زكي شيرخان - السويد

اصبر

زكي شيرخانها أنت قابع هنا، متلفع بخوفك. مسيّر إلى مجهول ليس في ذهنك منه إلاّ صورة باهتة الألوان، متشابكة المعالم. ما زلت رغم طول الساعات التي قضيتها في هذا المسار غير مستوعب تماما لما أنت فيه. كيف دُفعت إلى ما أنت به؟

أنت لم تهضم بعد ما جرى. لم تستطع أن تصدق كل ما جرى، بكل هذه السرعة. ما هذه الصور التي تستحضرها ذاكرتك؟ كيف يتسنى لك وأنت تحت هذا الكم الهائل من القلق أن تتذكر كل هذه الأحداث؟

ما الذي ذكّرك بهذه المرأة المتدلي ثديها لاتجاه فم رضيعها الذي مالت رقبته في حجرها وقد رسمت قطرات حليب مخلوطة بلعابه خطا بدايته حافة فمه، ونهايته عند الرقبة؟ جَمدَتْ في كليهما الحياة.

ترى أيهما لفظ أنفاسه قبل الآخر، الرضيع أم الأم، عندما اجتاح الموت القصبة بأكملها؟ وصورة تلك الحيوانات النافقة على سطح مياه قُتلتْ فيها الحياة.

خوفك الذي تلفعت به بدأ يتسرب إلى داخلك. لا تعرف أي الأيام هو يومك؟ ولا أي الساعات هي التي أنت فيها الآن؟ كل ما تعرفه أن الوقت ليل. الظلام الدامس والنور الخافت هما فقط ما يجعلك تميز ليلك من نهارك.

اخرجْ علبة سجائرك ودخن واحدة. لقد سمحوا لك بالتدخين عند السير ومنعوك عنه عند التوقف. ومنعوك عند التوقف، أيضا، من الحركة والكلام.

قلت في سرك وأنت تتلقى التعليمات "حسنا، أنهم لم يمنعوني من التنفس عند التوقف". أمجهد أنتَ؟ لا أظنك في وضع يؤهلك أن تفكر بالتعب أو الجوع أو حتى بالنوم.

لقد غفوتَ عدة مرات خلال ساعاتك الماضيات. ولكن لِكمْ من الوقت؟ لا تدري إن كنت غفوت لثوان أو لدقائق. كنت كلما صحوت تسائل نفسك "كمْ الساعة الآن يا ترى؟ كم مر علينا في هذا المسير وكم بقي حتى النهاية؟" لا تعرف من الأمر كله إلا من أين ابتدأت، وأين هي الوجهة. ما عداهما، لا شيء.

أنت لا ترى شيئا سوى صناديق مرصوصة حولك. لا شيء غير ذلك. حتى أنك لا تعرف محتوياتها. لا تشم سوى رائحة خشب معطرة برائحة ورق. خلال الأيام الماضيات، لم تأكل إلا النزر اليسير، أو بالأحرى أنت بالكاد أكلت. خططت لذلك حتى لا تحتاج إلى مرافق صحية.

صورة جديدة تستحضرها الذاكرة لتطغى بعض الأحيان على كل الصور الأخرى. صورة الدم الذي هالك منظره عندما رأيته وهو يلطخ بدلة محمود. كل هذا الدم الذي نزفته شرايينه. تخيلته، ساعتئذ، وهو يتشبث بالحياة المفارقة له على مدى الوقت الفاصل بين إصابته وموته. أيعقل أن تفكر بهذا، وفي هذا الوقت بالذات؟ عندك ما هو أهم من هذا لتفكر به، وما هو أهم لتقلق.

تباطأ السير. تحفزت كل الحواس. العينان مهما أوسعتَ من فتحهما لن تريا سوى الظلام. الأنف لا يشم سوى رائحة الخشب والورق. لن تستطيع أن تشم رائحة إنسان يقترب منك. تسكن حركتك إلى درجة التجمد. هذا حسن فأنت تطبق التعليمات جيدا.

التزامك بالتعليمات ليس جديدا عليك. فأنت عودتَ نفسك على أن لا تخالف القواعد. الأذن هي الوحيدة في هذه الظروف التي بإمكانها أن تساعدك على التحسس. استرق السمع جيدا. الخوف يخترقك إلى حد أنه يستهلكك. يجعل منك بقايا من كل ما يحتويه كيانك.

لو أزيح هذا الستار الذي يفصلك عما يحيط بهذه الكوة، لبدوت لأعينهم، قابعا في هذا الفراغ المتبقي والذي حُشرت فيه حشرا. بالكاد استوعب حجمك. لم تكن حتى لتتخيل مثل هذا الأمر. لو كان أحد قد حدثك عن كل هذه التفاصيل، هل كنت ستركب هذه المغامرة؟ سؤال سخيف ينم عن جهل. وهل كان بإمكانك الرفض؟ الرفض والقبول يعنيان خيارا، فهل كان لك من خيار؟

كنت مطلوبا من عدالتهم العرجاء. كلك، كان مطلوبا، من أفكارك حتى نخاع العظم. أو لست ضدهم، وبالأدلة الثبوتية؟ مذكراتك؟

"يوم الاثنين الماضي الذي تمنيت لو لم يأت. فبينما أتناول فطوري، اتصل قريبي عبد الله، وطلب مني الحضور على وجه السرعة إلى بيت عمتي رفيدة لأمر لم يوضح أهميته. لم يمهلني فرصة استيضاحه. طلبت من زوجتي الاتصال ببيت عمتي ريثما أغير ملابسي. عدم فلاحها في الاتصال زاد من توجسي.

ما أن وصلت حتى وجدت جمعا من الأقارب والأصدقاء أمام دارها. قبل أن أنزل من سيارتي كان اليقين بانتقال عمتي إلى جوار ربها قد أزاح التوجس وحل محله. امرأة تحمل منذ عقدين من الزمن أكثر من مرض مزمن.

لم أدرك لماذا خفض الكل عيونهم. لم يرد أحد منهم أن تلتقي نظراته بنظراتي، كأنما أرادوا للمفاجئة أن تأخذ مداها. دخلتُ أحث الخطى.
نواح النسوة وصراخهن أفقدني التركيز وأنا أتطلع إلى التابوت الموضوع وسط الصالة.

وجدت نفسي بلا مقدمات محاطا بذراعين واهيتين وآهات تخرج من رأس دُفن في صدري. امتلأ أنفي برائحة عمتي، أبعدت رأسها عن صدري ناقلا البصر بين وجهها وبين التابوت. كنت قد فقدت التركيز تماما. صرختْ بوجهي "محمود...". لم أسمع ما تبقى، لا منها، ولا من غيرها.

أدركت هول الفاجعة عندما انتبهت إلى العلم المُغلفَ للتابوت. محمود، ابن عمتي، رفيق صباي. الأقرب من بين كل من أعرفهم إلى قلبي.

موت محمود جرح غائر في النفس سأظل العمر كله أحمل أثره، وما زاد الجرح غورا ما لا يمكن نسيانه من منظر خطيبته عندما دخلت الصالة لاطمة خدها وممزقة ثيابها، وصراخ عمتي وقد نست ثكلها: "استروا جسد البنت. استروه".

هكذا، وبكل بساطة، رحل الملازم الأول الطبيب المجند محمود مهدي في قاطع كرده مند، تماما كما رحل وبنفس البساطة مئات الألوف مثله في عبثية العار".

ألم تدرك ساعة كتبت عبارة (عبثية العار) معناها؟ ألم تكن عارا؟ ألم تكن عبثا؟

ألَمْ يقرؤوا؟

"تعودت عيناي النظر إلى الجدران تتصيد اللافتات السوداء باحثة عن أسماء الراحلين إلى الأبد أن أجد من بينها أسما واحدا ينتمي إلى من تعج بهم شاشات التلفاز وهم مجتمعون، أو على الأقل أحد أبنائهم، لم أجد. ما زلت أمني النفس".

ومن البديهي أن يكونوا قد قرؤوا في دفتر مذكراتك الذي صادروه في جملة ما صادروا من كتب ومجلات وصحف كلها ضدهم حين داهموا دارك.

"لعب القدر معي لعبته يوم أمس الأول، قبل أسبوع من الذكرى الأولى لرحيل محمود. فقد رزقت بولد في تمام الساعة التاسعة صباحا.

خرجت الممرضة من صالة الولادة تبشرني بولد. بعد أن اطمئنوا عليه وعلى أمه طلبوا مني تسميته. ساعة مولده ولدتْ فكرة لم تخطر لي ببال من قبل. طلبت منهم تأجيل التسمية لساعتين أو أقل.

تركت ناهد، أختي، عند زوجتي واستأذنت لإنهاء مهمة عاجلة. بعد أقل من عشرين دقيقة كنت عند عمتي. أخبرتها بالولد. باركت لي ودعت له بأن يكون من أبناء السلامة.

استأذنتها بأن أسميه محمودا. جاءت موافقتها بأسرع مما توقعت، وزادت بأن أمنيتها كانت أن أرزق بولد، ولكنها لم تكن تدري كيف كانت ستطلب مني أن أطلق عليه اسم محمود. ودعتها. طلبتْ مني ألا أتأخر عنها.

وعدتها بأنها سترى محمودا حالما يخرج مع أمه من المستشفى وحتى قبل أن آخذه إلى البيت. يا محمود، لست واثقا من أن مصيرك سيكون أحسن من مصير محمود، فدوام هذه الثلة يعتمد على ما تسيل من دماء، وخَلَفهم لن يكون خيرا منهم".

عداؤك لهم سافر. هم يأخذون الناس بالشبهة، وأنت قدمت لهم الأدلة. دفاتر ملأى بمئات الصفحات مما كتبت عنهم، منتقدا ومحللا.

ازدادت المسافة بعدا عن وطن يقبع هناك، يأن من جراحه المتواصلة تواصل شروق الشمس وغروبها. وطن لم يمنحوك حتى فرصة تحمل في جيوبك وثيقة يتيمة تثبت انتماءك إليه.

ماذا لو لعب القدر لعبة الموت معك هنا، أو بعد بضعة كيلومترات أو بعد عدة ساعات؟ من سيعرفك؟ وماذا سيكتبون في سجلاتهم عن جثتك المحفوظة إلى أجل في إحدى الحافظات المبردة؟ الاسم، الجنسية. حتى بصمات الأصابع لن تدل عليك.

في وطنك لم تـُتح لهم فرصة إلقاء القبض عليك حتى يبصموا أصابعك. ولم ترتكب يوما جناية أو جنحة تستلزم البصمة.

هناك، في وطنك، أنت مصنّف ضمن الأعداء. لم تكن عدوا للوطن بل عدوا لهم. هنا لم يلق القبض عليك بَعدُ بتهمة دخول أي بلد مررت به بشكل غير مشروع كي تلتقط لك صورة وتُبصمَ أصابعك.

في نهاية مطافك ستتقدم طوعا لكل ذلك، وستفصح عن هويتك كاملة. ستطلب مقابل ذلك شيئا سيمزقك. ستنتظر طويلا، وستقلق كثيرا، وتتحمل أكثر. ستعد الأيام والليالي، بل وستعد الأشهر في انتظار محمود وأمه. فاصبر مع الصابرين من قبلك ومن بعدك.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3257402

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC