نازك ضمرة - الولايات المتحدة

براءة بعد التعب

خالد ضمرةأطاعها ولد في مثل عمري، وأمسك بي، فدفعته بعنف من شدة فزعي منها، فوقع من شدة سرعتي.

صاح الولد من شدة الألم، وصار يسب ويلعن. تحامل على نفسه حقدا عليّ، أو ترضية لها، ثم واصل الجري معها.

ظلت هي والولد يتبعانني. تعب الولد بعد دقائق قليلة، ثم استسلم وارتمى على الأرض. كنت أحسست بأنني قاربت على النجاة منها بسبب ابتعادي عنها.

تنبهت، فإذا بملوحة تدخل فمي، بسبب العرق الشديد الذي ينز من كل مكان في جسمي ووجهي، حتى أن عيني تضببتا بسبب دخول ملح العرق فيهما.

فركت عيني، وفجأة جاءتها قوة سحرية بعدها، فزادت من سرعتها بأضعاف ما أعرف، أشاهد ساقيها تغزلان في ركضها كأنهما مروحة، أو عجلات دراجة نارية مسرعة.

وسّعت دائرة تطويقي، حتى لا أعرف عن خطتها، أو لأظن أنها انشغلت أو تركتني لسبيلي، لكن الأمان لم يداخلني قط، فبقيت أراقب الطرق والمساحة حولي بعيون قلقة، ثم تنبهت إلى أنها سبقتني كثيرا.

الطفل ابن اثنتي عشرة سنة استعمل الحمام في مرافق المسجد، وخرج من الجهة الثانية حيث باب خروج صغير، تستخدمه عائلة شيخ المسجد المعروفة بجرأتها. وحين ارتد باب الخروج، سمعت خبطته السيدة المهووسة، فخرجت على عجل تنادي على الولد، لكنه أغفلها ومضى لأنه سمع عن تجنيها واستغلالها لأي شخص، صغير أو كبير، ذكر أو أنثى في القرية.

خاف من المرأة سليطة اللسان، وقد تسبب له مشاكل أو تهمة يحاكم عليها في المسجد. يعرف أحكام المسجد. أخفها حبس لحفظ أجزاء من القرآن أو جلد أمام الآخرين بحكم شرعي، أو عمل سخرة مجاني لأيام أو أسابيع. وحكم المسجد مقبول لا يعترض عليه أحد، حتى الوالدين، أو أحكام أخرى ضد الأخلاق والعقيدة.

هرب وحاول الاختفاء عن أنظارها، ابتعد عن المكان قليلا، وأحس بأمان لدقيقتين، فصار يمشي بأمان، دون تخفي، فجأة شاهد زوجة الشيخ تقفز من الباب الخارجي تنادي على الولد، وهي لا تعرف اسمه، ولم تتمكن من معرفة أهله، وربما لم تره من قبل.

حاولت اللحاق به قبل أن يتنبه لها، لكنه ما إن شاهدها تحث الخطى للوصول له، هرب ودخل شارعا جانبيا.

كان الوقت قرب صلاة المغرب. لم تتوقف بل ظلت تتبعه. حاول الاختفاء عنها لكنها كانت عنيدة، فاكتشفته ثانية وتبعته، وصارت تنادي على أي شخص يلاقيها كي بمسك بالولد الهارب.

أصبح الجو لطيفا، وهبت نسمات هواء ضعيفة، لكنها خففت كثيرا من حرارة شمس أكتوبر التي بدأت تقترب من طرف الأفق، مما ساعدها على إظهار تلك القوة المفاجئة.

أدركت متأخرا أنها سبقتني كثيرا وتنتظر وصولي في موقع محصور. كيف عرفت ذلك؟ لأنني أعرف أنها امرأة شريرة، ولها مصلحة مهمة تريد الوصول لها عبر استغلالي، ولذلك كنت أمشي بحرص وتؤدة، ولكن القلق يساورني فأمشي قليلا وأتوقف قليلا. خشيت إن عدت لبيت أهلي ستعرفني وستتمكن من الوصول لي بطريق شيخ المسجد زوجها.

وصدفة أشاهد أطفالا ينظرون لموقع باستغراب، فتقدمت زاحفا أتلصص على الهدف، فإذا بالمرأة ما زالت تركض محنية الظهر لتضمن الوصول لمكان مناسب تصطادني فيه، ولتضمن مشاهدتي، وقطع الطريق عليّ. أنبطح على الأرض وهي منشغلة بهدفها.

في تلك اللحظة غابت الشمس، وحل موعد أذان المغرب، لم اضطرب ولم أفزع، مع أن موقعي كان قريبا من منطقة حركاتها. شكرت الله من كل قلبي وحمدته على قدوم الليل. وبهدوء، غيرت اتجاهي ورجعت للوراء قليلا، متجها لليسار، أي صوب القوس الذي قطعته. لكن دائرة عودتي للبلدة كانت في دائرة أوسع، وسأمر حول القرية عبر الحقول الصغيرة.

صرت أتعجل قدوم ظلام الليل، حتى أستطيع الوصول لأهلي دون أن تعرفني، لأحكي لهم عن هذه المرأة المجنونة. لقد حاولت مرارا أن تقترب مني لتعرفني شخصيا، أو لتعرف أهلي، لكنني كنت مدركا لهدفها منذ البداية، بسبب ما شاهدت مما وقع على بعض الأطفال من أمثالي في مسجد قريتنا العتيد.

كنت أعرف أنها لا تستطيع أن تلاحقني في الليل، لكن خشيتي الثانية صارت من الذئاب والضباع التي تقترب من أطراف القرية ليلا، فأقع فريسة للحيوانات البرية الجائعة، التي تقترب من القرية وتتجرأ لدخول شوارعها أحيانا في الليل تبحث عن أي هدف تفترسه، حتى ولو كان قطة أو كلبا ضعيفا أو شاة، وما أكثر الحيوانات في البلدة!

ومع أذان العشاء، تسألني والدتي لماذا تنام قبل أداء صلاة العشاء. بعدها لم أعرف ماذا قالت والدتي.

= = =

عود الند تبدأ عامها 12


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3303770

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC