زهرة يبرم - الجزائر + زينب عودة - فلسطين

غزة: رسائل من قلب النار

أثناء العدوان الإسرائيلي الوحشي على غزة تم تبادل الرسائل الإلكترونية بين الكاتبتين في «عود الند» والصديقتين زهرة يبرم من الجزائر وزينب عودة من غزة. أدناه نص يعتمد على الرسائل المتبادلة. تم تمييز كلمات الكاتبتين بلون مختلف.

بدأت إسرائيل عدوانا عسكريا على قطاع غزة يوم 8 جويلية/تموز الموافق ليوم 9 من شهر رمضان الكريم 2014. بدأ القصف على اللحم الحي لأهلنا في غزة، وجاءت الصور مرعبة تملأ الشاشات. ليس هو العدوان الأول الذي يسلطه الاستعمار الإسرائيلي الغاشم على غزة، لكنه الأول الذي يمر علي ولي أحد هناك أعرفه. ويختلف الأمر كثيرا عندما يكون لك أحد في أرض تقصف.

كنت قد تعرفت على الكاتبة والمصورة زينب خليل عودة من غزة من خلال المجلة الثقافية الشهرية عود الند منذ ماي/أيار 2013. توطدت صداقتنا وأصبحنا نتبادل الرسائل الإلكترونية بانتظام.

لا يمكن أن أتكلم عن صداقتي مع زينب عودة دون الإشارة إلى هدية أرسلتها لي مع طبيبة زارت غزة ضمن وفد طبي. تصف زينب هديتها أو هداياها لي بالبسيطة والرمزية، بينما أجدها ثمينة وغالية، وأغلى ما فيها حفنة من تراب غزة، وأي شيء في الوجود أغلى من تراب الأوطان؟

مع أول القصف بادرت بإرسال رسالة إلى زينب: طمئنيني عليك، عسى أن تكوني والأسرة بعيدين عما يحصل. قلوبنا مع أهل غزة جميعا. اكتبي لي وحدثيني عما يحصل بالتفصيل إذا كان ممكنا. دعواتي لكم.

لم يصلني رد منها في وقت معقول، فقلقت وخفت عليها. لكني أوعزت ذلك إلى انقطاع الكهرباء أو خدمة الأنترنت.

بعد يومين جاءني ردها:

"الحمد لله على كل حال، كلنا في قلب الحدث وفى دائرة القصف. أمس كان معظم القصف حول بيتنا، وقد استهدف أرضا خالية مجاورة لنا فيها أطفالا يلعبون الكرة، فاستشهد طفلان منهما وأصيب آخرون. كان بيتنا يميل يمينا وشمالا، وأطفال أخي ماتوا خوفا وهلعا. لا تتخيلي ولن تتخيلي شدة القصف وصوته المرعب. شيء لا يوصف. تشعرين وكأن زلزالا يهز الأرض، يفتح الرأس نصفين. أما من كان مصابا بالقلب أو الضغط فتتدهور صحته إن لم يمت.

شيء وحشي، شيء بشع، مهما تحدثت لن أستطيع أن أصف لك ما يجري. نرجو من كل الشعوب العربية أن تخرج عن صمتها، أن تتظاهر على الأقل.

الطيران الإسرائيلي والمراقبة على مدار الساعة تحلق وترصد. إذا فشلت تقصف بيوت الناس على رؤوسهم، وإذا نجحت تقصف المقاومين وبيوت الناس أيضا. هذا ما استطيع كتابته لك، ولن تتخيلي الوضع مهما قلت".

غزة! يا وجعي! يا وجع الكلمات التي تأتيني منك! أسيرة الحروف أنا، حروف تسيل دما، أحدق بها، أرتعب وأسألها: وماذا بعد؟

أتخيل يا زينب ما يحدث لكم. ألله أولا معكم. أنا معكم في غزة بقلبي وعقلي، وكل الأحرار في العالم من عرب وعجم معكم. أنتظر أخبارك.

"سوف أحاول أن أكتب لك دوما يا زهرة. إنهم مجانين، قتلة، سفاحون. حسبنا الله ونعم الوكيل".

قصف ودمار ودماء بغزة، ألم وحزن ودموع بالجزائر. فارت العروبة من دمائي، عروبة لا تجدي نفعا، لا تحرر شبرا ولا ترد قصفا ولا تحفظ دما في غزة.

وتوالت علي رسائل المناضلة الصامدة زينب عودة من قلب النار، من غزة المرابطة. كانت معظم رسائلها إلي مصحوبة بصور رهيبة لضحايا القصف وللدمار الساحق للبيوت والمنشآت والبُنَى التحتية. إنها هجمة إسرائيلية شرسة ولاإنسانية على المدنيين في القطاع.

كنت خلال شهر رمضان الفضيل أتلقى منها رسالتين ليلا بانتظام، إحداهما بعد الإفطار والثانية بعد صلاة الصبح بتوقيت غزة، تتوافقان مع وقت المغرب ووقت السحور بتوقيت الجزائر. فصرت أعدل الزمن عندي على رسائل زينب.

"يستهدفون الأطفال ويستهدفون عائلات بأكملها. تقتل الأم والأب والابن والابنة. تباد عائلات بأكملها ويدمر البيت على رؤوسها. الحصيلة وفق وزارة الصحة الفلسطينية حتى الآن ستون (60) شهيدا وشهيدة وحوالي خمسمائة (500) جريح، معظمهم أطفال ونساء، أمهات وأبناؤهم، جراء تدمير البيوت على أهلها. هناك شهداء يصلون أشلاء ومتفحمين. هذه بعض الصور، فمعذرة على قسوة ما سترين، وهناك صور مروعة أكثر لا أدري إن كنت ستتحملين رؤيتها لذا لم أرغب في إرسالها إليك. قد لا تتحملين، فهل أرسلها؟"

لا تعتذري يا زينب عن قسوة ما أرسلت من صور، وليس أنت من يجب أن يعتذر. أنا من عليه الاعتذار لك. النعام الذي يدس رأسه في الرمل جبنا وخوفا وتواطؤا هو من عليه أن يعتذر لكم . العالم بأسره، والذي يشاهد علنا ما يحدث بشعبكم، هو من عليه أن يقدم الاعتذار. وحري بالزمن أن يتوقف لحظة ويعتذر لكم يا شعب غزة.

صديقتي المناضلة الصامدة زينب: وردتني رسائلك بكل ما تحمل من صور مروعة. نشرت ما أرسلت على صفحتي بالفيسبوك تحت عنوان: رسائل من قلب النار. لا تتواني عن الكتابة عن كل ما تشعرين وكل ما تلاحظين. اكتبي عن كل شيء، فالكتابة في لحظة الحدث تكون معبرة أكثر، وصبرا آل ياسر، صبرا أيها البواسل على أرض غزة.

"المشهد لا يوصف، الطيران الصهيوني يحلق على مدار الساعة. والحمد لله على كل حال. مظاهر الحياة تخلو في الشوارع. نتذكر أننا صائمون وعلينا أن نفطر ونؤدي صلاة المغرب. نجلس أمام الطعام، نحاول أن نأكل ولكن لا طعم لشيء. تشعرين أن كل شيء بطعم ولون الدم.

غارات وقصف ليلا ونهارا، جوا وبحرا ويهددون بالدخول برا. تسمعين طوال الوقت أصوات سيارات الإسعاف الفلسطينية مسرعة في الشوارع. هنا مثلا في شارع النصر وحي الشيخ رضوان قصفوا أمس منازل لعائلة (دبابش) بصواريخ تهز كل المنطقة وكل بيت، وأخذ الناس يكبرون: الله اكبر الله اكبر. ابنة خالي، منى، في خان يونس هدم بيتها رأسا على عقب ونجت وعائلتها بصعوبة. أبى الذي ترج يده بحكم السن باتت ترج أكثر وأكثر، وصار ينسى عند الفطور أنه صائم ولا يأكل إلا القليل.

هناك أمر لابد أن أشير إليه وهو أن بيوتنا متلاصقة. كل بيت بجواره عدد كبير من البيوت. أي حينما يقصف أحدها فإن عشرين بيتا على الأقل تتضرر إن لم يكن أكثر".

وجاءتني منها قائمة بأسماء ثلاثة وثمانين (83) شهيدا من الشهداء الأوائل، وذلك في اليوم الثالث للعدوان حين ما زال العدد قابلا للتعداد. أما الجرحى حينها فيزيد عددهم على خمسمئة وخمسين.

"لاحظي حين تقرأين قائمة الشهداء، تجدين عائلات بأكملها، أغلبهم أطفال وكثير من النساء. بالمشرحة تكون الأم بجوار الابن والابنة والزوج".

لا يدرك أهوال الحرب إلا من يعيش في مرمى القذائف والنيران، وزينب هناك تواجه قدرها.

"ليلة الخميس وصباح الجمعة (10/07/2014) هي مثل بعضها، طيران يحلق ويقصف طوال الوقت. أما الحديث الأهم، هل سيجتاح الجيش الصهيوني قطاع غزة برا؟ قطاع غزة الأكثر اكتظاظا بالسكان، الأقوى شبابا مقاوما ومدافعا، والذي سيقلب كل الطاولة على الصهاينة إن أقدموا برا. نحتفظ بمعنويات عالية وبصمود كبير رغم الصيام والحر وطول النهار. لم نعد نعرف النهار من الليل إلا حينما نتذكر أنه آذان المغرب ويجب علينا أن نفطر".

"بنك الأهداف الذي يتباهى به جيش الصهاينة هو نساء ورضع وأطفال ومسنين. زرت مستشفى الشفاء فوجدت أما ترقد على سرير، وابنها الطفل يجلس مقابلها على سرير آخر، بينما أقاربها يحملون زوجها وابنتها شهيدين على الأعناق كي يدفنا في المقابر. حتى المقابر لم تسلم من قصفهم. قصفوا مقبرة الشيخ رضوان بأربع صواريخ. وعلى سيرة الصواريخ، فإن كل صاروخ يلقيه طيران العدو يزن طنا، فهل تتخيلون؟"

زينب عودة غزةمتخيلون أنه ألقي على قطاع غزة ما يزيد عن أربعمئة (400) طن صواريخ من الطائرات والزوارق البحرية والمدافع؟ وقد ارتفع عدد شهداء العدوان والحرب البشعة على محافظات قطاع غزة إلى 92 شهيدا بعد ارتقاء الطفلة نور مروان النجدي 10سنوات في محافظة رفح، واستشهاد الصيدلي انس رزق أبو الكأس 33 عاما جراء استهدافه داخل منزله بمنطقة تل الهوا، وإصابة ما يزيد عن 600 جريح.

وزارة الصحة وكل المستشفيات تناشد العالم مد الدعم والعون لها، هي بحاجة إلى الدواء والأطقم الطبية العربية. أين أطباء العرب؟

يتذكر أبى وأمي كل الحروب التي مرت عليهما منذ سنة 1948، منذ نهب فلسطين والاستيلاء عليها واستعمارها. يقولان إنه لم تمر أيام أسوأ مما نحن فيه. كانا يومها يريان لحم الفلسطينيين في الشوارع وعلى الجدران. إلا أنهما اليوم يريان دماء، وأشلاء متفحمة، وبيوتا مهدمة غارقة بدماء ساكنيها كلهم . إن الصهاينة قتلة. لا يفهمون إلا لغة القوة وقتل الفلسطينيين.

صباح اليوم، الجمعة، يقال إنهم سيقومون بعملية برية. النصر لنا إن شاء الله، نطلب دعاءكم ونحن في رمضان المبارك".

= = = = =

اضغط/ي على الصورة المصغرة لمشاهدتها بحجم أكبر. التصوير: زينب عودة.

غزة: طفل جريح في المستشفى تصوير زينب عودة
غزة: طفل جريح في المستشفى تصوير زينب عودة
غزة: طفلة جريحة في المستشفى تصوير زينب عودة
غزة: طفلة جريحة في المستشفى تصوير زينب عودة
غزة: طفل يبكي تصوير زينب عودة
غزة: طفل يبكي تصوير زينب عودة

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 2959346

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC