زهرة يبرم - الجزائر

ظلال مشردة

كان مساء من الأماسي الأخيرة من عمر السنة الميلادية حيث يأخذ الصقيع أبعد مما توحي به الكلمة، والجو رمادي قاتم يخيم على المدينة ينبئ بموعد مع ليلة مثلجة. الهدوء المطبق يلف المكان المغطى برداء أبيض من الثلج، وهو كتلة آدمية تتحرك فوق الرصيف على غير هدى. عيناه تجولان ببريق غريب، تتفرسان في ملامح كل من يمر عبر الشارع العريض شبه الخالي من المارة، كـأنما تبحثان بينهم عن ضالة.

لقد غادر منذ زمن بعيد عالم الأحياء ليتطور في ضباب دائم. من سنين وهو يعيش في الأسفل، يعيش في الأنفاق، في البالوعات، في خراطيم القنوات، تحت الجسور وفي الحدائق العامة مع المشردين. حياته قلادة من الوساوس، مرحلة من مراحل الانهيار إن لم يكن الانهيار نفسه.

حين يمشي كأنه لا يعي لماذا؟ أو كيف؟ يجرفه الغالب الأعم من المارة في هذا الاتجاه أو ذاك، ويوقعه في خضم سيوله. لا يملك لنفسه فرصة التفكير فيما يفعل وكأن فكرة القطيع تسيطر عليه.

ثياب ممزقة متسخة، وشعر طويل أشعث مغبر مجنون. لحية غثة وفم غائر. وجه تعلوه طبقة من الدرن ومخترق على طوله بندبة منتفخة، مثقوب بعينين ضيقتين محقونتين بالدم وتتحركان ببريق نادر. عندما يقاطع الأطفال في الشارع يسارعون الخطى وبتلقائية يتباعدون. عادي جدا، إنه يعلم أنه مخيف، وأن رائحته درنا من بول ومن عرق.

اليوم هو ليس إلا ظلا متشردا؛ شبحا مغلفا بخرق ويتكلم هذيانا. يبحث عن شيء ضاع منه بلا جدوى. يتمالك نفسه واقفا بصعوبة. يجر نفسه أكثر منه يمشي، يترنح. إنه رجل بلا عمر كله سمك وقذارة.

فقد الشعور بسيف الوقت منذ زمن. ظلت الأيام تدور بدوران الأرض وظل يدور معها. أيام لا يعرف لا عدها ولا إشراق شمسها. لم يزل شابا ثلاثينيا، لكنه يبدو كأنما قد تخطى الخمسين بسنين.

صار ملقحا ضد نظرات الازدراء التي تشع من عيون الآخرين وتصفعه أنى سار واتجه. لم تعد تنكسر لها نفسه. بل صارت لامبالاته ولاوعيه يحميانه ضد الانكسار.

في الماضي كان له مسكن وله زوجة وحياة فكرية، لكن كل شيء ضاع منه، ويبدو أن ذلك كان منذ زمن بعيد. سنوات منذ أن غادر الحياة الاجتماعية للإنسان وصار يعيش كما في حالة سبات. اختفى عطر الأيام السعيدة في حجب السنين للأبد كأنه ما كان، ووضع على الماضي ستارا.

شارع مغطى بالثلجفي ذلك المساء المثلج أين بدأ كل شيء أو انتهى كل شيء لا فرق، رآها حين أطلت من ركن في أقصى الشارع تسير بخطى رشيقة على رصيف الجانب الآخر من الطريق، تتحسس همس الثلج حين يداعبه نعلاها بكعبيهما العاليان. تلف حول جسدها النحيل، كعود قصب السكر، معطف كاشمير أسود، وحول عنقها شال من الفرو الناعم. تنفخ من حين لآخر أنفاسها الحارة على يديها لتمنحهما الدفء.

على كتفها، في حقيبة جلدية، يغفو الماضي والحاضر وكثير من الأمنيات. أوراق ضمنتها حياتها التي عاشت وأحلامها المرتجاة، أوهامها المتخيلة وأمانيها المشتهاة.

لقد تعرف عليها. إنها هي مصدر كل خيباته. شلته الصدفة، لكنه سرعان ما تدارك نفسه. فالحياة إما أن تكون مغامرة جريئة أو لا تكون. وهذه فرصته التي ضيع سنين من عمره في البحث عنها. عليه ألا يعجز، أن يستبد في تصرفه ليتغلب على ارتباكه. تحسس سلاحه الأبيض في جيب سرواله المهترئ، وتنفس عميقا لينفذ انتقامه منها. لكن في أهم تقاطعات الطرق في الحياة ليس هنالك توقع.

لم يتوقع أن يتبدل المشهد في الشارع الطويل الخالي إلا منهما. لقد ظهر فجأة شخصٌ ثالث. وقف أمامها كمارد سقط من السماء. رفع في وجهها سكينا لمعت بين عينيها كبرق ساطع. ارتعبت وأطلقت صرخة حادة ومختصرة .

لا. صاح في سره. ما هذه الميتة التي أتمناها لها. على يدي أنا يجب أن تموت.

= "أموالك وما تملكين". أمرها النشال صاحب السكين.

أعطته هاتفا وحلية ونقودا، فاستولى عليها وانتزع منها حقيبتها. لم تقو على مواجهة نظراته ولم تعرف كيف تخفي رعبها فأغمضت عينيها. امتدت يده لتنزع من عنقها عقدا ذهبيا، بينما هي تتلو آيات قرآنية لتحميها، ولتُثَبِّتَ اهتمامها بشيء في انتظار أن تتوارى تلك اللحظات العصيبة وتصبح ذكرى سيئة.

سيغادر، لقد حصل على كل ما يريد، هاتف وحلي ونقود. قَتْلُهَا لن يقدم له شيئا. لكن حين فتحت عينيها لم يزل الرجل هناك مسلح اليد بنية أن يطعنها. لم يكن لها وقت للتحرك.

كانت تنظر إلي السكين التي ستقطع رقبتها كمتفرجة عاجزة. غريبة، هل هذه هي حياتها؟ يقال إن الإنسان حين الموت يعاود رؤية أهم محطات حياته معجلة. لكنها لم تستعرض إلا مشهدا واحدا. صحراء ممتدة لا تتبين فيها إلا وجها واحدا متميزا. وجه رجل مهم في حياتها لكنها لم تعرف كيف تحافظ عليه.

أغمضت عينيها. لقد ماتت. لا ليس بعد. أحدهم ظهر فجأة من العدم. رجل متشرد. هل جاء ليهاجمها هو الآخر؟ كلا. لقد فهمت أنه جاء لينقذها حين ارتمى على النشال كوحش بري هائج. حماها بجسده فاستقرت طعنة السكين في صدره.

انهارت قواه فانهار على الرصيف المجمد، وانهارت عزيمته على الانتقام.

شيء ما انكسر بداخلها. موجة من الحرارة أغرقت كل كيانها. لم تكن تعلم بعد إن كان ارتياحا أم حرقة. هل اندلع أمل أم ألم ذاك المساء؟

تلون نقاء الثلج بدماء قانية، وغرقت صحراء روحها في ظلام الليل، واستمرت ندف الثلج يتساقط على الشارع الطويل وعلى قلبها بثقل وصمت.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3180302

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC