هدى التومي - تونس

منير الفاطمي: غرائبية الاستعادة وإنزياحية الرؤية

هدى التوميمنير الفاطمي فنان من أصل مغربي، وُلد بِطنجة سنة 1970، ويعيش الآن بباريس، فرنسا. تخرّج من معهد الفنون الجميلة بالدّار البيضاء بالمغرب سنة 1989، ومن معهد الفنون الجميلة بروما، إيطاليا سنة 1991، وقد تلقى تكوينا جعله يُلِمّ بشتّى أساليب الفنّ التّشكيلي خاصّة منها النّحت والرّسم.

لا تتردد أشهر دور العرض العالمية والمهتمة بالفن المعاصر من عرض منتجه التشكيلي، وهو يطرح من خلال منتجه رؤية تنزاح عن المعهود من الرؤى الدارجة ممّا يحيلنا نحو مساءلة طرق أشكال الرؤية من خلال نوعية المنتج التشكيلي لمنير الفاطمي تمهيدا لمساءلة الرؤية ذاتها وإنزياحاتها وامتداداتها الدلالية.

كيف يطرح منير الفاطمي ممارسته التشكيلية؟

ليست اللغة مجال اهتمامنا مع منير الفاطمي، رغم ضرورتها لفهم إحالات رؤيته، فالرؤية ليست تشكيلية وتعاملا مع المعطى البصري فقط، بل انفتاح ضروري على إنشائيات الأعمال وبخاصة ما يخطه الفنان بيده من أقوال، وما يتركه من محاورات، لأن لها قيمة بمكان يسمح بالإحاطة والتعمق في فكر الفنان.

مع منير الفاطمي تتداخل الأفكار وتتضارع مع معطيات ومرجعيات عدّة لتنتهي معه لفرادة رؤيته القائمة على الإنزياح عن كل ما هو معهود في الطرح والمعالجة والمرجعية والإحالات بتنوعها إستيتيقية كانت أو إبستيمولوجية أو سوسيولجية أو فينومينولوجية.

ودون الدخول في نفق الإحالات، سأحاول مساءلة الإنزياح الذي يشكل جوهر الممارسة التشكيلية وصنوّ الرؤية في رؤية الفاطمي، وكيف يطرح تلازمية الفعل التشكيلي؟

منير الفاطمييعمد منير الفاطمي إلى التعامل مع أشياء عديدة في أعماله التشكيلية، وهي أشياء يستعيدها ليؤثث بها رؤيته. أشياء تقوم على قاعدة غريبة، مبدأها الأساسي: "منتهي الصلاحية".

يستعيد منير الفاطمي في منجزاته أشياء من الحياة اليومية، أشياء تجاوزها الواقع وتجاوزتها الحداثة من خلال التطور التكنولوجي، أشياء فقدت صلاحيتها الاستعمالية قبالة التطور التكنولوجي وما أفرز من معوضات لها، فمع الإنترنيت تفقد الكتب والجرائد والمجلات صلاحيتها كمصدر للمعلومة، ومع التطور التكنولوجي تفقد الناسخات التقليدية وأشرطة الفيديو والكاسيت صلاحيتها أمام التقنيات الحديثة، وتلك نماذج أشياء يؤثث بها الفاطمي أعماله وتنصيباته وفيديوهاته.

مع منير الفاطمي، الإنزياح سفر مع الشيء وبالشيء نحو استفزاز المتلقي، إنه كشف لحجب المرئي ولقدرة الرؤية على تحويل تمظهر الشيء من وضع لآخر. الفاطمي يستكشف من خلال إنزياحاته قدرة الرؤية على تحويل مدارات انشغال الشيء في رمزيته الإيقونية. فكل شيء له موقع في ذاكرتنا، وتسميته فقط تثير منحى أيقونيا وإستحضارا لتاريخه. الفاطمي يزحزح ثوابت الذاكرة الأيقونية لدينا بفعله في الأشياء المتعارف عليها.

تكرار الشيء بشكل مستفيض في أعمال الفاطمي يحيل نحو السيمولاكر، نحو مسائلة تشابه الشيء المقدم مع الشيء في ذاكرتنا. وهو شكل إنزياح بالشيء يزعزع ثوابت الشيء في ذاكرتنا، ورفض لرؤية الشيء في شكله الأيقوني المتعارف عليه، إنزياح الشيء عن شيئيته المعهودة، وتشكيل غرائبي لذاكرة الأشياء لدينا.

منير الفاطمي يحيل على نحو محدد من الاستعادة للأشياء والتي تعمد لإيصال أفكار محددة في كل عمل. فما هي صنوف الأشياء التي يستعيدها؟ وماهي مواقع الغرابة فيها؟ وكيف يعمد إلى توظيفها في تنصيباته؟

منير الفاطمي عمل فني
منير الفاطمي عمل فني

طقوس استعادة الأشياء مع منير الفاطمي تخضع لرؤيته الإنزياحية، أشياء من صنوّ العولمة، أشياء ساهمت في العولمة، في نسج التواصل بين البشر، خيوط كابل التدفق للإنترنيت، خيوط اللاقط التلفزي، هي أشياء ساهمت في التواصل وفي جعل العالم قرية منفتحة على بعضها، ساهمت كما الناسخة في نشر الفكر وتصدير الرؤى العولمية، ساهمت كما الكاسيت في هاش آس (VHS) بإعتبارها أداة نسخ في تصدير الثقافة الأنقلوسكسونية.

الفاطمي يستعمل غالبا أشياء ومواد مصنعة بالجملة، مكانس، خوذات سلامة، خيوط كابل، وأشياء كما عقبات القفز... نسخ من القرآن، كاسيت فيديو[1]. هذه الأشياء في اختيارها تخضع لرؤية منير الفاطمي من العولمة وطرق نقدها والتهكم على منتجاتها.

وفي اختياره للأشياء ليس هنالك من تحسّر على فقدان الشيء بقدر النقد اللاذع للشيء ذاته. منير الفاطمي يجانب الشيء في انتهاء صلاحيته، ويجانبه في ما يثيره لديه أولا من سيمولاكر وما قد يثيره لدى المتقبل في مرحلة ثانية. أشياء تنتج بالجملة: "produit en série"، وهي رؤية تجد جذورها حتى مع شارلي شابلن في نقده للإنتاج بالجملة في فلمه "الأزمنة الحديثة".

اختيار الأشياء مع الفاطمي تأتي من موقف ما وراء العولمة، ليس لها مقاييس مضبوطة، ولكن وفاء لجملة من الأشياء تتكرر في عديد الأعمال وبصيغ مختلفة ومواقف مختلفة. تكرار للشيء، وتكرار في عددها.

إلى ذلك يشكل الشيء مع الفاطمي مرجعية "سيمولاكر"، وهما في تمظهره، لفظته العولمة، فتستعيده ما وراء العولمة بالنقد، تستعيده لتطرح إشكالات على مستويات عدة تتراوح بين التشكيلي التنصيبي البصري، وبين نقد لاذع وعميق للعولمة ولكل أسس الهوية والانتماء لذات الفنان.

منير الفاطمي عمل فني
منير الفاطمي عمل فني

= = = = =

[1] Davies Lilian. Traduit de l’anglais par Alexia Tirelli. Juin 2010/ site officielle de Mounir Fatimi : "En harmonie avec le ton et le sujet de son travail, fatmi utilise souvent des matériaux « lo-fi » et des objets produits en série : balais, casques, câbles électriques et autres structures de saut d’obstacles".

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3251505

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC