أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 9: 96-107 » العدد 99: 2014/09 » محمد الصابر: الشاعر المولع بالأرض

جليلة الخليع - المغرب

محمد الصابر: الشاعر المولع بالأرض


جليلة الخليعمحمد الصابر شاعر مغربي مبدع. هو شاعر المكابدات وصوت الدهشة الشعري. له تجارب شعرية غنية، ونصوص تعمق فيها إبداعا، ونسج فيها حلمه وجرحه، فقدم لنا روعة تروينا. ولد الشاعر في مدينة الدار البيضاء سنة 1957. وحصل على الإجازة في الحقوق سنة 1980. ويعمل محاميا بنفس المدينة.

بدأ محمد الصابر الكتابة سنة 1974، ونشرت أول قصيدة له (إقرار) سنة 1980. له مجموعة دواوين من بينها : "زهرة البراري" (1989)؛ "الورشان" (1993)؛ "ولع بالأرض-1" (1996)؛ "ولع بالأرض-2" (1998).

عرّف الشاعر بنفسه وبالجيل الذي ينتمي إليه قائلا: "أنتمي إلى جيل آخذ في التشكيل، جيل قاطن في طيات الشعر، الموج وفي حركة الرمال، جيل مسكون بالدنو من الشعر، الدنو من الشعر فقط"(1). هذا الدنو يقربنا من روح شاعرة، من نفس إبداعي ينقلنا عبر أمواج قصائده، لنكتشف عمق الصورة المنقوشة بدقة في مخيلة شعرية، يظل الإبداع مركزها، ليتوجه القطر إلى حيث ما اقترب الشعاع من أنامل الحرف المتعدد القراءات.

اخترت لهذه القراءة نصا من نصوصه الموصولة بولعه بالأرض: "حكاية حلم"، ذلك الحلم الذي يدغدغ مساءات الحنين، وينفخ في كانون العمر خيبتنا الفائتة والقادمة. فلننصت جيدا لتراتيل نايه بحكاية حلمه.

الشاعر محمد الصابرحكاية حلم

مُخِيفٌ

تُداهم ظني

وتقتلني أيها الحلم أحيا

لتقتلني من جديد تنهش كل احتمال يضج

بملح الأنين

سلام على كل ظَن نهبته يا حلم

من جنة الحالمين

تبلل ورد أوهامنا

بماء أوهامنا

تعد الموائد لي

ثم تُنْهي احتفال الظّلاَمْ

سَلاَمٌ عَلى كُلِّ عُنْقُود شَكّ

سرقته يا حلم من لحظة

وسلّفتك صندوق أوجاعي الحالكات

فلَمْ تَرُدَّهُ يا حلم

ووريتك بساتين جُرحي

وأخبرتُ أَحفاديَ القادمينَ

من ناي ترحالهم

بِأَنَّكَ أنت الوَصي

وبَخَّرتُك باللُّبان قبل زفافك

وسرّحْتُ مَسْجُونَتك لِبِضعِ ثَواني

دفنتك يا حلم عندما مت تحت ضلوعي

ولملمت أسرارك في صرة

عن أعين الحالمين وخبأتها

وأوصيتك برماد جحيمي

ولم أخف عنك يا حلم حلما

والآن تحلم بي ؟

مُخيفٌ ظلامُك عالٍ وشيك

كَلاَّ

ابتعد أيها الحلم

خَلِّ روحي تُشيد برج جهالاتها

اسما وفعلا

للحلم حكاية، تداهمه، تقتله، ليدخل معه في حوار يرصد الشاعر فيها مكابداته. هو الحلم الذي منحه الصورة الكبرى بفضاءات التخييل المتعددة، ليطالعنا في لغة الشعر رؤية بدينامية الإبداع التي تتربص الفعل لتشكله بمقاسات المكابدة.

وبما أن العنوان يشكل العتبة التي من خلالها نستطيع الدخول إلى الفضاء الدلالي للقصيدة، فالتركيز عليه يعد ضرورة منهجية لضبط الشفرات الدلالية الواردة في النص. وعلى هذا الأساس نستطيع القول إن عنوان النص يحيلنا إلى بنية الذات الشاعرة، وحضوره الذهني الملتهب الذي جعله يحاور حلمه/ذاته، ليمضي مندفعا في قول ما لا يعرف صوب ما لا يعرف.

هي كتلة لغوية ذات أشكال وغايات متعددة يكتب شاعرنا ليتحرر من حلم ظل سجينا عنده، خاضعا لسطوته، منساقا لأوهامه، ليتمرد في الأخير عليه وليكون هو السيد الآمر الذي سيطرد الحلم من فضاءاته، ليترك روحه تشيد في روح جهالاتها، اسما وفعلا.

هذا الحلم تشكل بأفعال مضارعة مكثفة في صيغة المخاطب (تداهم؛ تقتلني؛ تنهش؛ تبلل؛ تعد؛ تنهي؛ ترده؛ تحلم)، وحضور ضئيل للفعل الماضي (سرقته؛ مت) لتثبت حضوره القوي الملفت للنظر.

ويوازيه ويقابله حضور مكثف للفعل الماضي في صيغة المتكلم (سلفتك؛ وريتك؛ بخرتك؛ سرحت؛ دفنتك؛ لملمت؛ خبأتها؛ أوصيتك).
هنا تغييب لشخص الشاعر، ليجعل من الحلم المتصرف في قراراته والناطق باسمه، وهو لا حولا ولا قوة له، ليستحيل صوت الشاعر عند التمرد على طبقة الأمر، ليمسك بزمام التحرر، ويسترد السطوة/السلطة.

هنا، من خلال هذه الدينامية التي كان محورها الحلم، نلمس النمط الإيقاعي في النص. وللتوازي والتكرار ما يقولانه. هذا الحلم تشكل اسما معرفا تارة، ونكرة تارة أخرى، واسما لفاعل، ثم فعلا. هي سطوة في أبهى دلالاتها، سطوة للحلم على ذات الشاعر المحلقة في مدارات الكتابة، ليرصد اتجاهات التحرر.

معمار إيقاعي استغرق بناؤه حركات التكرار المتتالية في النص، ليقبض فيها شاعرنا على اللحظة السحرية البيضاء بتلقائية حركة الأسماك في الماء. هو الآن في هذه الإيقاعية الإبداعية التي فجرتها طبول الحلم في النص "صوتا يمشي جنبا إلى جنب مع صداه ".

كان هذا إفشاء لأسرار الشاعر الشعرية، هكذا قالت كتابته في "حكاية حلم" الصمت بصخب، والصخب بفارغ الصمت. هنا قبض النص على الكون ليقول الحكاية تحت عباءة الحلم، ليكون الشعر حلما متعدد الهويات.

= = = =

محمد الصابر. 1998. ولع بالأرض-2. الدار البيضاء: دار القرويين.

(1) "الإقامة في طيات الموج". محمد الصابر. الأمسيات الشعرية التي نظمها بيت الشعر بالمغرب. أيار/ماي 2009.

http://poetemarocain.arabblogs.com/archive/2010/9/1264244.html
D 25 آب (أغسطس) 2014     A جليلة الخليع     C 5 تعليقات

5 مشاركة منتدى

  • هؤلاء الشعراء مُتْعِبون يا سيِّدتي، وغامضون أحيانا كثيرة في إدراك ما يرمون إليه وهم يتحدثون عن مراراتهم وخيباتهم المتلاحقة، وهي ربما من عوامل إلهامهم وإبداعاتهم. إن كان ينبغي أن أقول الحق ولا شيء غير الحق، فأشهدُ أن ما قلتِه عن هذه القصيدة، يتفَوَّق على مفرداتِها الفخمة المختارة بعناية لم تبلغ مدى ما وصل إليه بعضُ الشعراء، ممن عاشوا المنافي والحرمان وحرَّكوا عواطفنا بوتيرة أعلى- والأمثلة كثيرة لا تُعَدُّ ولا تُحصى. الشعرُ كالخمرِ أو كالعطر يُسْكِركِ أو يُنشيكِ. أو يبقى صناعةً في تقطيعٍ وأوزان غير مضبوطة ربما..؟ وعاجزة عن بلوغ مراميها في استنفار المشاعر، ولكن؛ تبقى لهذا الشعر حظوظ ليست قليلة من النجاح. وَوَرَيْتُك..؟ لعلَّ المقصود: وواريتكَ. القصيدة موضوع قراءتك تذكرني بمأساتي مع الشعر أيام مراهقتي- في نص كتبته وعنوانه: حب في الشتاء. نَشَرَتْهُ عودُ الند في عددها ال 45 شكراً.


  • جليلة الخليع
    سلام على نسيج كلماتك المختارة من اجود خامات الحروف
    سلام على حلم غفا تحت الجفون وقٌبٍر بين الضلوع
    ما ابدع ما اخترت وحللت واجدت
    لن اقول اكثر لقد جعلتني اغوص في اعماق شاعر
    ما عرفته إلا من خلالك
    سلم قلمك سيدتي
    هدى الكناني


  • أنا واع بمعاناتك ومحنتك مع الطبيب الشاعر عندما طردك على نحو غير لائق من جنة الشعر . لكن ليس في الأمر مشكلة مادام جعل منك قارئا نجيبا لنزار قباني .


  • أعترفُ بلا مكابرةٍ أو خجل إنَّها حَسْرَةُ المتنبي وخيبتُه مع الريح. لكنني مدركٌ ماهيةَ الشعرحينما يكونُ جنَّة أو جحيماً أو لا يكون.


  • منذ نعومة الحلم، خلال جراح سبعينيات القرن الماضي، رافقت عن كتب تجربة الشاعر والأستاذ محمد الصابر، بدأ بورشة لصياغة مسكوكاته، بدون بهرجة أو ضجيج... كبرت الورشة تحولت مصنعا، ثم فضاء لا يحده حد... تحتاج تجربته لأكثر من وقفة ولنبش عميق في النبض... كُتب عنه الكثير، الذي لم يفه للآن حقه... ولأنه مستغني عن ما ليس شعرا(كتابة وسلوكا ونصرة للمستضعفين)، فهو لايسعى إلى الجلوس تحت الأضواء... لقد اختار أن يرافع بالشعر عن الجميل والعادل والنبيل، وأن يرافع في ردهات المحاكم عن المظلومين...
    يقف أمام القضاة شاعرا... يقف أمام الجمهور محاميا، وفي الحالتين همه الأكبر قضايا العالم والانسان...


في العدد نفسه

كلمة العدد 99: عام دراسي جديد: نحو الارتقاء بمستويات التعليم

الجرجاني وتحليل النص

التواصل الحضاري في عالم متغير

مفهوم الأدب والأديب عند الرافعي-ج2

الفلسفة في قصائد النثر في غزة

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  النقد الأدبي والمنهجية

2.  على حافة الحرف

3.  إلى روح الإعلامية السورية سلوى الأسطواني

4.  الجزائر: ملتقى تكنولوجيا التعليم

5.  كلمة العدد 04: عن العددين الحالي والسابق


القائمة البريدية