خيرة جليل - المغرب

الزمن الملغوم

خيرة جليلهذا بستان الحياة اليانعة، أحاطوه بأسلاك الخذلان والتواطؤ الشائكة. من يجرأ على سرقة تفاحة الأحلام في مقتبل العمر. جميع الجرائم في حق الإنسانية مباحة إلا الحلم بغد جميل وسرير مريح.

هي تعلم أنه يشحن بطارية إبداعه من لعب مسرحية العشق الممنوع، وهو يعلم أنها من فصيلة الحرباء الانتهازية، تقتنص كل فرصة للارتقاء الاجتماعي المسعور.

كل واحد منهما يراهن على فرس جامحة تزيد انتشاء كلما ركضت بالممرات الضيقة ومنعرجات الحياة لتسابق النذالة.

هو يقول:

كم هي لئيمة هذه المرأة حين راهنت على أحمر شفاه فاقع اللون وحاجب منمص وكعب عال ليهتز صدرها لتصل إلى عشاقها. لكنها لم تستوعب بعد أن لغة الإغراء انتهت صلاحيتها مع عصر النخاسة البيضاء في طلب الارتقاء غير المشروع. أه، لآن فقط أدركت لماذا قرر إبليس أن يتخلى على جل مهامه لبعض النساء حفاظا على كرامته وماء وجهه.

يمد يده محاولا مداعبة وجهها في أحلام يقظته ويتمتم بخبث:

"الأشياء التي تجلب السعادة ليس من الضروري أن تكون غالية الثمن. يكفي أن أستدعيك في خيالي لتحضري بين يدي في عتمة الليل وشهوة الاشتياق. تعالي إلي كالنورس الجائع لاختلاس لذة المحرمات المعتقة من شفاه تائه بئيس، ولترتشفي كأس الخلود من الينبوع المقدس عند أبالسة الكون، فكل الأشياء تغري بالمعصية الكبرى في وقت اختلطت فيه جميع الأوراق بين المقدس والمدنس؛ بين الإرهاب والجهاد؛ بين الاغتصاب والقهر، في مسيرة مشى فيها الذئاب إلى جانب النعاج احتجاجا على افتراس الضباع للخروف الضعيف.

ما كان حريا بها أن تتجرأ على افتراس الحمل الوديع في عز النهار حين شرد عن القطيع. الأحرى بها أن تتركه للثعالب منتصف الليل حين ينام الكل حتى لا يكون هناك شهود عيان ولا أدلة إثبات واضحة.

الجرأة في ارتكاب المعصية مجزى عنها، ويكفيك أن تكون السباق إلى النواح لتزفك صحافة الزور إلى منصة التتويج بطلا من العيار الثقيل كلما هزلت ميزانية الدولة أو أصيبت بارتجاج في مخ العقل المدبر.

بليد من قال لنا: حين تحاول أن تصبح أحدا آخر غير أنت ستفقد مصداقية ما أنت عليه.

انظري حبيبتي: العالم كله أصبح أحدا آخر لا علاقة له بالواقع الذي نحن فيه. الكل ذبح وسلخ وحرق ومشى فوق جثث أبرياء ليصل إلى منصة التتويج ليسيل دموع الأسف على إنسانية تنتحب.

يبكون على شارلي؛ صحافة تنفث السم ولم يبكوا على رياحين جمد البرد الدم في عروقهم ليرحلوا عن هذا العالم مبتسمين وهم يحلمون بقطعة خبز وكأس حليب دافئ بين أربعة جدران اسمها البيت كبقية أطفال العالم.

لنحتسي نخب النذالة فلا شيء يشبع عطش النزوة المحمومة بشغف الممنوع المرغوب.

هي تقول:

"لن أقول له إنه في قمة يأسي، داعبت الكلمات على سجيتي. لكن أدركت أن هناك من يحسدني على أبسط الأشياء، وهي عفويتي، فشكرت الله أنه جعل في عز أزمتي مصدر انبعاثي وقوتي، فزمن الشعارات قد انتهى.

كثيرة هي القذائف التي تصيبك بأذى في حياتك، لكن أخطرها قذائف ألسنة أحبتك، فهي عيارات نارية لم تكن على استعداد لها، فتصيبك في الصميم و نزيفها يكون قاتلا، ولكن لا أحد يرى كل الجراح التي أثخنت جسدك بدون رحمة.

يطلقون أسماء جميلة على شوارعهم، ويبدلون ترتيب الكلمات القاتلة في المعاجم اللغوية حتى تتقبلها آذاننا، ولكن لا يعلمون أن هناك قلوبا ماتت منذ زمن بعيد بسبب الحرمان والقهر والذل ولا زالت أجسادها تتجول بشوارعهم بدون روح فقط لأن من سنة الحياة ألّا تسبح ضد التيار.

إن كل شيء تساوى فيه الرجل بالمرأة، بما في ذلك النذالة، فلماذا نعيب على قوم رضعوا الخيانة وشبُّوا على الخديعة أن يمشوا في مسيرة الذل مرفوعي الهامة؟

العيب أصبح موضة العصر، والتلون من شيم رواد هذا الماخور النتن، فتعالي نشرب نخب العهر ما دام اليقين هو حبل الغرق، والحق هو الحلقة المفقودة في الحقيقة الضائعة كدم المغدور به بعد أن هُدر دمه بين قبائل بني الشر. فعلا إننا قوم لا يؤتمن لهم، ولا يؤمن منهم".

فعلا إنه عصر الزمن الملغوم، الكل يمشي في جنازته ويقدم التعازي في نفسه ولا يجرؤ على لفظ كلمة غير معقول لأن لا شيء أصبح معقولا، وحتى كلمة المعقول فقدت دلالتها لتضيع بين دروب الخيانة والتلاعب والاختلاس والنفاق، فكن راقص الحبل بامتياز أو غادر اللعبة بانكسار لأنك لا تلعب دورك بإتقان.

هو ينفث دخان سيجارته بعصبية، ينظر عبر نافذة غرفته المتهرئة ويتساءل بغباء: ألا يجوز لي أن احلم ببيت صغير وزوجة مقبولة الجمال وطفل أو طفلين يملآن البيت علينا شغبا ومرحا كبقية خلق الله لأؤرخ لمروري من هذا المكان؟

ألا يحق لي أن استيقظ صباحا وأركب سيارة حتى ولو كانت قديمة ومتهرئة لكن لي لوحدي وفي ملكي دون أن تتقاذفني الأيادي في حافلات النقل الحضري المتهرئة، حين يضبطني مراقب المرور بالحافلة متلبسا، و بعد أن أفتش في جيوبي عن ثمن التذكرة ولا أجده، لأتمم الطريق مشيا على الأقدام بعد أن أصبح مخفر الشرطة يرفض أن يستقبلني في كل مرة بسبب نفس الجريمة حسب ادعاء ذلك المراقب البدين: "التهرب من أداء تذكرة النقل الحضري يوميا"، وبعد أن تعب من انتزاع حذائي المتهرئ من رجلي ليحتفظ به كعقوبة لي على عدم دفع ثمن التذكرة لأنه لا يليق لأي شيء يذكر، حتى لو قذف به الكلاب الضالة سوف ترده له مصحوبا بورقة كتب عليها: "أيها الحيوان الغبي، خذ زبالتك، إننا لا نحتاج إليها".

نعم هنا في هذه الغرفة الضيقة فوق السطوح التي تفوح منها رائحة رطوبة البحر احترفت الكتابة عن فراغ لعلي أحظى يوما بفرصة ترقيني إلى درجة كاتب متمرد، لكن مسودة كتابي الوحيدة بقيت معلقة على الرف الخشبي المتآكل والمرمي في آخر الغرفة إلى جانب بعض الجرائد الصفراء إلى أن حظي ذات يوم بشرف النشر، ولكن كان نشرا من نوع آخر، لم يجد قارئا واحدا يهتم به، وضاعت الحقيقة بين أوراق كتابي المنشور وصدري المثخن بجراح الفقر والعوز.

لقد نشر كتابي الوحيد بين نجوم السماء والقمة بعيدا عن الأيادي العابثة، ففي خضم الفوضى التي تعرفها غرفتي الضيقة ارتأت والدتي أن تقوم بحملة نظافة وترمي بكل ما اعتبرته مصدر إزعاج لرؤيتها التي ترفض الأوراق والكتب غير اللائقة لأي شيء، وبما أنه لا يجوز استعمالها في المراحيض لأنها مكتوبة بلغة القران، فإنها تفضل إعطائها حمام ماء حتى يسهل ضغطها لترميها بمكب النفايات دون أن تعطي للكلاب والقطط الضالة فرصة اللعب بها بين أكوام الأزبال المتراكمة بزقاق دربنا الشعبي.

لكن في خضم هذا الحمام تهرول أختي لالتقاط جنيني الخديج لتخبرها أنه حلمي الضائع لمروري إلى خانة الكتاب المتمردين على جميع أنواع الحيف والقهر والخذلان، فتتفتق عبقرية أمي الحبيبية لتضمد جرحي الغائر لضياع مولودي المرتقب بأن تعمل له نشرا خاصا وبمواصفات الامتياز على حبل الغسيل فوق السطح، وتتأمله بحسرة طالبة من الله أن يرسل لها أشعة شمس شهر نهاية يوليو الحارقة في نهاية شهر يناير الكئيب والمتلبد بالغيوم السماء الداكنة وغيوم الفقر المتراكمة.

وها أنا على أبواب الخمسة والأربعين عاما وما زلت أتجرع مرارة البطالة والتسكع بين المقاهي لاعنا حظي التعيس الذي تهور بأن لا يستيقظ مبكرا حين كانت الأرزاق توزع على بني البشر، متذكرا قولة والدي الشهيرة حين تعصف به رياح الغضب اللعينة في الصباح الباكر:

"كنت ابن أمك المدلل، كنت تنام أيام العطل إلى العاشرة صباحا عوض أن تذهب إلى شغل موسمي مع تاجر أو خباز لتعرف الوجه الحقيقي للحياة، كنت تنام إلى العاشرة صباحا حين كان أقرانك يستيقظون مبكرين ليأخذوا أرزاقهم حين كانت الملائكة تقوم بتوزيعها".

سبحان الله! وهل الملائكة بدورها تواطأت ضدي حتى توزع الأرزاق على المبكرين في أيام العطل فقط؟

مات الوالدان وأصبحت من مكفول السطوح الذي تصرف عليه أخواته الإناث، اللواتي لم يتممن دراستهن، من المال القليل الذي تحصلن عليه من خدمة البيوت وبيع البضائع المهربة على الأرصفة.

كم اخجل من النظر إلى عينيك يا أختي عائشة وأنت تضفرين الشيب بعد أن أجهضت فكرة تأسيس أسرة حتى لا ترمي ما تبقى من أسرتك للتسول في الشوارع بعد وفاة الوالدين وتصوني حرمة بيتنا بدفع فواتير الماء والكهرباء بدون تبرم أو ضجر، دون أن تطمحي إلى تغير جلبابك ولو مرة واحدة في السنة.

اكتفيت بما ترميه لك ربات البيوت من ألبسة لا ترقى إلى الموضة أو فقط نزوة التبديل والتغيير أغرتهن برمي الأثواب كقشور البصل بدون مبالاة لا لهيب أثمنتها الغالية ولا لنظرات الانكسار في عينيك.

أخجل لأني لم استطع أن أكون نافعا في مهنة معينة لأني رجل الأسرة الآن بعد أن كنت طفلها المدلل الذي يتناول فطوره بفراشه لتحمليه أنت على ظهرك إلى المدرسة حتى لا يتسخ حذائي الجميل وأظهر أمام رفاقي بمنظر لا يليق بابن "الفشوش" الوحيد.

ولا النظر في عينيك أنت كذلك يا فاطمة والتي اكتفيت بطحن التوابل المهربة وإعادة بيعها بتوزيعها على البيوت لتشتري الحليب لصنع اللبن والزبد لتربحي منهما دراهم إضافية ببيعها يوم الجمعة أمام مسجد الحي بعد الصلاة، ولتبيعي الخبز المصنوع يدويا بالبيت لكل موظفة خافت أن تكسر أظافرها بالعجين يوميا.

هكذا انتزعت الدراهم من قلوب غلاظ لا تعرف الرحمة ولا الرأفة حتى تؤمني لنا مصاريف البيت وثمن أحسن أضحية عيد في الدرب.

كم من مرة كنت أراك مزهوة وسط حلبة البشر وأنت تفرغين اللبن على رأس متطفل جاء للدرب ليشتري لتر لبن، لكن نفسه الخبيثة سولت له أن يساومك على جمالك بقضاء ليلة حمراء مقابل مبالغ مالية لم تحلمي يوما بالإمساك بها بين يديك.

كنت تمسكين برقبته وتصرخين في وجهه: "أنا بألف رجل. كيف سولت لك نفسك أن تتجرأ أيها الأحمق على المساومة؟" وهو يحاول الإفلات من قبضتك ويمسك بالمبلغ المالي ويصرخ: "ستدفعين ثمن فعلتك أيتها الحمقاء".

نظر إلى الساعة المعدنية العتيقة المعلقة على الحائط، ارتدى ملابسه الأنيقة التي لا يملك غيرها للخروج للقاء أصدقائه، ثم نظر إلى المرأة وضحك مستهزئا من نفسه قائلا: من يجرؤ على القول إني لا املك ثمن فنجان قهوة بلون قلبي الموجع الآن؟

نزل أدراج البيت المتآكلة بفعل الزمان بدون أن يحدث ضجيجا ليحتضنه الشارع العام بكل تناقضاته وآلامه وأوجاعه ليعش نفس الأحداث والرتابة اليومية، ليلتقي بإحدى بنات الهوى، التي سبق له أن اقتنص معها بعض لحظات سعادة زائفة، والتي تعبت من أن تتقاذفها أيادي العابثين وتبحث لها عن زوج قد لا يملك ولو حتى اسمه. لكن يبقى أنها ستتوج مسار حياتها به ويكون لها واجهة أمام الآخرين بعد أن أنشأت لها مشروعا مدرا لأرباح ضئيلة لكنه يبيض أموالها الأخرى التي كرمتها أيام عزها بالبنك.

هي:

سألقاه ولست خجلة من ماض ما كنت أنا السبب في نسج نسيجه الحكائي المر والمرقع بآهات أوجاع العهر والفقر والعوز. ولكن من يلومني عما أنا عليه الآن، يجب أن ألومه عن اللحظة التي وقف أمامي بكل جرأة ليحاسبني عن قضية تشعبت فروعها وضاع صداها في دروب النسيان المظلمة.

كثيرة هي القصص الرومانسية لكنها لا تنتهي دوما بالنهايات السعيدة وهو يعلق على حديثي دائما: كما يشاء القدر أن يمنحنا.

إن الكل يمشي في جنازة الضمير ويشيعونه في صمت وفي تكتم شامل ولا احد يجرؤ على ذكر أهمية الفقيد أو حتى ذكر اسمه.

بعد دفنه تحت جنح الظلام، الكل يعود مهرولا لبيته دون أن يلتفت وراءه، وكأنه يخشى أن يكون ذلك الضمير الحي قد خرج منتفضا من قبره ويجري وراءه لينقض عليه ويتهمه بأنه كان متواطئا في اغتياله.


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3375782

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC