أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 8: 84-95 » العدد 85 » موظفة الترويج

محمد محمود التميمي - الأردن

موظفة الترويج


محمد التميميتقف في وسط السوق بكامل أناقتها، مرتدية ابتسامة خفيفة وزي الشركة الذي يغطي شعارها كل ما حولها والجدار من خلفها . تعرض بضاعة وعروض شراء لها رغم عدم إقناعها بالبضاعة او عروضها ولكن "لقمة العيش". رغم هذا فهي تحاول إقناع الناس بها بكل الطرق، حتى في بعض الأحيان تضطر لأن تخلق كذبة بأنها ستأخذ هذا العرض لنفسها لو لم تكن قوانين الشركة تمنعها.

جلس على طاولة في مقهى قريب، وبدأ يراقب تحركاتها، علامات وجهها، انفعالاتها، ابتساماتها الجميلة عند إقناعها لأحد الزبائن بشراء قطعة، خيبة أملها من عزوف زبون عن الشراء في اللحظة الأخيرة، ولكن ما كان يؤلمه حقاً، أولئك الذين كانوا يومئون لها برؤوسهم أنهم لا يريدون الشراء أو يشيرون بأيديهم إليها لكي تصمت ولا تفكر حتى بالمحاولة معهم.

بقي يراقب، وإذا به يلمح شاباً، أقل ما يقال عليه أنه "أزعر"، يتهامس مع أصدقائه ويشيرون إليها ثم تنطلق منهم ضحكات مجلجلة تلفت انتباه كل من في السوق، وبعض قليل من الهمس واللمز، يتوجه هذا "الأزعر" بخطواتٍ بطيئة؛ ملتفتاً نحو أصدقائه بين خطوة وأخرى، مبتسما أو مشيرا لهم نحوها. وقبل أن يصلها بقليل التفت إلى أصحابه وضحك بقوة.

وصلها "الأزعر" وهو لا يزال منتشيا من الضحك، وبدأ يُقلِّب البضاعة المعروضة، فأتت هذه المسكينة إليه وبدأ الحديث بينهما. حاول من مقعده في المقهى أن يفهم الحوار الدائر بينهما قدر استطاعته، حاول أن يقرأ الشفاه ولكنه لم يستطع، حاول فهم تعابير الوجه ولم يفلح، فلم تغادر الابتسامة المصطنعة بعد وجهها. بعد بضع رشفات من قهوته أحس بوتيرة الكلام تزداد سرعة، واختفت الابتسامة فبدأ القلق يدب في أوصاله.

فجأة علا صوتها وصوت الأزعر، بدأت الدماء تغلي في عروقه فأخرج محفظته، دفع للمقهى وانطلق مسرعاً نحوها. ومع اقترابه منها بدأت ملامحها بالتكشف، ووجهها المحمر وأوداجها المنتفخة تدل على غضبها الشديد وصوتها يعلو مع كل خطوة يقترب بها، والأزعر لا يزال هناك يقف مستهزئا بها ناظراً ومن خلفه أصدقاؤه يشجعونه.

وصل بسرعة وبدون أدنى تفكير، وجه بقبضته اليمنى لكمة قوية للأزعر طيرت ثلاثة من أسنانه وبدأ بعدها تبادل للشتائم واللكمات قبل أن يتدخل رجال أمن المجمع التجاري ويفضوا المشكلة.

وقف يلملم نفسه، وينفض ما علق به من غبار المعركة ويعدل من هندامه ويمسح بعض الدماء النازفة منه ويتفقد أماكن اللكمات. تقدمت نحوه فلاحظ اقترابها وابتسم وسألها: "أأنت بخير؟" لم تبادله الابتسامة بل سددت لوجهه لطمة قوية، وقالت بكل عصبية: "ومن أنت لتتدخل وتدافع عني؟" وغادرت قبل أن ينبس ببنت شفة.

بقي متصنِّماً مكانه، دون أن يدرك ما حدث، بقي هكذا بضع دقائق وقبل أن يهَمَّ بالمغادرة، إذا بصوتِ عجوز كانت تراقب كل هذه الأحداث تقول له:

ومن يصنع المعروف في غير أهله - - يكن حمده ذماً عليه ويندم (1)

وضع يده على خده مكان اللطمة وتبسم للعجوز وقال:

وكم عذلتني العاذلات مخافة - - علي ويأبى ذاك عزمي وهمتي (2)

وغادر.

= = = = =

1= الشاعر زهير بن أبي سلمى.

2= الشاعر إبراهيم بن قيس.

D 25 حزيران (يونيو) 2013     A محمد التميمي     C 12 تعليقات

5 مشاركة منتدى

  • دكتور محمد التميمي
    لست حزينة على الشاب المظلوم، ولا على الفتاة التي أُستخدمت للترويج، بقدر حزني على المفاهيم التي قلبناها بأيدينا رأسا على عقب، او سكتنا على من فعل ذلك.
    ليصبح المعروف منكرا، والمنكر معروفا.

    شكرا لك
    قصة مؤثرة تستلزم التوقف والتفكير.

    تحيتي


  • نهاية ميلودرامية مصطنعة ولا تنسجم مع السياق !


  • أدهشتني هذه المرة بالنهاية التي لم أتوقعها كقارئة! فقد استعجبت من ردة فعل موظفة الترويج حينما قامت بصفع ذلك الشاب الشهم، نهاية موفقة جدا بالنسبة لي ﻷنها لم تكن تقليدية فلم نجد أن هذه الموظفة وقعت في غرام هذا الشاب الذي مر في طريقها، ولكنها هاجمته كأي شخص آخر وخاصة بعد هذه التجربة السيئة التي حصلت من الشبان الزعران، فنجد أنها ردة فعل طبيعية منها!

    كعادتك أبدعت التعبير، والتسلسل القصصي لديك جذاب لتكملة قراءة القصة، وما أحبه بكتاباتك أنها تصلح بأن تمثل على المسرح وخاصة هذه القصة.

    ننتظر منك المزيد


  • كتابة "مثيرة للفضول" ومسلية ولكنها تفتقد لبدبهيات السرد الابداعي والواقعية المقبولة، فمن غير المنطقي أن يوجه للأزعر لكمة قوية تطير له ثلاثة أسنان هكذا ببساطة وبلا ردة فعل متوقعة، وربما كان العكس أقرب للواقعية. انصح الكاتب باخلاص وود أن يراجع كتاباته ويتعلم من قصص وابداعات الآخرين حتى تنضج موضوعاته وتثير جدلا جديا حقيقيا. وأرجو ان اكون مخطئة بتحليلي هذا.


    • الاستاذة سيرين
      اشكرك على هذا النقد لنصي. ولكن لا أتفق معك في عدم منطقيته. فالنص مستلهم من قصة واقعية حدثت بالفعل. أما بالنسبة لرد الفعل فلو نظرت للنص مرة أخرى لوجدت أن الشاب والأزعر قد دخلا في مشكلة تبادلا فيها اللكمات والشتائم.
      أنا يشرفني التعلم من ابداعات الآخرين فالقرآءة للمبدعين هي سبيل للابداع كذلك.
      آمل ان هذا التوضيح قد غير رأيك بالنص.

    • بالمنطق لا يستطيع الا ملاكم مخترف تطيير ثلاثة أسنان بعراك عادي والأولى أن يقوم الأزعر بذلك كونه محترف مشاجرات ! لو جعلت بطلك يقع ضحية للأزعر لأحدثت اختراقا بالنص القصصي من حيث معقولية السرد وكسب تعاطف موظفة الترويج ، وربما تعجبها مبادرته للدفاع عنها وتعرضه للضرب والأذى من أجلها ، وقد تصبح هذه بداية معقولة لقصة حب !

    • الاستاذ محمود
      في البداية أشكرك لتفاعلك مع هذا النقاش ويفيدني جدا ما أثرته. ولكن اسمحلي ان اختلف معك؛ فلو نظرت للمشكلة من منظور آخر فالأزعر بحكمه أزعر فهو لا يكترث عما يدخل جوفه من مشروبات ودخان وأشياء اخرى قد تضر بأسنانه وتجعلها عرضة للكسر بكل سهولة. بالاضافة ان هذه التفاصيل ليست هي مغزى القصة.
      كذلك بالنسبة للنهاية فلو جعلتها كما أردت بأن تصبح قصة حب، لأصبحت قصة كلاسيكة ونهايتها متوقعة وبالتالي قد يمل القارئ بمجرد ان تتكشف له تلك النهاية التي تناولها عشرات القاصيين وبطرق اجمل. ولكن ما أردت ايصاله هو تلك النهاية غير المتوقعة التي تثير في أنفسنا هذا التساؤل: ما سبب خبو بريق الشهامة في مجتمعنا؟ أهو ما يلاقيه الشهم من ردات فعل مخيبة للآمال؟ أم ان الشهامة بدأت تختفي من النفوس؟

    • فعلاً دكتور محمد
      هذا ما شعرتُ به أثناء قراءة هذا المشهد، فتخيلتُ أنَّ أسنان الأزعر صفراء مشوّهة بالية، لو نفخنا عليها لسقطت! فالمشهد واقعي!

      ولو نظرنا إلى هذا المشهد بصورة أخرى فقد تكون عبارتك
      "وجه بقبضته اليمنى لكمة قوية للأزعر طيرت ثلاثة من أسنانه"
      لاستشعار القارئ مدى قوة هذه اللكمة باستخدام أسلوب المبالغة في سياق القصة، وهذه أيضاً قوة في الآداء الصياغي للقصة؛

      فالكاتب الناجح هو من تستطيع كلماته أن تصف المشهد بكل دقة ودون ملل، وتحمل الجمل بين طياتها المعاني المطلوب إيصالها للقارئ، إنه أسلوب السلاسة والبساطة.

      ما يعجبني في موضاعتك دكتور محمد أنها تفسح لنا التأمل والتفكير في الحلول لبعض المشاكل والعادات السلبية في مجتمعنا، فالكاتب يعكس لنا مجريات وأحداث هذا المجتمع، من أجل التطوير والتحسين.

      ننتظر منك المزيد دوماً

في العدد نفسه

كلمة العدد 85: ظاهرة اليساريين سابقا

مفهوم التناص: المصطلح والإشكالية

ابن المقفع وتجديد النثر العربي

التجريب في رواية المتشائل

الحقول الدلالية في قصيدة...