محمد محمود التميمي - الأردن

قليل من ذكرى


محمد التميميلقد مرض حاسوبه وأصابه "فايروس" عجزت معه جميع أنواع العلاجات وأقراص برمجيات مكافحة الفايروسات، وأخصائي الكمبيوتر، ومقاهي الإنترنت من علاجه، فلم يعد أمامه إلا آخر العلاج: "الفورمات"!

بدأ بعملية نقل الملفات الواحد تلو الآخر من الحاسوب للذاكرة الخارجية، ووجدها فرصة سانحة لتنظيم الملفات وترتيبها، وحذف غير الضروري من برامج، وكتب الكرتونية، وأغان، وصور.

فتح ملف الصور، لقطات تستعرض تاريخه، فهذه صورة لأرضية مسكنه القديم تظهر فيها طرف قدمه بالجورب الأخضر التقطها في أول استخدام لآلة التصوير، يمر سريعا على صوره الأخرى المصفوفة طويلاً كأبواب البيوت المتراصة في حيه القديم، حيث وراء كل باب مكان مختلف، أناس مختلفون وحكاية أخرى.

بدأ بعرض بعض صور التقطها لنفسه في أولى خطوات الغربة، حيث كان لكل شيء شكل آخر ولغة أخرى، حتى الأشجار والورود كانت بحق ملونة! كان يشعر أن "هايدي" ستظهر له من بين البيوت، أو سيقع في حب "ليدي"، أو أن "ساندي بل" ستوصله بالحافلة التي تمتلكها إلى حيث يسكن، كان ببساطة مندهشاً بكل شيء ... وقتها!

صور أخرى تحمل ابتسامات وضحكات، تحمل وجوهاً فارقته بعد صحبه، وتعاقب الزمن عليها واختفت، فلا اتصال ولا مراسلة. وجوه جاءت متعجلة وبقيت بعد انصراف الجميع، ووجوه كثيرة يعرف بعضها وأسقط بعضها من الذاكرة بعد أن أسقطه من القلب. وجوه ركبت معه في قطار الحياة، وآخرين انضموا. بعضهم وصل لمحطته، وآخرون فاتتهم المحطة. بعضهم لحق بالقطار متأخراً وآخرون فاتهم القطار.

ذكريات كثيرة فاضت بها جنبات عقله، وذكريات فشل في استرجاعها لأن آلة التصوير لم تكن هناك لتحفظ له الذكرى وتجمدها ليستعيدها لاحقاً ويدخلها في فرن الحنين، لتذيبها نار الشوق، ويتناولها طازجة ساخنة كأنما حدثت لتوها.

كثيرة هي الذكريات ولا نستعيد منها سوى القليل، كثيرة هي المواقف الحزينة في الحياة ولكننا لا نسترجع إلا اللحظات القليلة الجميلة. نعود بذكرياتنا ونضيف عليها بعضاً من بهار الكلام لنجعلها أكثر جاذبية، أو نسترق شيئاً من الأفلام لتصبح أكثر متعة، أو ننسج بعضاً منها من محض خيالنا ونؤكد لأنفسنا ولمن ملّ من سماع حديثنا أنها لابد حدثت، وإن لم تحدث فلا يهم فهي مجرد ذكريات.

قليل من ذكرى يلزمنا لنعيش على أمل العودة لأيام الزمن الجميل، الزمن الذي ينعم بالبساطة والطيبة والإنسانية. نحلم برجوع تلك الأيام رغم أننا نقر في أنفسنا أنها كانت معقدة متشابكة، تكاد تخلو من أي طيبة أو إنسانية، والأهم أنها لن ترجع أبداً.

يلزمنا قليل من ذكرى لنبتسم عندما نخلو بأنفسنا، يلزمنا قليل من ذكرى عزيز فقدناه لنشعر أنه يعيش بيننا رغم غيابه، قليل من ذكرى يلزمنا لكي لا يَصُمّنا هدوء الغرف المعتمة في لحظات ما قبل النوم، قليل من ذكرى يلزمنا لنتحمل كثيراً من الهموم، قليل من ذكرى نحتاج لنعيش. فقط قليل من ذكرى.

D 25 أيار (مايو) 2012     A محمد التميمي     C 15 تعليقات

8 مشاركة منتدى

  • النصف الأول من السرد مدهش وفيه نفس قصصي جذاب ووصفي حافل بالتفاصيل ، ولكن الكاتب في النصف الثاني يفقد الزخم ويحل محله سرد انشائي تقليدي لا يثير الانتباه او الفضول !


    • الاستاذ مهند
      أشكرك على المديح كما وأشكرك على النقد، سأرى ان كان هناك من يشاطرك الرأي لأعيد النظر بهذا الأسلوب من الكتابة. وأرجو من الجميع المشاركة برأيه.

      ان شاء الله النصوص في المرات القادمة ستكون أكثر متعة بالنسبة لك.

  • أنا أتفق مع الأستاذ مهند. حيث أني فقدت التركيز في النصف الثاني و صرت كمن يجبر نفسه على انهاء طبق طعامه.


  • السلام عليكم
    قليل من الذكرى ولّد الكثير الكثير من الذكريات .. هو عمل أدبي احترت في تصنيفه ما بين القصة والخاطرة واللفتات فهي تبدأ بالقص وتنتهي بلفت النظر، لن أقوم بتقسيم القصة إلى أجزاء فليس هناك خطوط تفصل بين الانتقالات .. إنما وجدت الكاتب بتنقل بسلاسة أفكاره بين المواضيع فكانت النهاية كأن القارئ هو من فكر .. هو من تذكر .. وهو من وصل للنتيجة .. كأن الكاتب أراد إيصال فكرة بإيضاح كل ما تعلق بها ثم يقنعك بها ..

    جميلة هي مقاربتك بين عملية (الفورمات) وما يدور في خلد المرء من ذكريات مسح منها ما مسح .. وأبقى ما أبقى .. وضاع منه ما ضاع !! وليت الإنسان قادر على الاحتفاظ بما أراد .. ومسح ما أراد.
    بشكل عام وجدت جمالا في التشبيهات .. وكنتَ موفقا في نقل ما شعرت به بأسلوب أدبي رائق.


    • الأستاذة دعاء
      شكرا جزيلاً على هذا الاطراء والدعم المعنوي والفني كذلك. وأشكرك جدا على جميل ما شعرت به وما توصلت له وما قلته عن النص وهذا التحليل المبدع الذي سيساعدني في المستقبل ان شاء الله لتقديم نصوص أكثر رقيا وابداعا.

  • أود التعليق ضمن نقطتين مستقلتين:

    أولاً: أعجبني التشبيه بالحاسوب و الذي (في رأيي) استمر تأثيره حتى النهاية ، ولكن شهادتي لهذا التأثير قد تكون منقوصة لقدومها من شخص متعلق بحاسوبه لدرجة كبيرة ، وربما يكون في هذا تشابه بيني وبين الكاتب جعلني أرى ما لا يراه الجميع .

    ثانياً: تعقيباً على موضوع الذكريات ، أرى نظرة تفاؤل في استعادة الذكريات السعيدة واستبعاد غيرها ، حيث يشكل "الفورمات" نقطة تحول هامة يتم فيها اختيار ما سينتقل إلى المرحلة القادمة وما سيمحى إلى غير رجعة .


    • أخي وصديقي الدكتور أيمن

      شهادتك عن الحاسوب ليست مجروحة، لاننا أنا وأنت نتشابه بهذه الصفة، كيف لا وأنا تتلمذت على يديك على الحاسوب. بالنسبة للنقطة الثانية فالتفاؤل مطلوب في كل مناحي الحياة والذكريات جزء من الحياة.

      أشكرك يا أخي العزيز على التعليق.

  • الأخ الفاضل محمد التميمي: قد أختلف مع البعض وأتّفق مع البعض في النقد سلبا أو ايجابا لكنّ ما أود ذكره هنا ان الذكرى لها أوجه مختلفة فمنها مانودد فرمتته والخلاص منه ومنها مانود الاحتفاظ به على قرص وهكذا لذا لاأعتقد انّ اصرارك على الحاجة للذكرى كبديل للسعادة كان مناسبا, النص والفكرة مبتكرة وجميل جدا أن يستخرج الانسان من مهنته أو تجربته الخاصة الخ نصا أو قصة, مع أمنياتي بمزيد من التقدّم والنجاح.


    • الدكتورة أمل،
      الذكريات هي حياة مررنا بها وفيها جميع انواع اللحظات سعيدة وحزينة، الذاكرة لن تحل مكان السعادة ولكنها قد تكون المكان الذي ننزوي اليه لنجلب لانفسنا بعض السعادة خصوصا اذا عز مطلبها في الحاضر.

      تعليقك الجميل لم يكن ذكرى، بل هو واقع يجلب السعادة ... شكرا على التعليق.

  • عجيب اننا لانصاب بعطل فايروسي او بكتيري رغم كم الذكريات و الالام و التجارب التي نعيشها .هذه هي الحياة ولكننا نتمسك بكل لقطة كأنها اخر العمر ويهمنا الاخر وكانه فعلا الاخر ولا انسان بعده . في الحقيقة حياتنا هي التي تحتاج ليس الى فرمته من كل الاشخاص الذين اخذوا منا بدون ان يضيفوا الينا و من كل الاحداث التي تتآكلنا لان هناك برامج اعادة الملفات التي خضعت للفرمتة و ذاكرتنا احد منها واقسى حيث تذكرنا بكل لحظة فرح بما ينتظرنا من خوف وألم . نحتاج الى قرص جديد لم تلمسه يد "انسان" سواء كان آخر او اخرى.هل من متبرع ؟


  • الذكريات لحظات يتوقف فيها الزمن

    التذكار عبارة عن لقاء بشكل آخر

    والنسيان نعمة وتحرر من أسر الذكرى

    فلولا ان الذاكرة تنسى لجن الانسان

    و ها انت حفزت الذاكرة وجعلتني انبش في الماضي,,

    دمت بخير


  • عادة ما يكون المجنون انسانا غير مرغوب فيه في المجتمع، كما يشكل مصدر خجل للاسرة المنتمي اليها. فطوبى للمجانين اذ حظيوا باهتمام كالذي اوليتهم اياه.

    قال جبران خليل جبران:" لا يكسر الشرائع البشرية الا اثنان: المجنون والعبقري.. وهم اقرب الناس الى الله"

    اشكرك واشجعك من الجزائر


في العدد نفسه

عن مبدع الغلاف

كلمة العدد 72: "عود الند" تبدأ سنتها السابعة

محمد بنعمارة: شاعر الحب الإلهي

تجليات الإحباط في تشكل الذات

قراءة في "الحياة أغنية"