عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

 
أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 60-120 » السنة 6: 60-71 » العدد 62 » نصوص » خواطر في زمن الوهن

ظلال العقلة - الأردن

خواطر في زمن الوهن


ظلال عدنانحينما يغزوك المرض، ويستبيحك الوهن، تشعر بضعفك وتعود لك إنسانيتك، وتوقن بأنك مخلوق
لا تملك لنفسك نفعاً ولا ضراً، فتقودك فطرتك للالتجاء إلى الخالق –عزو جل- تطلب منه كشف الضر عنك.

حينما نصاب بمرض ما، ويستنفد ذاك المرض البسيط العابر طاقاتنا فتضمحل قدراتنا، ونوشك أن نتداعى ونتهاوى لولا بعض صبر يصبرنا، حينها نذكر سيدنا أيوب عليه السلام وصبره العظيم على مرضه حتى ضرب به المثل: "يا صبر أيوب" فيعظم في عينك مقام النبوة وتضحياتهم فيكونون لك قدوة.

في المرض تشعر بذاك الخيط الرفيع بين الصبر والمقاومة والثبات واليقين بالله، وبين الاستسلام والضعف والخور وتزعزع الإيمان، ذاك الذي يدفع البعض للانتحار منهيا حياة ليست ملكا له، وهنا تـتـذكر قصة الرجل الذي شارك في غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبلى فيها واشتد على المشركين حتى قال الصحابة: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إنه من أهل النار. فجُرح الرجل جرحاً شديداً فاستعجل الموت فوضع نصل سيفه بالأرض وذبابه بين ثديـيه ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه!

المرض والوهن مرحلة تدعوك للتفكر في ماضي أيامك وسالف أعمالك؛ لأنها تنقلك من حال القوة والشدة والاعتداد بالنفس وقدراتها وكبرها وغرورها إلى حال ضعف ووهن وتهاوٍ واستكانة، تجعلك تقول، إن لامست فيك الفطرة النقية: "رب ارجعون لعلّي أعمل صالحا فيما تركت" (سورة المؤمنون. الآية 99). تقولها قبل أن تغرغر فيك الروح؛ لتستدرك ما فاتك وتستثمر شبابك وصحتك وفراغك.

يغزوك مرض بسيط كإنفلونزا أو رشح أو صداع أو نوبة حساسية، فتجد أعضاءك تتهاوى، وروحك تكاد تفارق الجسد المنتفض، وتستغيث بالخالق وتطلب العون ممن حولك من أهل وطب ليخففوا عنك.
وما هي إلا أيام ويتعافى البدن وتسترد الروح والقوة، فتتذكر حينها إخوة لك ابتلاهم الله تعالى بمرض مزمن يفتت الأوصال، ويقطع القلوب، ويغير الوجوه، ويوهن الروح، فتدعو لهم من قلب صادق شفوق متدفق أُخوّة: اللهم اشفهم وعافهم وارزقهم صبرا وثباتا وأجرا وعافية وغفرانا.

قد يضطرك المرض للمكث أياما في المشفى، فتترك خلفك مُكرهاً أطفالك يشعرون بفقدك، يحنّون إليك وتسمع أصوات بكائهم، وأنات اشتياقهم، فتتعجل الشفاء لتعود إليهم، تحتويهم بين ذراعيك. تقبلهم وتشمّهم، وتُضحِك دمعتهم لتنهمر دمعتك على من قدّم روحه رخيصة لينال حرية سلبت منه غصبا وقهرا وذلا، وخلفه أطفال ما عاد يراهم، ولن يستطيع مسح رؤوسهم ولا تقبيل وجناتهم، فترخص الدنيا في عينك ويعظم عندك الفداء والتضحية.

D 25 تموز (يوليو) 2011     A ظلال عدنان     C 14 تعليقات

7 مشاركة منتدى

  • ليس المرض وحده ما يوقظ فينا حاجتنا و ينبهنا الى ضعفنا و انما الخوف من الحرمان ، كلما فقدنا شيئا عزيزا أحسسنا بقيمته او الحقيقة اننا حتى لانحس بقيمة نفسنا البسيط الا بالاصابة بالانفلونزا و لانستطيع التنفس براحة فنتنبه الى نعمة كنا فيها . و الاكثر من الم المرض هو الخوف من ان لايزول و ان نبقى طريحي السرير . اليأس راحة و اصحاب المرض المزمن لايعانون هذا الخوف و القلق فقد سلموا بابتلائهم و تجرعوه صابرين موطنين النفس على ماهم فيه .


  • الصحة و المرض المعادلة الاصعب فمن اجاد استخدام الصحة افلح ومن صبر على المرض نال الرضا في الدنيا والاجر والثواب في الاخرة
    امام من قدم الروح رخيصة لجنة الاخرة والحرية والعزة في الدنيا فهذا حال الابطال الشجعان
    ابجدية الحياة والموت والصحة والمرض تحتاج لدراسة والتأمل حتى ندرك مفاتيح النجاح ولكن النجاح لا يحالف ألا الاقوياء
    دمت ودام قلمك المبدع


  • لا أتمنى لكِ يا سيِّدتي إلاَّ الخواطر الجميلة، يعزِّزُها رجاءٌ باللهِ لا ينقطع.. أنا مُقَصِّرٌ مع نفسي وربِّي، لكنني مؤمنٌ أن دعواتي مستجابة، وأن الخلاص بالله وحدَه... أسألُ اللهَ لكِ الصحة.. وسعادة تضيقُ بها الدنيا.


  • فعلا الصحة تاج على رأس الأصحاء لا يراه إلا المرضى، ويأتي المرض إمتحان لقدرة الإنسان على الصبر وقوة إيمانه، كإبتلاء الله لأيوب عليه السلام ‏ يقول الله تبارك وتعالى:‏ (واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أنى مسنى
    الشيطان بنصب وعذاب) (41) (سورة ص).
    أتمنى لك ولعائلتك الكريمة دوام الصحة والعافية.. وكل عام وأنت بخير.


  • نقلت سيدتي إحساسا مر بنا فأحسسنا بضعفنا ..بعدما تهاوت قوتنا أمام المرض..

    فطوبى لمن حمد الله على ما أصابه..فلعمري..تلك هي المنح التي تغسل ذنوبنا ..وتعيد لنا

    فطرتنا التي افتقدناها في زحمة اختلال القيم...

    شكرا


  • عرض مقالي رائع يا ظلال.. هو الانسان على ما خلقه الله، يحمل جسداً قابلاً للعطب وقابلاً للشعور بالوهن والألم والإعياء، قد يرمم ذاته في قدر محدود، وقد تنفرط مقاومته لأقصى الحدود، إنما تجربة الانسان مع مرضه آنياً كان أو مرضاً عضالاً ينهك البدن والروح، هي اختبار لصبر الانسان وقوة احتماله، فالمبتلي واقع تحت الأمر الواقع وليس له حيلة إلا الصبر والاحتمال إلى أن يقضي الله في مرضه إن شفاءاً عاجلاً أو معاناة طويلة يعقبها شفاء أو يعقبها الموت، وكلاهما حق، الانسان في مرضه وخوفه وخور أعصابه ضعيف البدن والروح تنخفض معنوياته إلى الأدنى قدراً، فتعترف نفسه بقدرة الله على شفاءه وتخليصه مما فيه، فيلجأ إليه ضارعاً مسترحماً ويدعوه خالصاً مستشفعاً، الطبيعة البشرية في فطرتها متشبثة بالحياة، ولا يلجأ للخلاص من حياته إلا ذلك الذي طال داءه لعقله ووهنت أعصابه وخر صريع هلوساته، فلا يقدم على الموت إلا من مات فيه الاحساس،وعرش في داخله الوهم، فزين له الموت خلاصاً وما هو بخلاص، فالعذاب ينتظره على المعابر، فقد انتهك حرمة الروح، ولم يحفظ أمانتها.. اللهم عافنا واعف عنا واجعلنا من الصابرين القانتين المتوكلين، الراحمين العافين المتعافين


  • أمراضنا هي إسقاطات الواقع على أجسادنا ورغم ذلك فحصانة الأرواح هي المضاد الحيوي الوحيد للجم الأسقام....