مرام أمان الله - فلسطين

المرأة ليست مرآة


مرام أمان اللهكثيرة هي الأسباب التي جعلت المرأة على اختلاف السياق الحضاري والثقافي والفكري موضع التشريح تحت المجهر. كانت وما زالت بقعة الضوء التي تدور حولها الرغبات والانتقادات في آن. وبالرغم من تلك الهالة التي سكنت العقول، إلا أنها أحيطت بالأحكام المسبقة، التي تنوعت واختلفت توجهاتها، إلا أنها بقيت ضمن دائرة تجريد المرأة من كونها كيانا فكريا مستقلا.

هذا التجريد تمثل في صور عدة؛ منها الحكم على المرأة بالأحكام المسبقة الفضفاضة التي تحمل على معان ضبابية، يمكن استخدامها وإسقاطها على قضايا لا حصر لها. من الأحكام المسبقة تلك فكرة "الضعف"، حيث تم بناء افتراض ضعف الأنثى دون الرجل على أكثر من جانب؛ فالأنثى "ناعمة"، وبنيتها الجسمية هزيلة، في حين أنيطت "القوة" بالرجل.

ولم يقف مفهوم الضعف عند هذا التعبير البسيط للمفردة، فقد حكم عليها بالتالي أنها غير قادرة على حماية نفسها، وليست غير قادرة فحسب، إنما كان الحكم قاسيا إلى درجة حسم الأمر في أنها لن تقدر أبدا. ولكن الفكرة ذهبت أيضا إلى أبعد من ذلك، وفرضت تبعات سلوكية وضوابط ومحددات للسلوك وبالتالي للطموح، فلأنها بحسب الافتراض "ضعيفة" ولا يمكن أن تحمي نفسها من المخاطر، فهي إذا في حاجة دائمة لمن لديه القوة على الحماية.

وبحسب تلكت الافتراضات وتناقض الأحكام المسبقة، فإن المرأة أيضا الأكثر قدرة على الرعاية، وتحمّل الأعباء المنزلية، بالإضافة إلى كونها "حامية" شرف الأسرة، والمجتمع، والهوية الوطنية. وفي حال وقعت ضحية اعتداء، فإنها لا تنجو من الجلد على أساس التفريط بالشرف، أو حتى الاتهام بأنها الجانية وليس المجني عليها، فـ"الضعيف" يتحول فجأة وبإرادة القوة إلى "قوي" وصاحب القرار.

ولأنني لا أدعو إلى تعزيز الصور النمطية المسلّم بها، فإني لن أنتهي من فكرة الضعف عند هذا الحد؛ لأن القوة الجسدية ليست منوطة بحال بالفرق البيولوجي الجنسي، فالقوة الجسدية تكتسب مع الممارسة. وقوة العضلات لا يمكن أن تكون حكرا على الذكور، وليست تمنح لأي ذكر. فليس كل الذكور يستطيعون العمل في مواقع الإنشاء مثلا.

وقد يسأل البعض: إذا لم لا نرى المرأة تعمل في البناء مثلا؟ رغم أنّ هناك قلة من النساء اللواتي يعملن في هذا المجال، إلا أن ذلك عموما حصيلة "طبيعية" لتراكم الصور النمطية المجتمعية في الوعي بأنّ المرأة غير قادرة على العمل في مجالات كهذه، بالإضافة إلى أنّ قدرة المرأة الجسدية هي أيضا حصيلة لطبيعة الممارسات العضلية التي تقوم بها بناء على الخبرات المناطة والمقبولة مجتمعيا. بمعنى أنه لو كانت المرأة "ضعيفة" جسديا بناء على جنسها لما استطاعت أن تمارس رياضة المصارعة على سبيل المثال.

وكما منطق الاستشراق الذي يقول بتشيكل وعي الشرق عن ذاته من خلال تعريف الغرب، فإنّ نفس أداة القوة حاولت عبر الزمن تشكيل الوعي للجنسين على أساس تعريف ذات الأنثى من خلال ذات السيطرة/الذكر، وكأنّ المرأة هي المرآة، هي الصورة المنعكسة وليست الأصل. وكأنها وجدت فقط لتكمل الحكاية، فهي لا ولن تلعب دور البطولة، وكأنّ المخرج يراها دائما ضمن الكماليات؛ فقد جاءت لترمز لقيم اخترناها زينة لنا؛ جاءت لتقدم كل ما في جعبتها من عاطفة، وعطاء، وخدمة، ورعاية، فالعاطفة لم تلصق عبثا بالمرأة دون الرجل، علما أنّ العاطفة أيضا غير قابلة للتوزيع على أساس الجنس.

إن البناء الثقافي والأحكام المسبقة هي التي حكمت على المرأة كونها الطرف "الضعيف" بالعاطفة، في حين حرمت تلك الأحكام الذكر من أنواع العاطفة إلا ما يخدم مصلحة الـ"سلطة" كعاطفة الغضب. وهكذا تكون المرأة المرآة من جديد، كلما كانت أضعف، يكون الذكر أقوى، وكلما كانت أكثر عاطفية باتجاه العواطف السلمية كالحزن، والحنان، والبكاء والألم، يكون الرجل أكثر عقلانية.

شكّلت الذكورية ذاتها من خلال قمع الآخر "الأنثى"، وترسيخ كل الصور النمطية والافتراضات المسبقة التي تعزز مؤهلات الذكر للسيطرة على كل المستويات، فصانع القرار هو الذي يمتاز بالحكمة، والحكمة ارتبطت ثقافيا بجنس الذكر، على الرغم من أنّ الحكمة تمثل مرحلة متقدّمة من تراكم الخبرات والقدرات الذهنية والرؤية الثاقبة للأمور، فهي بالتالي غير مرتبطة بالدور الإنجابي والفرق البيولوجي. ولو كان الأمر كذلك، لكان كل ذكر "لقمان".

قانون القوة واحدٌ على اختلاف شكل ومستوى ونكهة اللعبة. ويقضي قانون القوة بأن تبنى الثنائيات من خلال المقارنة والتضاد، فما يخسره الآخر تكسبه أنت. وهذا بالضبط ما ينطبق على قضية الحقوق، الأدوار، والعلاقات بين الجنسين. إذ أنّ القوة حكمت على "الأنثى" بالتبعية الدائمة والذائبة في كل التفاصيل دون استثناء، حيث جاءت الأحكام المسبقة وتشكيل صور لكيف يجب أن تكون الأنثى وكيف يكون الذكر مجرد مبررات لديناميكيات نزع السلطة ومنحها.

إنّ قدرات الذكر والأنثى على حدّ سواء هي حصيلة تركيبة بنيوية لخطاب القوة الثقافية المهيمنة على الخاص والعام، على العقول والأجساد، وتكرار تعزيز الصور النمطية يؤدي إلى تكرار إثبات نظرية القوة، بتحديد مسار الأنثى وإنجازاتها.

ليس من السهل تفكيك ما قد قام بتشكيل الوعي على مدار السنين، ولكنّ الأهم هو الإدراك بأنّ الفرق الجنسي البيولوجي هو ليس فرقا في مستوى الإنسانية، ولا يعطي أحد الجنسين امتيازا أو انتقاصا، فكلاهما كيان، ووعاء فكري لتداخلات خطابية متشابكة. وإذا تواجدت الفرص العادلة فلن يكون هناك محددات مرتبطة بالجنس. المحددات تكون بافتراضهما "أصلا" و "صورة"؛ فالتكاملية لا تعني التطابق. هي ليست صورة، بل هي تطبع صورتها وترحل، لفضاء آخر تشرق فيه من جديد على وجه آخر من العالم.

ومهما حاولت أشكال القوة الأبوية أن تساويها بـ"الأشياء"؛ أشياء تحتاج المحرّك لتوجيهها، وتحريكها كما يجب، والتنقل بها، واتخاذ القرارات عنها، و"حمايتها" بمنعها من السفر، وتجريدها من رغباتها، وفطرتها وأحلامها فقط لأنها خلقت "أنثى"، فإنّ الهمزة لا تنفكّ تقاوم بين المدّ والقطع، لأن الـ"مرأة" ليست أبدا "مرآة".

D 25 آذار (مارس) 2015     A مرام أمان الله     C 7 تعليقات

6 مشاركة منتدى

  • المرأة مرآة لغطرسة مجتمع مغموس في وحل الأحكام المسبقة، والتي تشكل ثوابت ترسّخت عند المرأة نفسهامن اعتقاد بالضعف وقلّة الحيلة فالتبعيّة للذكرالرّجل؛ممّاأعاق وعيها. فمازالت شعوبنا العربيّة وإن ازدانت ببهاريج التّقدّم والتّحضر في هذا الشّأن لا ترى في المرأة إلا الأنثى التابعة الوهنةوإن صدحت بشعارات تحريرها وفسح المجالات لها في كل صغيرةوكبيرة؛ومجال السياسةقد حفل بجمهور النساء،وصارت على رؤوس الدواوين،المؤسسات ،والبرلمانات..لكنّها الحق الحق أدوات زينة،لا غير بل جواري و صورة عن مجتمع الحريم.ليس ما أقوله أحكاما بل الواقع العينيّ يؤكده.
    إنّ ترسّخ هذه الحالة القائمة على النّظرة الدونيّة ترسّمها بدءًالمرأة؛فهي لا تستطيع أن تنسلخ عن وضع متجذر رهين؛لذا سيظل هذاالطّرح مستمرا لقرون وقرون،وتظل المرأة أنثى قبل أن تكون إنسانا وخصوصا في مجتمعاتنا العربيّةالإسلاميّة الجديرة بتعليق الأحكام ووضعها بين قوسين.


  • ضعف المرأة ليس حكما مسبقا كما يدعي الكثير بل هو حال الواقع المعاش. فضعف المرأة جسديا بين للعيان. حتى المرأة نفسها تشكي ضعفها إذا ما وقع عليها اعتداء من أحد الذكور. و المثال الذي ضرب هنا عن قوة المرأة لا يشفع كون المرأة قوية على الرجل. فلو كان هذا صحيح لصارعت المرأة الرجال أيضا و لما فرقوا في المسابقات الرياضية بين الرجل و المرأة. حتما العالم مدرك تمام الإدراك أن النتائج ستكون لصالح الرجل. لن تكون المرأة العربية أحسن حال من مماثلتها الغربية. فالأخيرة لم تنجح في إثبات قوتها الجسمانية على الرجل رغم ما عرفته بلادها من تقدم و ازدهار و مكتسبات جمة لصالح المرأة كما يزعمون.


  • الأستاذة مرام
    أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ [الزخرف : 18]

    المرأة أضعف من الرجل هذه هي الحقيقة جسديا ونفسيا
    لذا فهي أقل منه في التكليف الديني والدنيوي
    هذه شريعة الخالق العادل العالم بقدرة خلقه سبحانه

    أما من ناحية حماية نفسها فيحضرني كتاب قرأته منذ زمن بعيد في علم النفس يحوي صورة قديمة جدا بالأبيض والأسود إلتقطها مصور إنجليزي في أستراليا لأفراد من قبيلة بدائية كانت تسكن تلك الأرض.
    الصورة تظهر رجال ونساء وهن أشباه عراه ينظرون في وجل وقد تملكهم الخوف من القادمين الجدد
    في وسط الصورة رجل يقف وامرأة قد اقتربت منه وتمسكت به
    وهنا يقول المؤلف أن هذه الحركة الفطرية الغريزية تدل قطعا على حاجة المرأة لحماية الرجل وطلبها للأمان بقربه.

    تحيتي


  • فهي لا تقوى على مواجهة صرصور المطبخ او جرد الحديقة. المرأة تبقى امرأة ولو اختلفت وثيقة البطاقة الوطنية، فهي دائما تحتمي وراء الرجل إن سمعت صوتا غريبا في منزلها في غسق الليل مثلا فالأكيد أنها ستوقظ الرجل لكي يواجه المجهول.
    إن قوة المرأة لا تكمن في عضلات ساعديها بقدر ما تكمن في القدرة على ما هو أنبل و أزكى من الفتوة و الفتك كالتحمل و الصبر و التربية و التكوين. فلولا صبر المرأة لهدمت أسر كثيرة و لشرد آلاف الأطفال. إن كانت القوة الجسدية معيارا لصنفت الحيوانات الأول و لقهرت البشرية و استولت عليها و لكن العكس هو ما وقع، فالإنسان بعقله لا بقوته هو من طوع الحيوان و هزمه.


    • الاخ محمد..بالنسبة لصرصور المطبخ واي صرصور اخر فهي ليست قدرة على المواجهة وانما المراة بطبيعتها وسواسة نظافة و لديها خيال واسع وهي تتخيل في اي بالوعة كان الصرصور قبل ان يمشي على قدميها فهي تعرف سلفا انه لن يقتلها .ومرة كنت محبطة وضجرة ومتوترة ووجدت سحلية كبيرة على حائط غرفتي فاشبعتها ملاحقة وضربتها حتى الموت.خرجت من ذاتي لان كانت لي مشكلة كبيرة في وقتها وربما في غير هذا الوقت لما جرؤت ان افعل هذا ولنمت في غرفة اخرى .المرأة ليست دوما امرأة ترعبها الصراصير.

  • عزيزتي مرام احيانا افكر وانا ارى امراة افلام الابيض والاسود واقول ياليتها بقيت في البيت تقلم اظافرها و تصبغ شعرها و تترع بالتفاهة بدل ان يغريها الرجل بالنزول للعمل معه ليجد له سريرا اخر غير الذي في البيت او يكون رب عمل يجد من يذله غير التي في البيت .وبدل ان يتحكم بها رجل واحد في البيت ماديا ومعنويا يتحكم بها خمسة في العمل و متحرش في الشارع و مفتي في التلفاز .اتركيها في البيت تقابل مراتها التي تخبرها دوما انها احلى .


  • من قال إن مكوث المرأة في البيت هو إهانة لها أو انتقاص من كرامتها؟ فهي بقيت للأمر الجلل وترفعت عن الاختلاط المفضي إلى الزلل.

    إن للمرأة من الذكاء ما يمكن أن يساير القوة الجسمانية للرجل. فهي من تحمل هذا المخلوق في أحشاءها لشهور، وهي من ربته وعلمته، بل هي صانعة الرجال. فالطفل يكون في حضن أمه صغيرا فإذا ما استوى واشتد عوده ارتمى في حضن زوجه. فكثير من الحكام من الذين سبقوا استشاروا زوجاتهم في أمور الرعية. فإن نجحوا نجحت هي وإن استأسدوا وتمردوا فاللوم يقع عليها هي.

    من العيب أن نقرن المرأة دائما بالضعف، فمعنى القوة أكثر مما يتصوره العامة؛ فالقوة قوتان: قوة الجسد وقوة العقل والصبر. فالمرأة على العموم ضعيفة من حيث القوة الجسدية ولكنها قوية من حيث الصبر والعقل واتخاذ القرار. فالاعتداء الجسدي لا يقع على المرأة وحدها، فقد يقع على الرجل أيضا. غير أن المرأة تكون أكثر عرضة له لأنوثتها وسهولة الوصول لها كونها ضعيفة البنية الجسدية مقارنة بالمعتدي. وقد تلام إن هي بلدت عقلها وتجاهلت ولم تع هذا الخطر المحدق بها؛ لهذا يلومها أسرتها لأن الوقاية خير من العلاج.

    فبثقتها العمياء بالغريب تكون قد نزلت إلى مستوى الضعف (ضعف الجسد) بعد أن كانت في مستوى القوة (قوة العقل).


في العدد نفسه

كلمة العدد 106: المكتبة الجامعية المفتوحة دائما

أسماء الأفعال: دلالتها في شعر البحتري

قراءة في مسارات الإبداع الصوفي

قراءة في سيرة شكري عياد

أوجه الكتابة والكثافة المتفاوتة

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  زمن المحنة في سرد الكاتبة الجزائرية

2.  تذكير بتكريم زهرة زيراوي في المغرب

3.  أحوال العمل وفرصه في عصر التكنولوجيا

4.  قراءة في "الحياة أغنية"

5.  قطار الأنفاق


القائمة البريدية