حسين أوعسري - المغرب

سيمائية الشخصيات الروائية

تحظى مقولة الشخصية، بوصفها مكونا أساسيا من مكونات الخطاب الروائي، بمقاربات متباينة تباين الاتجاهات والتصورات التي تنطلق منها كل مدرسة نقدية. وفي مجال السرد، يشكل الصرح النظري الذي اقترحه السيميائيون بخصوص مقاربة الشخصية قطيعة ابستمولوجية لا جدال فيها مع جل النظريات النفسية والاجتماعية التي بلورتها مدارس صارت تنعت عندهم بالتقليدية[1]. وللوقوف عند بعض مظاهر هذه القطيعة، سنستعرض هنا تصورات ثلاثة باحثين كبار يعود لهم الفضل الكبير في تأسيس ما يسمى بالسيمائيات السردية، وهم: فلادمير بروب، الجرداس جاليان غريماس، وفليب هامون.

مفهوم الشخصية عند فلادمير بروب

تبقى الدراسة التي تقدم بها الباحث الروسي فلادمير بروب، والموسومة بــ"مورفولوجية الحكاية" إحدى الدراسات الجادة في مجال مقاربة مكون الشخصية، استثمر فيها مقولات الشكلانيين الروس، وعمل على دراسة الشخصية دراسة مورفولوجية ركز فيها على وظائف الشخصية، وخلص من خلال تحليله لمائة حكاية روسية إلى أن الثابت في كل الحكايات هو وظائف الشخصيات، وليس الشخصيات في حد ذاتها.

وتبعا لذلك، أحصى فلادمير بروب عدد الوظائف المستخلصة وحصرها في إحدى وثلاثين وظيفة قابلة لأن تقلص في دوائر لا يتعدى عددها سبع دوائر وهي: دائرة الفعل المعتدي، دائرة الفعل الواهب، دائرة الفعل المساعد، دائرة فعل الأميرة، دائرة فعل الموكل، دائرة فعل البطل، ودائرة فعل البطل المزيف[2].

ولا أحد ينفي أن دراسته كانت رائدة؛ وريادتها تكمن في كونها فتحت آفاقا واسعة أمام حقل السيميائيات السردية لتطوير منهجها وآليات اشتغالها، بل ساهمت في بناء مدارس نقدية بكاملها، وفي طليعتها مدرسة باريس السيميائية التي يعد "غريماس" أحد روادها البارزين.

مفهوم الشخصية عند الجيرداس جاليان غريماس

انطلق غريماس المؤسس الفعلي للسيميائيات السردية، وزعيم مدرسة باريس بدون منازع، من حيث انتهى فلادمير بروب، إذ لم يكترث بالمستوى السطحي للنص السردي بل تجاوزه إلى المستوى العميق. وحاول مقاربة الشخصية من خلال ما سماه بالمسار التوليدي؛ وهو مسار تحكمه بنيتان أساسيتان: بنية عميقة وبنية سطحية. تتألف البنية العميقة من مستويين ينهض كل منهما على مكونين: دلالي و تركيبي، وتتألف البنية الخطابية السطحية من مستوى واحد ينهض بدوره على مكونين دلالي وتركيبي.

أما المستوى الأول من البنية العميقة، فهو مستوى مورفولوجي عميق يرصد البعد الدلالي والمنطقي للنص السردي، ويشمل قيما دلالية مجردة قابلة للتفجير، لكنها غير قابلة للإدراك في ذاتها لإنتاج دلالة ما، إلا إذا دخلت في شبكة من العلاقات تعطيها بعدا ماديا إظهاريا "لأن الحدود المجردة تملك بشكل ضمني القدرة على التحول من العلاقات إلى العمليات بفعل الطابع الموجه للعلاقات التي تربط بينها"[3].

هذا التحول هو ما يشكل المستوى التركيبي داخل البنية العميقة حيث يتم نقل البنية من وضع مجرد إلى وضع آخر محسوس. إلا أن هذا القلب الذي يحدث في هذا المستوى، يقتضي بدوره طرح سلسلة من العلاقات يجملها غريماس في التناقض والتضاد والتقابل والاقتضاء؛ وهي علاقات قابلة لأن تجسد على حدود مربع سماه بالمربع السيميائي، ويقصد به "التمثيل البصري للتمفصل المنطقي لمقولة دلالية معينة"[4].

لكن هذه العلاقات/الثنائيات تبقى، هي الأخرى، غير قابلة لإنتاج كون دلالي ما في ذاتها إلا إذا دخلت في سلسلة من العلاقات تمنحها وجها إجرائيا. بعبارة أخرى، إن القلب الذي يحدث في هذا المكون التركيبي من المستوى الأول، هو الذي يجعل العلاقات التي تجمع بين الثنائيات تشتغل باعتبارها عمليات.

ولعل ما يهم من كل هذا، هو أن القلب الذي يحدث داخل المستوى التركيبي من البنية العميقة، يقتضي عملية قلب جديدة لا تتم إلا بدخول ذات الخطاب التي تقوم بتحريك القيم الكونية المجردة، وتصبها في التجربة الزمكانية لتأخذ طابعا مشخصا ومدركا عن طريق الانتقال من الحد الأول في المربع السيميائي إلى الحد الثاني عبر النفي والإثبات. وهذه عملية يسميها غريماس "التسريد"، ويعني بها الدور الأساس الذي تلعبه الذات/الشخصية في إضفاء طابع الدينامية على قيم النص.

أما عملية التحويل الثانية التي تتم في المكون التركيبي من المستوى الثاني في البنية العميقة الذي يرصد التحويل من النظام المنطقي إلى نظام التركيب، هي التي تسمح "بالحديث عن النموذج العاملي باعتباره بؤرة تختصر وتكثف مجموعة الأدوار القابلة للتحقق انطلاقا من كون دلالي مجرد"[5].

ويتشكل المكون الدلالي، في هذا المستوى الثاني من البنية العميقة، من عملية قلب تجرى على الحدود المجردة، أي مجموعة من المعانم (السمات النووية) المشكلة للحد الدلالي المجرد التي تدخل في علاقات مع السمات السياقية لتعطينا ما يسمى الأثر المعنوي.

بقي الحديث عن البنية السطحية حيث تحدث غريماس عما سماه المستوى التركيبي الخطابي، ويقصد به ما نقرأه مكتوبا بعد أن يتم تزمين وتفضية القيم المجردة، وتوزيع الأدوار العاملية على الشخصيات. وهنا نلفيه يتحدث عن العامل الذي ينفجر في عدد لا نهائي من الممثلين، وقدرته على أداء عدة أدوار عاملية، يقول: "إذا كان العامل يُجسده العديد من الممثلين، فإن ممثلا واحدا قادر على تجسيد سلسلة من الأدوار العاملية"[6].

وكـما فعل إتيان سوريو في مجال المسرح، عمل غريماس هو الآخر على تقليص وظائف بروب إلى ستة عوامل قابلة للمزاوجة، وهو ما يسمى عنده بالنموذج العاملي . ويتألف من ثلاثة أصناف، يضم الصنف الأول عامل الذات مقابل عامل الموضوع وتجمعهما علاقة رغبة، ويضم الصنف الثاني مرسلا مقابل مرسل إليه وتجمعهما علاقة تواصل، في حين يضم الصنف الثالث مساعدا مقابل معارض و تجمعهما علاقة صراع.

يقودنا النموذج العاملي إلى الحديث عن مفهوم آخر مرتبط به، وهو البرنامج السردي. فإذا كان كل نص سردي ينطلق من بداية ليصل إلى نهاية معينة، فهذا يعني أن الانتقال من لحظة سردية إلى لحظة سردية أخرى يكون مبرمجا بشكل سابق داخل خطاطة سردية تتألف من أربع لحظات وهي: التحريك باعتباره أصلا ومحفزا للفعل، وينتج عن نقص ما، والقدرة باعتبارها تحيينا لهذا الفعل، والإنجاز باعتباره خاتمة لسلسلة من التحولات الرابطة بين التحيين والتحقق، ثم أخيرا الجزاء باعتباره مرحلة سردية نهائية داخل المسار التوليدي.

مفهوم الشخصية عند فيليب هامون

ينطلق فيليب هامون هو الآخر من حيث انتهى غريماس، ويرى أن الشخصية، إضافة إلى كونها وليدة مستوى عميق، لا يمكن الإمساك بمدلولاتها وملء بطاقتها إلا من خلال وجود عناصر مهمة تسهم في بنائها، وهي القراءة و السنن الثقافي. إن الشخصية في نظر هامون تشبه العلامة اللسانية. "إنها علامة فارغة، أي بياض دلالي لا قيمة له إلا من خلال انتظامها داخل نسق محدد"[7].

ولإدراك الأبعاد التي ترمز إليها الشخصية والمواصفات والقيم الكونية التي تجسدها لا بد من فعل القراءة. فإذا كان المؤلف يسعى من خلال شخصياته تسنين واقع معين داخل النص السردي، فإن دور القارئ يتمثل في فك ذلك السنن أثناء استهلاكه للنص، وبين عملية التأويل التي يقوم بها القارئ لإدراك مدلولات الشخصيات، وعملية الخلق التي يقوم بها المؤلف" تنتصب الشخصية كإسقاط لصورة سلوكية مسننة داخل نوع ثقافي خاص"[8].

وانسجاما مع تصوره الذي ينهل من اللسانيات، قسم هامون الشخصية إلى ثلاثة أنواع[9].

أولا: شخصيات مرجعية: تحيل على عالم خارجي محقق ماديا ومعروف تاريخيا. وتنقسم هذه المرجعيات بدورها إلى ثلاث مرجعيات[10]: مرجعية مباشرة، تحشر فيها الشخصيات التاريخية المعروفة (هتلر، ستالين ...)، وغالبا ما تكون ثانوية[11]، ومرجعية شبه مباشرة مثل الشخصيات الأسطورية (تموز، سندباد ...)، وأخيرا مرجعية غير مباشرة، ويتعلق الأمر بشخصيات تتحدد من خلال مهنها (أستاذ، طالب ...).

ثانيا: شخصيات إشارية: تصل المؤلف بالسرد، وغالبا ما تأخذ صوت المؤلف الذي يرتدي قناع السارد.

ثالثا: شخصيات استذكارية: تعمل على تنظيم النص السردي عبر تقنيتي الاسترجاع والاستدعاء، حيث يحيل العمل الأدبي من خلالها بنفسه على نفسه.

إذا كانت هذه الأمور متعلقة بمدلول الشخصية، فإن هامون أولى أهمية كبرى لدالها أيضا، وذلك من خلال تركيزه على جملة من المحددات الثاوية خلف اختيار أسماء الأعلام. ومن جملة المحددات التي تتحكم في اختيار أسماء الأعلام ، نذكر محددات بصرية تتمثل في الكتابة الكاليغرافية، ومحددات صوتية تتمثل في دقة اختيار الأصوات المكونة لاسم العلم، ومحددات صرفية تتمثل في اشتقاق الأسماء وما يتصل بها من سوابق وأواسط ولواحق (مورفيم). ولكل هذه المحددات وغيرها أهمية كبرى في تكوين اسم الشخصية داخل النص السردي المنجز.

وختاما، نشير إلى أن هناك تصورات أخرى لباحثين أخرين قاربوا الشخصية سيمائيا أمثال ليفي ستراوس، إتيان سوريو، كلود بريمون وغيرهم، استعضنا عن ذكرها لأن بعضا منها ربط مفهوم الشخصيات بمجالات معرفية أخرى كالأسطورة والمسرح وليس الرواية، وهذا لا ينفي أن أصحاب التصورات التي ذكرناها استفادوا من نظريات هؤلاء وطوروها لتستقيم مع نظرية الشخصية في مجال السرد.

= = = = =

الهوامش

=1= هامون، فليب. سميولوجية الشخصيات الروائية، تر: بنكراد، سعيد، دار الكلام، الرباط 1990، ص:8 .

=2= بنكراد، سعيد. شخصيات النص السردي، البناء الثقافي، منشورات جامعة المولى إسماعيل، مكناس، 1994 ، ص: 99.

=3= _____. المصطلح السميائي، الأصل والامتداد، مجلة علامات(المغرب)، ع: 14، 2000، ص: 15.

=4= Greimas(A. J.) et Courtés(Joseph(: Sémiotique: Dictionnaire Raisonné de la Théorie du langage, Tome 1, Hachette Université, Paris, 1979, p. 29 .

=5= بنكراد، سعيد. شخصيات النص السردي، ص: 72.

=6= -Greimas(A. J) : Du sens II , Essais Sémiotiques, Editions Du Seuil, p. 49.

=7= هامون، فليب. مرجع سابـــق، ص: 8.

=8= بنكراد، سعيد. شخصيات النص السردي، ص: 102.

=9= نفســه، ص ص: 24-25.

=10= نفسه، ص: 110.

=11= انظر الهامش رقم 24 من كتاب هامون المذكور، ص: 28.


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3366039

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC