طه بونيني - الجزائر

العرق دسّاس

طه بونينيكنتُ في مزاج لا يشجعّني على لعب دور البطل، كما أحببتُ دائما أن أكون، فقد تخيّلت نفسي رجلا خارقا، منذ سنّي المبكّرة وحتّى ودّعتُ سنوات المراهقة. ثمّ أدركتُ أنّها أوهام شاركني إيّاها الملايين من البشر، الذين تخيّلوا أنفسهم مركز العالم، والشخصية التي تدور حولها أحداث الكون. وتكسّرت بقايا أوهامي الأخيرة عند عتبات الجامعة، عندما عانقتني البطالة بملء حضنها، وقابلتُ الخيبة وجها لوجه وبدون وساطة.

في مساء يوم كغيره من الأيّام المتشابهة، ركبتُ سيّارة أجرة، ميمّما وجهي صوب الملعب، لطرد ما أمكن من الذبذبات السلبية.

كان يجلس أمامي طفل بالكاد يُرى. ومن خلال مئزره الأزرق فهمتُ أنّه قد نجا لتوّه من قبضة المدرسة. بدا عائما بجسده المتضائل في سروال جينز صغير فضفاض، يلبس قميصا صوفيّا يغطّي الرقبة وجزءا من وجهه الصغير المطأطئ من الخوف والترقّب لعاصفةِ العتاب.

كنتُ أجلس وراءهما في سيّارة الأجرة. وكان الأب متشنّجا مضطربا يحاول استجماع كلّ خبراته، وتجاربه المستقاة من هذه الحياة، ليعصرها ويعطيها لابنه جاهزة طازجة. أشياء كثيرة أراد أن يبلّغها إيّاه، لكن زخم الأفكار وازدحام الكلمات حال دون تمرير المشعل في سلام.

ردّد نظره بين ابنه والطريق، بعينين غائرتين في تجويفهما، حائرتين من فرط التساؤل، خائرتين استنزفت السياقة بريقهما. وانفرط عقد الرُّشد، وزلّ اللسان فانجرفت كلمتان مع سيلِ الغضب:

"أين طاقيتك؟"

قال الابن الذي ترتعد فرائصه: "سرقوها منّي".

وردّ الأب مضطرم الوجه صارخا، ناسيا أمر الطريق التي كان يختزلها دون أن يراعي لها انتباها. أتذكّر أنّي كنتُ أراقبها بدله، عاضّا على شفتيّ متمنّيا لو ينظر أمامه، لكنّ جبروت الغضب استبدّ به، وشدّ بتلابيبه فاندفعت السيّارة بجنون.

لا أدري كيف استطاع السياقة مكمّم البصر والبصيرة، لكنّه تدبّر أمره، هكذا صار معظمنا يقود، وهكذا حزنا على أولى المراتب في الكوارث.

ثمّ وجدتُ نفسي وقد انشغلتُ بالولد، وبوابل العتاب الذي راح أبوه يكيله إيّاه، صابّا جامّ ثورته عليه. قال الأب محدّقا في ابنه شزرا: "ألم أعهد إليك يوما بهذه الكلمة: إنّ النّاس ذئاب، وعليك أن تصير ذئبا مثلهم، تعضّ وتعوي؟"

فجأة وكأنّ جرسا دقّ في رأسي، فقدت اهتمامي بالطريق، وشهّيتي في ممارسة الرياضة، وصرتُ كلّي أذنا صاغية لهذا الناصح المجنون، الذي راح يلقي على مسامع ابنه قولا ثقيلا. وما الطفل لو رأيته إلّا حملا وديعا، لا تكشفُ سماته غير الدلال والخوف والخجل.

ثمّ قلت في نفسي: "أليس هذا الرجل كمن يسكبُ الماء في رمال الصحراء؟ لن تصيب كلماته مرماها ولن تستقرّ في ذهن ابنه ولو استعمل كلّ تقنيات البرمجة اللغوية العصبية لزرعها في رأسه، فالأب لن يفلح في تغيير ابنه إلى الصورة التي يرومُها، مثلما لا يستطيع أحدنا تحويل حمل إلى ذئب. كما أنّ براءته وصفحةُ نفسه البيضاء تأبى أن يُعكّرها كلام كهذا.

وهكذا تدخّلتُ. أنا دائما أتدخّلُ في مثل هذه الظروف، وهذا يعودُ لطُموحي القديم، أقصد البطولة. لكن أيُّ بطولة؟ الأبطال الآن هم الذين لا ينحشرون في أمور غيرهم فلا يسمعون ما لا يرضيهم؛ ويا ليتني استوعبتُ هذا الدّرس باكرا!

هي نقمة ولعنة، أتحدّث عندما يلوذ الكثيرون بالصمت دهاء منهم وحكمة. كان تدخلّي مغامرة لأنّ الأب كان في مهمّة شبه مستحيلة مع ابنه الذي لم يفقه شيئا ممّا يقول، وكنتُ أنا البهار اللّاذع الذي زاد طعم الغضب حدّة.

"سامحني يا سيّدي لكن النّاس ليسوا كلّهم ذئابا".

قلتُها وأنا أحسُ نفسي محشورا في فوهة مدفع. وقال لي منتفخ الأوداج، ناظرا إلى ابنه، يجيبني من خلاله:

"ارمِ يا ولدي شيئا في الساحة في وقت الاستراحة وانظر ماذا يجري".

وأجاب نفسه بنفسه بسرعة:

"سيختطفونه في لمح البصر، وأبصُم لك بالعشرة على ذلك".

لا أتذكّر تفاصيل حوارنا بحذافيره، فقد جرى ذلك قبل سنوات عديدة. لكنّ ذلك الحادث علِق بذاكرتي كذبابة طائشة في شبكة عنكبوت. وخلال الأعوام الماضية، عندما يزور خيالي طيفُ ذلك الحملِ الوديع، أتساءل: "ماذا حلّ به؟" وكأنّي كنتُ متخوّفا من أن يصير الطفلُ مسخا، وحشا نصفه حمل ونصفه الآخر ذئب. أو أن يصاب بعقدة نفسية لا تفارقه مدى الحياة. فقد بدا الأب غير مسؤول البتّة. ولو كنتُ شرطيا لما سمحتُ له حتّى بالقيادة فضلا عن تربية النشء.

وجاءني الجواب قبل أيّام قلائل عندما ركبتُ سيّارة أجرة في ظروف مغايرة تماما، لأنّ حضن البطالة كان قد فارقني، تاركا حضن العمل الدّافئ محلّه. وكان الفرق كبيرا بين الحضنين.

جلستُ في نفس المكان، في الوراء على يمينه. لمحتُه وعلى الفور عرِفته. كان يُقِلُّ عجوزين، فرُحتُ أتربّصُ خلوّ السّاحة لأسأله عن حال ابنه. وخلال الرحلة القصيرة رحتُ أخاطب نفسي :"أهذا الشخص ذاته؟ لا أظنّ ذلك"، لأنّي فوجئتُ بشخص آخر تماما. فإذا بي بسائق سيّارة أجرة يعامل زبائنه معاملة راقية جدّا. وارتسمت على وجهه ملامحُه الطبيعية وقد كانت الطِّيبة عُنوانها. وتساءلتُ مرّة أخرى: "هل هذا حقّا هو الهرّ الثائر الذي كاد يلتهمُ قُطيطهُ الصّغير على مرأى منّي ومسمع؟"

أوصلني السّائق الرّاقي إلى المنزل، وفنّد لي شكوكي، فهو نفسه ذلك النّاصح المجنون. واستفسرتُ عن ابنه فقال لي: "لم يتغيّر كثيرا. هو لا يزال طفلا متراخيا. لقد كبُر وهو يدرس الآن في الإكمالية. والبارحة فقط ضيّع قلنسُوته، التي اشتريتُها له من فرنسا".

ثمّ تنفّس الصّعداء، مُطلقا زفيرا يكاد لا ينتهي، وقال لي وهو يضمُّ عينيه: "لم أعرف صراحة كيف أربّي ابني بوجودِ أولاد الحرام هؤلاء. هل أزوّق له الحياة وأعلّمه كيف يكون فاضلا في عالم منحطّ؟ لقد علّمني والدي الشّيخ رحمه الله أنّ "صاحب النيّة يربح" لكنّ أصحاب النيّة الحسنة انقرضوا حسبما أرى".

تحدّثت معه كثيرا واكتشفتُ أنّه خريج جامعي، وأنّه متحصّل على شهادة عليا في الكيمياء البيولوجية، وزيادة على ذلك فهو يتقن لغات عديدة. غير أنّه واجه العديد من المطبّات التي أبعدته عن ميدان تخصّصه وجعلته ينحرف عن مساره الجامعي بزاوية كبيرة. وهذا ما جعل أمله في النّاس يخيب وثقته فيهم تتزعزع. فكثيرا ما يرتطم صاحب الأخلاق الدّمثة والقلب النقيّ بجدار من القسوة والغلظة، لا لشيء إلّا لأنّه يتوقّع من النّاس نفس المعاملة التي يسديها لهم.

ثمّ شكرني السّائق على اهتمامي وغادر، لكنّي فهمتُ الأحجية، فالرّجل الذي قابلته في ذلك اليوم الهائج، كان غاضبا من نفسه. يشتعل غيظا لأنّه كلّما تطلّع في وجه ابنه رأى نفسه، كمن ينظر إلى المرآة.

ولهذا شاهدتُ يومها حملا وديعا يزأرُ على ابنه الحمل الصغير، خشية أن يتكرّر معه سيناريو حياتِه. لكنّ العرق دسّاس.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3151302

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC