أشواق مليباري - السعودية

طيف تجلله رائحة البحر

النص أدناه مستوحى من قصة حقيقية

استيقظ خدر الأوصال، مثقل الأجفان، انتزع نفسه من فراشٍ احتواه حتى الظهيرة، بعد ليلة طويلة طوى جُلّها بعينين ساهرتين أمام شاشة الحاسوب، يحاول كسر وحدته بالحديث مع كل من يصادفه عبر عالمه الافتراضي.

دلف إلى المطبخ، أخرج شريحة خبز من كيس بلاستيكي وضعها في فمه وهو يفتح البراد باحثاً عن علبة حليب أو قنينة عصير، طقوس الاستعداد للخروج جرت كالعادة، لم يكسرها إلا هاجس ذكّره بوجه رآه ليلة أمس في المنام، وجه ظهر فجأة ابتسم واختفى، شخص عرفه ربما منذ زمن بعيد.

ارتدى سترته الأنيقة، أصلح ربطة عنقه أمام مرآة المدخل، هذب شعره الأسود اللامع، علق على صدره بطاقته ذات الشريط الأحمر الخاصة بالمديرين. عاد الهاجس مره أخرى، خيل إليه أنه رأى وجهاً غير وجهه في المرآة.

خرج وأقفل الباب خلفه، في الممر الأنيق بين الشقتين قابله جاره البريطاني بابتسامة المتعب العائد من عمله، بادله بإيماءة دون أن يتكلم.

عند باب البناية، ضغط على زر صغير في طرف مفتاح سيارته، فاستيقظت و غمزت له بنورها من بعيد، مشى إليها فتح الباب وجلس خلف المقود، عاد الطيف يجول حوله، هذه المرة استطاع تمييز ملامحه، جبهة سمراء عليها أثر الكدح والتعب، عينان ضيقتان يخفيهما حاجبان أبيضان كثيفان، ووجه خط عليه الزمن ما خط، ولحية بيضاء خفيفة، ابتسم الوجه بطيبة وغاب.

أفاق ليرى وجهه في المرآة الجانبية، تفحص السيارة سريعاً، وتحرك متوجهاً إلى دوامه المسائي في إحدى شركات النفط العملاقة التي تعاقد معها.

توقف عند إشارة أضاءت له عينها الحمراء القاسية، في تلك المدينة التي تكتظ بالسكان، اصطفت السيارات أمامها تتوسل الخلاص. أسند رأسه وأغمض عينيه لثوانٍ، ربما أراد أن يعود إليه الطيف ليتحقق منه، شعر بالهواء الرطب تجلله رائحة البحر، وسمع هدير موجه الهادئ على شاطئ رملي أبيض، ونخيل جوز الهند تظلل بيتاً خشبياً مسقوفاً بالجريد يعرفه جيداً، وبجانب البيت غرفة صغيرة بنافذة وباب من قماش مهترئ، خرج عجوز من الغرفة، وبيده إناء، اقترب من ساقية قرب البيت وملأ الإناء، لم يصل صوت خرير الماء إلى مسمع صاحبنا، بل أفزعه صوت منبه السيارات خلفه، فقد أضاءت الإشارة؛ عين الرحمة.

وصل بسلام إلى مرآب الشركة قبل موعد دوامه الرسمي، أوقف سيارته ولم يبرح مكانه خلف المقود، أغمض عينيه فعادت الأطياف سريعاً كأنه يستدعيها؛

جلس العجوز عند حافة الساقية، غسل وجهه ويديه وقدميه، عاد إلى الغرفة يمشي الهوينا والماء يقطر من أعضائه، اقترب من طفل صغير يراقب المشهد، مسح رأسه بيده الرطبة وهو يتمتم بعبارات لم يفهمها.

أفاق فزعاً وتلمس رأسه، لا بد أنه على حافة الجنون، فقد سمع بأن الذين لا ينالون قسطاً وافراً من النوم يصابون بحالات مشابهة.

خرج من سيارته، مشى سريعاً إلى المصعد المكتظ بالموظفين، فارتفع المصعد في دقائق إلى الطابق الخامس عشر حيث مقر شركته، قرب مدخل الممر المؤدي إلى مكتبه نباتات داخلية مزروعة في أصيص فخاري ضخم، بجانبه برادة ماء، وأكواب ورقية متراصة على حامل أنيق مثبت في الجدار، كان الممر خالياً، تظاهر بشرب الماء، ليعود مرة أخر إلى العجوز الذي دخل الغرفة، فرش أمامه قطعة من القماش المهترئ على أرض الغرفة الترابية، وقف معتدلاً في سكينة، رفع يديه لتحاذي منكبيه، وفي لحظه سمعه يقول: "الله أكبر".

سحق الكأس الورقي بقبضته، تسارعت أنفاسه، وشعر بالاضطراب، لقد سمعها. لا، لم تكن أطيافاً، لقد سمع الجملة. سمعها الآن. إنها: "الله اكبر".

ها هي مرة أخرى، لم يكن واهماً، من أين يأتي الصوت، استدار خلف الممر الرئيس حيث البهو ومن خلفه غرفة كان بابها موارباً، دفع الباب برفق ليجد صفاً من الموظفين يتقدمهم زميله أحمد الذي تعرف إليه البارحة، يركعون ويسجدون، نظر مشدوهاً إلى المنظر وغاب مرغماً، ركع العجوز وسجد ثم جلس في سكينة، التفت إلى يمينه بالسلام ثم إلى يساره، ثم نظر بحنان بالغ إلى الصبي الواقف خارج الغرفة يراقب.

قال صاحبنا بدهشة: ماذا تفعل؟

أجاب زميله أحمد مبتسماً وهو يحاول ارتداء حذاءه عند الباب: "نحن نصلي هنا".

خرج المصلون من الغرفة واحداً تلو الآخر، وقف وحيداً أمام الباب، غائباً عن عالمهم، عن موعد حضوره، عن وظيفته الجديدة وشركته، شارد الذهن، خائر القوى، محبطاً تأكل الحسرة قلبه على شيء يجهله، سرق منه وغيّب عنه كل تلك السنين.

عادت الأطياف مرة أخرى.

أمسكت بالطفل المندهش يد امرأة تسحبه بعصبية وتذمر.

صاح الطفل: "لحظة. أمي ماذا يفعل؟ ماذا يفعل جدي؟"

تجيب المرأة دون أن تلتفت إليه: "تعال إلى البيت ولا تكترث؛ فجدك عجوزٌ خرِف".


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3373154

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC