه بالشمس وارد، لارتباط الثور بالقمر الذي يظهر في سماء تشاركه فيها النجوم، وإن هذه الملامح الأسطورية تخفي وراءها صيادا، يمتلك سهاما طائشة، فالفزع سيد الموقف

أذلك، أم جون يطارد أتنا - - - حملن، فأربى حملهن ضروص

طواه اضطمار الشد، والبطن شازب - - - معالى على المتنين فهو خميص

فشربن أنفاسا، وهن خوائف - - - وترعد منهن الكلى والفريص (19)

إن حمار الوحش يريد العيش الهنيء، فيبحث عن مبيت وسط طبيعة قاسية، عنيدة فهو لا يقدر على الحرب ومهاجمة الكلاب، وحين يأتي الليل يجد شجرة كأعظم ما تكون (الأرطاة)، فيتخذها أما وأنيسا وحينما تشرق الشمس تستقبله الكلاب وتفاجئه بعيون زرق (20) تشبه حبات حمراء الزهر، فهو كالثور في رهبانيته لأنه يريد الفرار بمعنى السلام، فأخذ يحثو التراب، اتقاء للحر يهيله ويذروه عن وجه الأرض كما يفعل النبات الذي يزيل التراب الظاهر في الهاجرة لتباشر إبله بردى الثرى (21).

غير أن الكلاب تستمر في مشاحناتها، فتنهشه في طقوس مقدسة، وكأنها تبحث عن المقدس، طالما أنه في المفهوم المسيحي لا يعشق القتل بل الانعزال عن مجتمعه يداوي جراحه ويعرك ظروفه، ولذلك مثلته العرب بالشمس التي تظهر في السماء مفردة، لا يرى معها كوكب أو نجم. يقول أوس بن حجر معبرا عن طقس المعاناة وشدة الحرارة وجهد القيظ .

إذا استقبلته الشمس صد بوجهه - - - كما صد عن نار المهول حالف (22)

يرسم هذا الصراع حركته الدائمة من أجل الحياة والبقاء وكأنه يفرض طقس الموت المسلط عليه وقسوة القدر ليقدم لنا لوحة مأساوية تنزف دما، وإن اختلفت التفاصيل والعناصر المكونة للأسطورة يبقى الحمار الوحشي حيوانا مقدسا ملازما لمواضع الماء.

= = = = =

الإحالات:

1) امرؤ القيس الديوان، ص 97-98.

2) الديوان نفسه، ص 99

3) الحيوان، الجاحظ، تحقيق وشرح عبد السلام هارون، مكتبة إحياء علوم الدين،، ج 2، ص 20

4) المصدر نفسه، ج 2، ص 95

5) اسمه يزيد، بن عمرو بن وعلة بن اقس بن عبد الله بن نهم بن جشم بن عبد شمس شاعر مخضرم، أدرك الإسلام فأسلم. ينظر الشعر والشعراء، ص 476

6) المفضليات، المفضل الضبي، تحقيق عبد السلام هارون، ط 6، بيروت، لبنان، ص 136-138.

7) المصدر نفسه، ص 140

8) الديوان، تحقيق كرم البستاني، دار بيروت، ص 32

9) ينظر تركي علي الربيعو: الإسلام وملحمة الخلق والأسطورة المركز الثقافي العربي، 1992، ص 21-22

10) ينظر الصورة في الشعر العربي حتى أواخر القرن الثاني الهجري، علي البطل، دار الأندلس، ط3، بيروت، لبنان، ص 130-131

11) ينظر الصورة الفنية في الشعر الجاهلي في ضوء النقد الحديث، مكتبة الأقصى، عمان، الأردن، ص 130

12) من الشعراء الهذليين: أبي ذؤيب وساعدة بن جؤبة وأبي خراش وأسامة بن الحارث.

13) المفضليات، ص 425-426.

14) المصدر نفسه، ص 427

15) المفضليات، ص 133

16) شعرنا القديم والنقد الجديد، أحمد وهب رومية، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ص 67

17) قراءة ثانية لشعرنا القديم، ناصف مصطفى، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع ص 120

18) الديوان، ص 168

19) الديوان نفسه، ص 124

20) قراءة ثانية لشعرنا القديم، ص 106

21) ينظر إيليا الحاوي: امرؤ القيس شاعر المرأة والطبيعة، دار الثقافة بيروت، ط 2، 1981، ص 107

22) الديوان، ص 92


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3226052

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC