نوزاد جعدان - سورية

مسرحية: المخادعُ مرآةُ المخادع

مسرحية: المخادعُ مرآةُ المخادع

الشخصيات:

المهرج: قصير القامة نحيل يضع قناعا على وجهه.

الممثلة: طويلة القامة ضخمة الجثة شعرها أشقر طويل.

المشهد:

نوزاد جعدانغرفة كبيرة للمكياج ولتجهيز الملابس في السيرك، باب على يمين الغرفة على شكل قوس وأخر على اليسار ويفصل الغرفة في المنتصف ستارة رمادية، أقنعة بأشكال مختلفة منتشرة في الغرفة وألبسة معلقة في الخزائن، بوسترات للممثلة والمهرج على الحائط، مرآتان احداها بيضوية والأخرى دائرية أمامها كرسيان في النصف الأول والثاني للغرفة، كرسي هزاز في زاوية الغرفة، حبال طويلة على الأرض.

يدخل المهرج بمشية بطيئة حاني الرأس، يجلس على الكرسي أمام المرآة الدائرية يلعب بقناعه ويحاول إزالته، يتردد ثم يبتعد وينكمش في زاوية الغرفة ويمسك قناعه ويرتبه، تدخل الممثلة وتجده في الزاوية، تهز الكرسي الهزّاز.

الممثلة: ها أيها المهرج الجميل ما الذي تفعله في الزاوية؟

المهرج ( بسخرية): أضعتُ قلبي وأبحث عنه هل وجدتيه على طريقك؟

تبتعد عنه الممثلة وتقف أمام المرآة البيضوية وتتبرج.

الممثلة (تضحك ): أشك أنك تملك قلبا.

المهرج: قلبي كبير كالشمس يا جميلتي ولكن عينيك الصغيرتين تحّبان الليل فلن تلمح إشراقي.

الممثلة ( تؤشر إلى عينيها): انظر كم عيناي كبيرتان، ولكن أنت لم أرَ عينيك قط، أرني وجهك كي أرى هاتيك العينين الجميلتين والوجه الصبوح الذي يغرس الضحكة على وجوه الناس، أتساءل يا ترى أي وجه جميل تحمله.

المهرج: لا تتحاذقي كثيرا، بعض الأشياء تبدو أجمل في لحائها، انظري لأفخاذ الدجاج كم هي جميلة وشهية، ولكن عندما تلتهمينها ( يشمر عن يده واللعاب يسيل من تحت القناع) تصبح عظاما مقززة.

الممثلة : لكن يا مهرجي العزيز الموز حين يتعرى يمممم يصبح لذيذا وأطيب، والبلوط والكستناء أيضا، ناهيك عن بكاء البرتقال وتعرق الليمون.

المهرج: أتعلمين لمَ المدينة جميلة في الليل؟

الممثلة: قل يا مهرج عصرك.

المهرج: لأن الليل قناع يلبس وجه المدينة العاري القبيح، ويستر كل ما في جسدها من عيوب ...

الممثلة (مقاطعة): أصبحت فيلسوفا. لم أكن اعرف أنك مهرج وفيلسوف في آن واحد.

المهرج (يحك رأسه ويشد بنطاله الواسع للأعلى): الفيلسوف مهرج حزين، والمهرج حين يضحك الناس يكشف كل الحقائق فهو يسقط الأقنعة، تماما كالشاعر الذي يجعل حقيقتنا تتعرى فيُمطر الدمع من العيون إن أثرت فينا.

تسحب الممثلة الستارة التي في المنتصف.

المهرج (متذمرا): أتخشين أن أراكِ وأنتِ تتبرجين؟

الممثلة (تضحك): لا أهاب المهرجين، واعتبرك كأنثى، شكلك رجل ولكن قلبك قلب أنثى.

المهرج (يضحك بشكل هستيري): أعرف لمَ أغلقتِ الستارة؟

الممثلة: لمَ أيها المجنون؟

المهرج: كل الرجال يحبون جمالكِ ويعشقون غنجكِ ودلالك ولكني اكتشفتُ فيك كل حقيقة.

الممثلة (بغضب): وما هي أيها الأخرق؟

المهرج: المخادع يكتشف المخادع يا جميلتي. هذه المرآة كالبحيرة الكاذبة تعكس وجها واحدا للقمر ولا تكشف وجهه الأخر الشاحب القبيح الأسود.

الممثلة: ما قصدك؟.

المهرج: كل المرايا كاذبة سيدتي تكشفها الحجارة وأنتِ لستِ جميلة فجليد الوقت ذاب وخشب الزمن احترق.

(تقوم الممثلة بحركة هستيرية وتفتح الستارة وتهجم على المهرج المذعور وتمسك يده وتوقفه أمام المرآة الدائرية)

الممثلة (بغضب): سأخلع قناعك عن وجهك وأرى إن كنت تخشى المرايا أم لا.

(يمسك المهرج قناعه وهي تحاول خلعه، يبتعد عنها ويصرخ مستنجدا)

المهرج ( بذعر): أرجوكِ ابتعدي عني لا أحب المرايا وأخافها.

الممثلة: شاطر في الكلام فقط، على الأقل أنا لا اهابها وأقف امامها.

المهرج: أنتِ الخداع بعينه وتخدعين الكثيرين يا صاحبة الوجهين.

(تطارده الممثلة على خشبة المسرح وهي في ذروة غضبها، يسقط المهرج حين يدوس على أسفل بنطاله فتسقط فوقه الممثلة بجسدها الضخم).

المهرج (مستجيرا وهو يلهث): أففففف سقط علي دب قطبي.

الممثلة (بغضب): أنا دب قطبي يا حمار؟ سأنال منك.

(تسحب قناع المهرج عن وجهه وترميه على الأرض فيتكسر إلى قسمين، يغلق المهرج وجهه بيديه ويبكي، تعض يده فيصرخ المهرج ويفتح عن وجهه).

الممثلة ( بقرف): آه ليتني لم أخلع القناع عن وجهك، إنك قبيح جدا ووجهك محترق بالكامل أي تشوه تحمله يا إلهي؟

المهرج ( يغلق وجهه وتنزل الدموع من عينيه) أشعر بنفسي كحذاء بالٍ التقطته صنّارة صياد كان يترقب الذهب والسمك الوفير، لمَ بفضولنا نضغط على الجرح ونقتل أنفسنا حين نعري الأخرين، بعض الحقائق أجمل حين تكون مخفية.

الممثلة (تدير وجهها إلى الطرف الأخر): اعتذر لم أقصد وتوقعت كل شيء إلا هذا.

المهرج: لا داعٍ للاعتذار، لا ذنب لي في وجهي، من إهمال أمّي احترق وجهي بالزيت المقلي، لم يكن لي يد بالموضوع، ولكن أنتِ مخادعة وبيديكِ تصنعين الخداع وسأكشف وجهك العاري كما تكشف الشمس وجه المدينة وتعري كل حقيقة.

(يهجم المهرج بكل قوة على الممثلة )

الممثلة تصرخ: ساعدوني انقذوني من براثن هذا الوحش أرجوكم.

المهرج : ما من احد سيسمعك سأكشفك اليوم، أيتها الغشاشة.

يمسك بها ويقوم بربطها على الكرسي أمام المرآة البيضوية.

الممثلة: ما الذي ستفعله بي أيها المجنون؟

المهرج: لا تستعجلي على الحلقة الأخيرة. أعطِ بعض مسرحيتنا تشويقا أيتها البطلة، سأكتشف حقيقتك العارية، كما حين نخلع ملابسنا نرى بعض عيوب الجسد ولكن أنتِ بئر من العيوب والمياه الطالحة.

الممثلة (بذعر): أنت مجنون تحتاج إلى مصح عقلي.

يركض المهرج ويجلب إبريق ماء، ثم يرجع وهو يضحك مختالا بمشيته.

المهرج (يغني): لا لا لا لا لا لي لي لي ، هذا ماء بارد ، الماء البارد في الشتاء ييجعلنا نفكر بآثامنا ويكشف الخداع سيّدتي.

الممثلة : أخرق. مجنون. اتركني.

(يقوم المهرج بوضع يده على شفاهها ويمسح شفتيها وهو يضحك )

المهرج : اسكتي، آه ما الذي أراه على يدي، أحمر شفاه، شفاهك الجميلة أين اختفت لمَ صارت رقيقة جدا، يا للعجب اختفى بريقهما لونهما الجوري المميز.

الممثلة: آخخخخخ، سأبلغ الشرطة فور خروجي من هنا .

المهرج (بسخرية) ستحتاجين أياما لتصلحي حقيقتك، ستكونين كعربة خرجت لتوها من حادث مروري، والآن (يمسك بإبريق الماء ويرشه على وجهها ترتعش الممثلة فيمسح وجهها) انظري لوجهك الأبيض الفاتن ماذا سيحصل؟ ماذا أرى أمامي اللوحة البيضاء تصبح سوداء، يا للعجب!، كل هذا الخداع عيب يا بنت!، كم كيلو غراما من البودرة تضعين؟ أوخ أقول لمَ ينتحر كثير من الشبان هذه الأيام وأخرون يتسممون في ليلة دخلتهم يمتصون بدل الرحيق هذا السم.

الممثلة: كل العالم ينافق لستُ الوحيدة .

المهرج : نفاقك زاد عن حده علاوة على أنك لا تتركين الناس في مزاجهم أيضا (يشد شعر الممثلة فتسقط الباروكة) يا لطيف! هذا لم أكن أحسب حسابه وتضعين باروكة أيضا! آه كنت أحب شعرك كقطيع الأغنام الشقراء، والآن كأنه أرض صحراوية مليئة بالعوسج واعععععع.

الممثلة ( تنظر إلى نفسها في المرآة): ابعدني عن المرآة. الرحمة.

المهرج: لم انتهِ منك بعد، عيناكِ الخضراوان كملعب كرة قدم سأضع اصبعي فيهما لأرى أين تقع الكرة الجميلة، (يضع المهرج يديه في عينيها ويخرج العدسات اللاصقة ثم يشد رموشها فيسحب الرموش الاصطناعية) أواه! عدسات لاصقة، عيناكِ سوداوان كغراب إدغار آلان بو، ورموشك الطويلة التي كانت كمكنسة لغبار الهموم اصطناعية أيضا، كم كيلو غراما من الخداع تحملين؟ ستدخلين دفاتر غينيس للخداع، ياه تجاوز خداعك إصلاحات رئيس البلدية ووعوده، والآن سأدعك مع المرآة تكتشفين حقيقتك جيدا، اعتبريها راهبا في الكنيسة واعترفي له.

(يفك قيدها وهي تبكي فتمسك بالمزهرية بغضب وتكسر المرآة)

المهرج: لا تستطيعين الوقوف أمامها عارية كما أنتِ، مع أنك ربما أجريتِ مائة عملية تجميل وتنحيف ورشاقة.

الممثلة ( باكية ومستلقية على الأرض): اتركني وشأني أرجوك.

المهرج ( يخرج مرآة صغيرة من جيبه ويرميها لها): هذه هدية منّي تذكريني فيها .

(لحظات صمت)

المهرج: أقسم إني أراك لأول مرة على حقيقتك عارية كالظلام، من الصعب أن نعيش على حقيقتنا دون خداع، إنها كذلك، والحياة هكذا. كم من الأقنعة يا ترى سنحمل ونحتمل؟ ولكن لماذا يسقط هذا القناع عند صوت أول أغنية تمسّنا؟

(يصمت قليلا ثم يستطرد): المرآه. آه من هذا الساحر الذي يكشفنا!

( يدير ظهره ويستعد للمغادرة).

الممثلة ( تنهض وتطعن المهرج ببقايا المرآة): وهي كذلك لنستمر في الخداع ونستمر بارتداء الأقنعة. إنها كذلك وستجري كذلك .

(ستارة)


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3154766

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC