مرام أمان الله - فلسطين

الجسد والقلب والعقل

مرام أمان اللههل الجسد يؤدي إلى القلب؟ أم القلب يؤدي إلى الجسد؟ قد تكون إثارة هذا السؤال بحد ذاتها فكرة "محرّمة" أو تحاكم على أنها تلميح بالخروج عن المألوف، ولكنّ هذا السؤال يأتي نتيجة يومية لكثير من الإشكالات التي تودي بالعلاقات بين كلا الجنسين في كثير من الحالات.

في ظل الرسوخ المتجذر للبنى الثقافية التي نحتت قوالب علاقات الجنسين في الأذهان، تفوح رائحة حرب العواطف التي تناهض تلك البنى وتقاومها في خفاء. لكن الأمر مرتبطّ أشد ارتباط بملامح النحت المجتمعي، إذ أن ملامح الحرب الصامتة تلك تتحدد أيضا تبعا لقوالب "الطبيعيات" المجتمعية، وبالتالي فإنّ ما "يجوز" أن تشعر به الأنثى هو بالضرورة يختلف، وكثيراّ، عما يمكن أن يتشكل لدى الذكر من ردود فعل انفعالية.

ومن هنا يتخلّق الجدل، إذ أن كليهما ضمن منظومة "الأخلاق المُرادة" مجتمعيا يتحركان ضمن مساحة المسموح به أو المرضي عنه، مع تفاوت الرخص على أساس اختلاف البيولوجيا. وذاك المسموح به يقضي، في أسوأ الأحوال، بأن تتولد العاطفة بين الذكر والأنثى أولا دون النزول إلى مستوى الجسد، ثم تتدخل تلك النحوت بعد ذلك لترسم قصة الجسد ضمن منظومة الزواج وبالتالي الأسرة، ما يعني أنها تقضي بالفصل الحاد بين الأمرين: القلب والجسد، وكأنها تخلق لكل منهما سيناريو ومدة صلاحية، فالقلب هو فقط البداية والطريق المؤدي إلى الهدف.

ولكن ماذا يكون المشهد العكسي إذا؟ هذا هو "التابو" الذي يخلخل البنى وربما العقول أيضا، فمجرد التفكير به قد يعتبر خروجا عن منظومة الأخلاق باتجاه انعدامها. ولكني هنا أنوي بقصد استفزاز الفكرة طمعا في الوقوف على بعض صور امتداداتها الضمنية المستشرية في العلاقات بين الجنسين وتحديدا ضمن السياقات الثقافية "المحافظة".

قد يكون حريا المرور على قراءة أبعاد الجسد "مجتمعيا" لدى الجنسين في الطريق إلى الإجابة عن السؤال أو بالأحرى محاولة الإجابة.

تختلف قراءة الجسد بناء على الفرق البيولوجي-التناسلي، وباختلاف القراءة تختلف بالضرورة "المحاكمة" الذهنية النحتية لمساحات السلوك والإحساس، حيث أن الأنثى غالبا تحاكم مجتمعيا كجسد، في حين يناط المحتوى الذهني بالذكر، بمعنى أن جسد الأنثى هو الوعاء الذي يمثل ذاتها ضمن الصوت الثقافي المسيطر على الأذهان، في حين يعفى الذكر من هذا الوعاء فيجده محررا بعيدا عن تلك الرقابة المربكة.

يرتبط حضور الذكر في الأذهان بالعقل أو بالفكر إن صح التعبير، فتكون قراءة الذكر معنوية الاستناد بعكس قراءة الأنثى "المادية". بالتالي فإن أبرز الاعتبارات التي تحكم العلاقة ما بينهما ضمن سياق ثقافي كهذا تكون مختلة التوازن، لأن الذكر ضمن ما مُنح من مساحة حرة للتعبير أو التفكير أو حتى السلوك يرى في الأنثى مساحة خصبة لخيال وتلبية شهواته، وبالتالي فإنّ "قصة الجسد" تكون سيدة الموقف لديه، في حين تستسلم الأنثى لسلسلة الضوابط التي تقضي بأن تحافظ على المنحوت "وقاية لشرفها"، فتكون بالضرورة قد لجأت إلى معترك "القلب" الذي يعتبر "أبغض الحلال".

هذا الاختلال الذي تفرضه الثقافة يجعل النوايا المبيتة بين الطرفين دائمة الحضور، فهو لا ينثني عن الإيقاع بها في عرين الجسد، وهي لا تيأس من محاولات استدراجه لخدر القلب. وما يعين على الإيضاح أكثر هو السؤال التالي: ماذا لو نجح هو في استدراجها إلى عرينه أولا؟

ربما هذا السؤال ينجح في استنهاض الكثير من الإجابات السريعة، والهابطة مرة أخرى من سقف تلك القوالب، والقائلة بأنّ ذلك لن يؤدي بحال إلى طريق العاطفة. ولكن ما يجول ببالي الآن هو أنه قد يكون ذلك صحيحا في أغلب الحالات ضمن الثقافة السائدة بفعل تبعات القراءة المتناقضة لكل منهما على أساس الانحياز المجتمعي المنبثق عن الفرق البيولوجي، ولكن هل يمكن أن يعمّم ذلك على ما يجري ضمن الثقافات الأخرى؟

ليس الهدف من إثارة السؤال هنا هو الخلاص بإجابة مفادها "نعم" أو "لا"، لأن كل ما يتعلق بالعلاقات الإنسانية هو أكثر تعقيدا من مجرد وضعه ضمن معادلة رياضية تنتهي ضمن قانون محدد بإجابة واحدة على اختلاف المتغيرات، ولا يمكن بحال تشكيل "قالب" ثابت لكل ما هو إنساني.

بالتالي فإن خلق وتعميم تلك القوالب المنحوتة والتي لا تستند إلا إلى الانحياز المقرون بتوزيع القوى على أساس جنسي فقط ليس إلا هيمنة فكرية سافرة التعدي على إنسانية الأفراد من خلال منح المساحة والحرية لفئة مقابل تجريد الفئة الأخرى منها، متناسية أن الفئتين تربطهما علاقات وأدوار وتفاصيل تفاعل لا يمكن سلخها عن المشهد بحال.

هذا الاختلال في العلاقة التفاعلية بين الجنسين يجعل كلا منها مستسلما لمنظور مركبات القوى من ضمن إحداثياته منها، التي تقضي بانصهار كل منهما في خطاب جارف يغرد فيه وحيدا خارج السرب، فالذكر مثلا يسعى بطبيعة الحال لاستغلال مساحته الفكرية، السلوكية والعاطفية على نحوٍ "احتيالي" بعض الشيء، ما يدفعه إلى اختصار المسافات في رحلة علاقاته مع الجنس الآخر؛ فطالما غاب الرقيب فإنه غير مضطر لإنفاق الوقت للوصول إلى مبتغاه، فيكون محمّلا بأفكار "تقدمية" تقول بأن الجسد بوابة القلب.

وأود هنا التنويه إلى أني لا أتحامل على الذكر بناء على جنسه، ولكني أستحضره في النص كبنية مجتمعية تقول بتسلط المستوى الأعلى لهرم القوة المهيمنة، فأنا أؤمن بأنه من الصعب التنازل عن الامتيازات التي تمنح تلقائيا، فلو كانت البنى الاجتماعية قد نتجت عن خطاب يمنح الأنثى امتيازات القوة فلا أعتقد أنها ستتنازل عنها طوعا.

بالتالي فإن الذكر ينادي بما لديه من امتيازات، في حين تصاب الأنثى بالتناقض الفكري والعاطفي على حد سواء، فمن جهة، لا يمكن لها اتخاذ قرار بمقاطعة المشهد الحياتي المحيط، ومن جهة أخرى فهي لا تملك أن تتناسى الرقابة الدائمة التي تحاكمها باستمرار، فهي محاصرة بالرقابة التقييمية على شتى المستويات، فإن قررت المقاطعة، فإنها في غالب الأحيان قد حكمت على نفسها بالعزلة على المستوى الإنساني، وإن خاضت غمار التجربة أملا بالارتقاء إلى المستوى الإنساني بينهما وجدت نفسها في قفص اتهام ذلك الشريك كونها تجاوزت "قالب" الأنثى المنحوت في ذهنه.

ذلك كلّه يسحب على فكرة تراكمية إحساس الفرد، الذكر والأنثى، تجاه جسده، فهو يستمر في البحث عن كل ما يحقق له الشعور "برجولته"، وهذا ليس ذما، لأنّ القوة المسيطرة تدفعه قسرا إلى تلك المنطقة من إثبات الذات، في حين تستمر هي في نبذ جسدها، جالب العار والعقاب.

قد يكون الاثنان ضحية سحر إعادة الصياغة المستمر للذهن والجسد. بالتالي فإن الاختلال والتناقض يتم تبادله ضمن تجاذبات القوى في العلاقة بينهما.

لكن قد يقول آخرون ممن يحاولون النحت خارج الرسم: ما المانع في أن يكون الجسد طريقا حقيقية إلى القلب؟ لكن السؤال هنا، هل نجح هؤلاء فعلا في انتشال كل النحوت من أذهانهم؟ وهل خرجوا من المعبد فعلا؟


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3203641

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC