عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

 
أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 60-120 » السنة 7: 72-83 » العدد 72 » قراءة في رواية شيفرة دافنشي

كُليزار أنور - العراق

قراءة في رواية شيفرة دافنشي


قراءة في رواية شيفرة دافنشي (*) لدان براون

كليزار أنوروراء أي عمل فني أو أدبي هناك رسالة ما يريد أن يوصلها الفنان أو الأديب للقارئ. إنه يتخفى وراء عمله ويترك شيفرة ما، يمررها من خلال لوحته أو روايته أو فلمه. رسالة تريد أن توضح حقيقة ما، كي لا تبقى لغزاً إلى الأبد.

ورواية "شيفرة دافنشي" هي إحدى الأعمال المهمة التي تركت خلفها ضجة كبيرة وأثارت جدلاً واسعاً واشتهر صاحبها، دان براون، من خلالها ليكون من أشهر كتاب العالم.

وعندما تحولت الرواية إلى فيلم، أثار الفيلم ضجة ليست لها حدود، بل سُحب من المهرجانات. وهناك دول أجنبية وعربية منعت دخول الكتاب أصلاً لأراضيها لماذا؟ هل فيه ما يُخاف منه؟ ولِمَ الاعتراض؟ فربما يقول شيئاً ما، وربما يكون منطقياً لو واجهنا كاتبها بالحقائق والوثائق الملموسة.

الرواية امتلأت بالرموز والإشارات والأسرار. وهذا كله أعطاها سمة الخلود. وأول لغز كان مقتل جاك سونيير، القيّم في متحف اللوفر بباريس. مقتله جعل المحققين يستعينون بِبطل الرواية، روبرت لانغدون، أستاذ علم الرموز الدينية في جامعة هارفرد. وتبدأ عندئذ وهو رحلة ممتعة ومشوقة نحو مجاهل قصص الجريمة.

شعر لانغدون بقشعريرة تسري في جسده عندما رأى جثة سونيير، وكانت أغرب منظر رآه في حياته. لقد استخدم سونيير دمه كحبر ومستعملاً بطنه العاري كلوحة. لقد رسم عليها رمزاً بسيطاً: خمسة خطوط مستقيمة تتقاطع فيما بينها شكلت رمز النجمة الخماسية. إنها رسالة يريد أن يقول فيها شيئاً يفسر ما حدث له.

ولم تكن النجمة فقط، بل نص مكتوب بالقلم اللامرئي، وهناك شيء آخر هو الذي فسر المعنى في النهاية، فقد خط حول نفسه دائرة، فنطق لانغدون بلهفة: "الرجل الفيتروفي".

لقد أبدع سونيير نسخة مطابقة بالحجم البشري عن أشهر رسم لِليوناردو دافنشي وباعتبارها أكثر لوحة دقّة من الناحية التشريحية في زمانها، أصبحت رائعة دافنشي، الرجل الفيتروفي اليوم أيقونة للحضارة، فتراها في كل أنحاء العالم على الملصقات ووسائد فأرة الكمبيوتر والقمصان، ويتكون هذا الرسم المشهور من دائرة مثالية رسم داخلها رجل عار، ممدود الذراعين والرجلين في وضعية نسر باسط جناحيه (ص 57).

وتتدخل العميلة صوفي نوفو لإنقاذ لانغدون من الاعتقال على يد المحقق فاش، فجاك سونيير هو جد صوفي، وفاش استدعى لانغدون بعد أن مسح السطر الأخير من الرسالة التي كتبها سونيير، فالرسالة موجهة إلى حفيدته كي تستدعي لانغدون، فهربته بطريقة ذكية جداً، وفي طريقهما عبر السلالم الخلفية للخروج من متحف اللوفر كان يفكر بالأحرف المتقاطعة ويتذكر شرحه للطلاب، وإذا به فجأةً يتوقف ويسحب قلماً من جيب سترته وأعاد ترتيب أحرف كل سطر، فظهرت الكلمات التالية:

ليوناردو دافنشي. الموناليزا.

وتتذكر صوفي حديث جدها عن لوحة الموناليزا، فتعطي مفتاح سيارتها لِلانغدون ليذهب بها إلى سفارة بلده –السفارة الأمريكية- كي تحميه. وتعود ثانيةً إلى قاعة الدول حيث توجد لوحة الموناليزا، فحتماً قد ترك لها جدها رسالة من خلالها. وما أن يصل لانغدون إلى البوابة حيث الخروج يتذكر رسالة سونيير فيخرجها من جيبه، ودون تردد ينطلق راكضا نحو السلالم.

ويتذكر محاضراته العديدة عن الموناليزا ويوضح ببساطة سر ابتسامتها الغامضة وكيف رسمها دافنشي، وما هي الرسالة الخفية التي تندرج بين ألوانها و... و... و... بحيث يجعلنا نقف أمام هذه الأسرار بذهول، وبأحقيتها أن تكون أشهر لوحة في العالم رغم عاديتها.

وفعلاً كما توقعت صوفي، فقد ترك لها جدها خلف اللوحة مفتاحاً ذهبياً على شكل صليب مربع عليه حرفين (p.s.) ويعنيان الأميرة صوفي (Princess Sophie)، وحفرت عليه زهرة زنبق. وقبل أن تغادر القاعة تسلط الضوء الأسود على زجاج قاطع غرفة الموناليزا لتجد رسالة أخرى عليها عنوان (24 شارع آكسو).

ويغادر لانغدون وصوفي متحف اللوفر. كانت صوفي هي التي ترسم خطط الطريق بينما لانغدون لا يفعل سوى الرضوخ. وعندما كانا في السيارة طلبت منه أن يحدثها عن ما يعرفه عن جمعية "أخوية سيون". هذه الأخوية جمعية سرية أُسست في القدس عام 1099 على يد ملك فرنسي يدعى غود فروا دو بويون (Godfroi de Bouillion) بعد احتلاله للمدينة مباشرةً. يقال إن الملك كان يحتفظ بسر عظيم في عائلته منذ زمن المسيح. وخوفاً من أن يضيع هذا السر بعد موته، قام بتأسيس هذه الجمعية وكلف أعضاءها بحماية سره وذلك بنقله من جيل إلى آخر (ص 178).

ويذهب لانغدون وصوفي إلى شارع آكسو، ويجدان فيه مصرفا لحفظ الودائع. والصليب هو مفتاح لصندوق الأمانات العائد لجدها. ومتوالية دافنشي هي الرقم السري لفتح حساب الأمانات، وعندما يفتحان الخزنة الخاصة بهذا الحساب يجدان صندوقاً يأخذانه، ويهربهما مدير المصرف (صديق جدها) قبل أن تصل الشرطة.

وكان في داخل الصندوق أسطوانة حجرية مصنوعة من الرخام الأبيض بحجم كرات التنس.

وتذكر لانغدون وهو ينظر إلى الأحرف المحفورة على الأسطوانة أنها تدعى "كريبتيس" وقد أخذت من مذكرات دافنشي السرية. ولم تكن سوى خزينة لحفظ معلومات سرية.

أُحجية تقودهما إلى أُحجية. إذاً، كم كان ليوناردو دافنشي يحمل من الأسرار؟ ربما لهذا وحده اكتسب كل هذه الشهرة، وعلى مر القرون.

مدير المصرف الذي انقذهما وهربهما بشاحنة عائدة للبنك قادها هو بنفسه، إذا به وفي الطريق الخارجي يريد قتلهما وأخذ الصندوق الذي بحوزتهما، لكن روبرت لانغدون كان أذكى منه، فيتصدى له ويتركانه في الطريق ويهربان بالشاحنة لتصل بهما إلى قصر فيليت الرائع، (يملكه سير لي تيبينغ) (Sir Leigh Teabing) لأنه قد أمضى حياته كلها محاولاً أن يكشف حقيقة الكأس المقدسة إلى الملأ.

يوضح لي تيبينغ لصوفي ما هي الكأس المقدسة وما هو الإنجيل:

"إن الإنجيل لم يرسل من السماء عن طريق الفاكس".

" عفواً؟"

إن الإنجيل هو كتاب من تأليف بشر، يا عزيزتي. ولم ينزل بوحي من الإله. وهو لم يهبط بشكل خارق من الغيوم في السماء. فهو من ابتكار الإنسان الذي ألفه لتسجيل الأحداث التاريخية في تلك العصور التي طبعتها النزاعات والفتن، وقد تطور وتحرف من خلال ترجمات وإضافات ومراجعات لا تعد ولا تحصى. والنتيجة هي أنه لا توجد نسخة محددة للكتاب في التاريخ كله (ص 259).

وشرح لي تيبينغ لصوفي أن الكأس المقدسة ترمز للمرأة. لقد كانت قوة المرأة وقدرتها على إنتاج الذرية ومنح الحياة في قديم الزمان أمراً مقدساً، لكنه كان يهدد قيام الكنيسة التي سيطرت عليها السلطة الذكورية، لذا محوه، وألصقت بالمرأة الصفات الشيطانية وشوهت سمعتها.

ويُري لي تيبينغ لصوفي لوحة "العشاء الأخير" الأصلية لدافنشي ووثائق السانغريال التي تحتوي على دلائل ومعلومات خطيرة عن التاريخ الحقيقي ليسوع المسيح ومريم المجدلية. تؤكد تلك المزاعم أن السيد المسيح كان (إنساناً ومعلماً ونبياً) وتروي الجانب الآخر من قصته، وكيف أن حماية تلك الوثائق وحماية قبر مريم المجدلية أوكلت لجمعية أخوية سيون المعاصرة.

هذا كله وسيلاس (Silas) خلف النافذة ينظر اليهم ويسمع بعض كلامهم، فيدخل ويضرب بقوة رأس لانغدون فيقع على الأرض مغشى عليه ويتمكن تيبينغ من السيطرة عليه ويوثقونه ويضعونه في مؤخرة سيارة رانج روفر ويغادرون القصر متوجهين إلى مطار لوبورجيه ليغادروا إلى إنكلترا بطائرته الخاصة. وعندما تأتي الشرطة إلى القصر لا تجد أي أثرٍ لهم.

وفي الطائرة فتحوا الصندوق فوجدوا نصاً مكتوباً بطريقة ليوناردو دافنشي. كان النص مكتوباً بالمقلوب وبالإنكليزية. كانت أُحجية ترشد إلى طريقة فتح الكريبتكس. وعندما وصلوا إلى لندن كانت المعاناة أصعب ليتضح أن (ريمي) خادم تيبينغ تابع للمعلم، فيفك وثاق سيلاس ويأخذان الصندوق منهم مع تيبينغ كرهينة. وبعد أن يستلم المعلم الصندوق يقتل ريمي ويبلغ الشرطة عن سيلاس.

أما لانغدون وصوفي فيذهبان إلى المكتبة الإلكترونية لجامعة الملك جورج الرابع المتطورة والمختصة في البحث الديني واللاهوتي. وبعد تعب وبحث طويل يتوصلان إلى نتيجة بأن الأحجية تعني قبر الفارس اسحق نيوتن.

ويذهب لانغدون وصوفي إلى المقبرة. ويلتقيان بالمعلم هناك، ويستدرجهما إلى إحدى القاعات المغلقة. وفجأةً يلتقيان بتيبينغ وهو يوجه إليهما سلاحه، ويتبين أنه كان وراء كل ما حصل.

أظهر تيبينغ دقة عبقرية في بناء خطة كانت تحمي براءته في كل مرة. وقد استغل كلاً من الفاتيكان و أبوس داي، الجماعتين اللتين اتضح أنهما بريئتين تماماً. أما عن أعماله القذرة، فقد نفذها راهب متعصب وقس بائس دون معرفتهما بهويته. والأنكى من ذلك كله، هو أن تيبينغ قد أقام مركزه للتصنت الإلكتروني في مكان لا يمكن لرجل مصاب بشلل الأطفال أن يصل إليه، فالمراقبة الفعلية كان يقوم بها خادمه ريمي، وهو الشخص الوحيد الذي كان يعرف هويته الحقيقية والذي مات الآن، لحسن حظ تيبينغ، نتيجة ارتكاس جسمه لحساسية قاتلة (ص 467).

ويدخل المحقق فاش إلى قاعة الاجتماعات ومن ثم الشرطة البريطانية ليخلصوا صوفي ولانغدون وليقتادوا تيبينغ إلى السجن.

مفاجأة تقودنا إلى مفاجأة، وأُحجية تقودنا إلى أخرى. وماذا في النهاية؟ إلى ماذا ستوصلنا الحقيقة؟ أم أننا سنتوه منها ثانيةً كما هم تاهوا منها أو تاهت منهم؟

يذهب صوفي ولانغدون معاً إلى كنيسة روزلين في أسكوتلندا وهناك تكتشف حقيقة أسرتها، وربما هذا ما أراده جدها بكل هذه الأحجيات: أن تصل إلى حقيقتها، ويجتمع شملها بعائلتها. وأن تكتشفت الحقيقة بأنها تنحدر من سلالة مريم المجدلية ويسوع المسيح، لذا أمنت لهم الأخوية حماية فائقة.

ويبدو أن الروائي دان براون أراد أن يوصلنا –وبعد كل هذه الرحلة الملغزة-إلى أن الأخوية قد قررت في النهاية عدم إزاحة الستار عن الحقيقة إلى الأبد. والمفاجأة الكبرى كانت في الخاتمة، إذ تكشف بأن تلك الرحلة التي استمرت يوماً كاملا ما كانت إلاّ حلماً.

إذاً ما الذي أراده المؤلف من إثارة هذه المسألة الحساسة جداً؟ هل كان يبحث عن الشهرة، أم انه رمى حجرا في بحيرة عالمنا الملغز بالكثير من الأسرار؟


(*) رواية "شيفرة دافنشي" للروائي الأميركي دان براون. ص
رت عاما —. ترجمها إلى العربية سمة محمد عبد ربه. ناشر الترجمة: الدار العربية للعلوم، بيروت (2004).

موضوع ذو صلة:

السينما السردية في رواية "الرمز المفقود" لدان براون (موسى إبراهيم أبو رياش)

D 25 أيار (مايو) 2012     A كُليزار أنور     C 4 تعليقات

2 مشاركة منتدى

  • تحليل رائع وممتع ومبسط للرواية الشهيرة ، وخاصة بالاستنتاج النهائي ، وكنت اتمنى لو قامت الكاتبة الكريمة بتسليط بعض الأضواء على الفيلم الشهير المشتق من الرواية ، وخاصةأن الكنيسة الكاثوليكية قد قاطعت الفيلم عالميا ، ومع ذلك فقد تمكن المخرج الأمريكي العبقري رون هاوارد من انتاج فيلم رائع وحقق مردودا ماليا كبيرا مع قيام الممثل الامريكي توم هانكس بدور البطولة ، وفي اعتقادي المتواضع فان اية رواية عالمية تثير الجدل يفضل ان يترافق عرضها اوتحليلها مع عرض مختصر للفيلم السينمائي ، الذي يعتبر بحق فنا مكملا وقد يعطي للرواية قيمة مضافة وانتشارا جماهيريا ومتعة بصرية -موسيقية لافتة ، وخاصة ان الموسيقى التصويرية الرائعة للفيلم الشهير قد اضفت علية بعدا تعبيريا مؤثرا (هاتز زيفر)، كما انها رشحت لجائزة الكرة الذهبية . هناك تبسيط لافت بطريقة عرض الرواية ، وخاصة انها تتحدث عن ملابسات تاريخية-دينية مثيرة للجدل ، حيث لم يتم التطرق للعلاقة ما بين الكود والرسائل الغامضة ورسومات ليوناردو دافنشي (كمثال فقط ) !


    • الأستاذ مهند النابلسي المحترم
      تحية الإبداع
      أشكرك على هذا التعليق الجميل..
      وعرض الرواية يختلف عن عرض الفيلم.. هذا فن وذاك فن اخر
      مع العلم اني حضرت الفيلم وكان رائعاً بحق.. لكن, الأروع منه الرواية بحد ذاتها
      وأتمنى أن تقرأ الرواية وستجدني محقة بذلك
      مرة أخرى أشكرك على التعليق وأشكرك على الملاحظات الأخرى التي كانت جديرة باهتمامي
      ودمت سالماً وناجحاً
      كُليزار أنور

  • تحية طيبة.. وعرض مشوق وكنت قد قرات الرواية قبل اشهر ولوحة المولنيزا بحد ذاتها واقعية سحرية للصورة المزدوجة حين يتم عكسها ومطابقة العكسين، تظهر صورة لشخص اوعزها المؤرخون على انها صورة سيدنا المسيح عليه السلام.. دافنشي والالغاز غموض ابدي في عالم قلما يعترف ببراعة القدم. شكرا للقراءة.