يوسف بونيني - الجزائر

أيام من الأيام


يوسف بونينيمنذ أن تقاعدت عن العمل، وقد كنت قاضيا في مجلس المحاسبة، وعدت إلى الديار بعد غيبة فاقت العشرين سنة لازمت بيتي. لم أغادره إلا لقضاء الحاجات الضرورية المفروضة أو لأداء عمل خيري. ترسخت هذه العادة في نفسي حتى أصبحت طبعا لا تطبعا، بحيث لا أحس في حياتي اليومية بالرتابة، ويرجع الفضل الأكبر في هذا إلى قراءة الكتب والانهماك في حفظ الأشعار والحكم واتقان الكتابة بخط النسخ. وقد ساعدتني هذه العادة في التعامل بصفة مثالية مع وباء "كورونا" الذي حل بديارنا دون سابق إنذار.

لذا، لم يغير الحجر الصحي، الذي فرض علينا فرضا، من سلوكاتي اليومية. بيد أني لاحظت الشيء الكثير خلال أيام الحجر الصحي، فقد ظنت البشرية، على العموم، أنها ستعيش حياة رغيدة هنيئة بعد الحرب العالمية الثانية التي حصدت أكثر من ستين مليون من البشر. لكن هذا الوباء فاجأها وألغى أحلامها الحاضرة، وأصبح العالم بهذا الوباء يؤمن بالفناء القريب.

ومع هذا، فقد لاحظت صبرا عند البعض وقت نزول هذا الطاعون، متسما بكآبة هادئة، كآبة رضى بالقضاء وإذعان للخطوب، وضجرا عند البعض الآخر لكون هذا الداء قد ألغى الكثير من برامجه. وهذا البعض هو الذي كان للجشع صديق، حيث ذهب الكثير منه إلى اقتناء المواد الغذائية الضرورية وغير الضرورية وكذا المستلزمات بكميات هائلة مخافة الجوع المؤدي إلى الموت كما يعتقدون.

وللنكتة، فقد ذهب بعض أهل "الفايسبوك" في الجزائر إلى حد القول إن الصين (باعتبارها مصدر مرض كورونا) أعطتنا هذه المرة سلعة من الخيار الأول.

وفريق ثالث من الناس عبر العالم لاحظناه عبر وسائل الإعلام المرئية، قد بلغ درجة عالية من التحضر والمدنية وقت تفشي الوباء متميزا بحجر صحي مثالي، كان سببا في قلة الإصابات وفي التعافي السريع للمرضى. وأفضل مثال على هذا الانضباط بلد الصين.

لم أتأثر بالحجر الصحي على الإطلاق، لأني ملازم لبيتي في سائر الأيام كما أسلفت، ومن شمائلي داخل البيت أني أدب دبيب النمل، لا أترك شاردة ولا واردة إلا سعيت لها لمعرفتها. ففي الأيام الأولى من الحجر الصحي قرأت رواية " وشم على الصدر" لعثمان سعدي، ثم اطلعت على كتابَيْ "تجديد ذكرى أبي العلاء" و"مرآة الضمير الحديث" لطه حسين، كما انتهيت من كتابة مسودة "وصيتي". واستمررت كعادتي في مساعدة الزوجة يوميا في ترتيب شؤون البيت والعمل على إتمام بعض الأشغال تحضيرا لشهر رمضان.
أما عن أبنائي الصغار، ومع انقطاع الدراسة بسبب هذا الوباء، فقد حولوا الحجر الصحي إلى سبات، واستبدلوا النهار بالليل. فهم لا يقومون من أماكن نومهم إلا لقضاء الحاجات الضرورية جدا، ثم يعودون إلى " قواعدهم" لمخاطبة الحاسوب أو النظر إلى هواتفهم نظرة البخيل إلى القرش، حيث وجدوا في ظروف هذه "الهيضة" فرصة لا تعوض للراحة المستمرة " المدفوعة الأجر". فهم لا يعملون في هذه الظروف إلا بعد ايعاز.

ورجوعا إلى وباء "كورونا"، اسمحوا لي أن أذكر بعض الأشتات ذكرا ملخصا. فقد علم الجميع أن المصدر الأول للوباء هي الصين، ولكن الأزمة تلد الهمة، فبفضل سياستها الرشيدة إزاء هذا الطاعون، تكاد تخرج من هذه الأزمة الصحية سالمة غانمة. غانمة نعم، لأنها أحسنت تسيير هذا الوباء على المستوى الطبي والتنظيمي، كما ضربت أروع الأمثلة في تحضر ساكنيها أثناء الحجر الصحي، جعلها تتنفس الصعداء ولا تتردد في مساعدة دول العالم في الميدان الطبي. هذه المساعدة هي بمثابة استثمار ادخرته لنفسها لوقت الفرج. حتى أن إحدى المجلات الفرنسية تساءلت:

Et si le Covid- 19 accélérait le basculement du monde vers l’asie?.
[ماذا لو سرّع كوفيد-19 مَـيْـل العالم نحو آسيا؟]

وعلم الكل أيضا أن هذا الوباء أضر بكثير من الدول في أوروبا على وجه التحديد، وهي على الترتيب: ايطاليا واسبانيا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا خاصة، فإيطاليا كنموذج، بكت موتاها المقدرين بالآلاف وأحست بالغُبن والعزلة خلال هذه المحنة، وهي الآن تقسم بأغلظ الأيمان على أن تعيد النظر في علاقاتها مع غيرها من الدول، بعد ذهاب "كورونا".

بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، فقد تأثر سكان نيويورك الساحرة بوباء كورونا، وأصبحت أمريكا ثالث دولة عالميا من حيث عدد الوفيات بعد ايطاليا واسبانيا، وأعاب رئيسها دونالد ترامب على منظمة الصحة العالمية قلة اهتمامها بما يجري في أمريكا. ورغم ذلك يعزم ساستها إلى بعث عجلة الاقتصاد من جديد وتخفيف الحجر الصحي. نعم يا سيدي "دعه يعمل دعه يمر".

أما عن إفريقيا جنوب الصحراء، فأوضاعها فيما يخص " كورونا" ففيه الحلو والمر. فأما الحلو، فهي لم تتأثر كثيرا، إلى حد الآن، بهذا الوباء لأسباب موضوعية، يرجع بعضها إلى بعدها عن بؤرة الوباء وكذا تلقي بعض ساكنيها إلى لقاحات متعددة، منها لمرض الملاريا في ظروف سابقة، تركهم بمنأى عن هذا الداء الذي من علاجاته المتسرعة دواء " الكلوروكين" المخصص أصلا للملاريا رغم إثارته للجدل. والحلو أيضا، أن الكثير من ديونها اتجاه أوروبا وفرنسا بالتحديد سيتم إلغاؤها " هدية " من الدول المقرضة.

وأما المر، فعجزها المادي والبشري عن مقاومة هذا الداء الذي أضيف إلى ما عندها من أوبئة ومشاكل اقتصادية هيكلية. لذا، إفريقيا ليس باستطاعتها أن تقول "مرحبا بالمصيبة حين تأتي وحدها، ذلك أنها نادرا ما تجيء وحدها".

ولعل وباء "كورونا":

= ذكّرَ العبادَ أن الدَّهر يومان، ذا ثبت وذا زلل، والعيش طعمان ذا صاب وذا عسل، كما يقول أبو فراس الحمداني.

= لقّنَ الجميع درسا في الاقتصاد في المعيشة وفي نظافة المحيط وفي إعادة النظر في كيفية التعامل مع الأبناء عند الأزمات.

= وكان سببا في تفطُّن البعض إلى المآسي التي حلَّت بالغير وفي كشف أنانية البعض الآخر الذي لا يعير أي اهتمام للمصائب التي تقع على رؤوس أقوام آخرين.

فكم عدد الأرواح التي زهقت في الحروب والنعرات الطائفية والدينية والأوبئة، وما زالت تقع إلى اليوم في مواطن شتى من العالم. هذه المأساة تذكرني بما تمناه الحجاج حيث قال: "ليت الله الذي خلقنا للآخرة كفانا أمر الدنيا فدفع عنا الهم".

سيذهب يوما وباء كورونا، ولعل الزمان يتيح لنا حياة نشارك فيها مؤثرين لا متأثرين فحسب ولا مذعنين خاضعين.

D 30 أيار (مايو) 2020     A يوسف بونيني     C 1 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  غسان يبتسم: افتتاحيات مختارة

2.  غزة: رسائل من قلب النار-ج2

3.  هدية لعود الند

4.  بنية الزمن في المجموعة القصصية بهية لمرزاق بقطاش

5.  الاتساق في بنية الخطاب القرآني