أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 2: 13-24 » العدد 17: 2007/10 » عنوان حياة ونصان آخران

جعفر أمان - السعودية

عنوان حياة ونصان آخران


عنوان حياة

اعتاد أن يسقيها من روحه وأنفاسه قبل أن يسقيها الماء. منذ صغره وهو يأنس بجوارها. يبثها في غالب الوقت شكواه وآلامه. إحساسه بالوحدة هو العنوان العريض لحياته برغم من حوله.

عندما كبُر وضعف -ومع تغييب الموت لآخر أفراد عائلته- لجأ إليها. وفي هذه المرة أسند ظهره إلى ظهرها وكأنه ينتظر دعمها. بعد أن اطمأنت روحه قليلاً. استدار نحوها، وأفرغ كل ما لديه في جوفها. ثم احتضنها، لكن خصرها العريض أبى الإحاطة به.

رجع خطوات حتى يتأملها كاملة. عاد أدراجه صوبها، أمسك المقص، وبدأ يهذب أوراقها وأغصانها، عله ينهي بذلك أزمة أنفاسها المكتومة كأنفاسه.

طلاق عقل وجسد

سئمت من الحياة. راحت تفتش لها عن معنى لاستمرارها في هذه الدنيا. أينما تحل ترافقها الكآبة والإحباط، بعد أن كان المرح وخفة الدم هما رفيقتاها. صدرها في ضيق دائم. أفكارها مبعثرة وعقلها مشتت. تحس وهي تمشي بأن ثقلاً لا متناهيا يتربع على كتفيها. يبعثر خطواتها، ويعيق مشيتها، ويزيد من عللها الجسدية بعد أن استفحلت عللها النفسية. وتشوهت ملامح الطفولة والطيبة فيها.

عانت في هذه الفترة كما لم تعان من قبل. البداية، فقدان ابنتيها. وبعدها ضياع حبها بضياع وفاء وإخلاص زوجها لها، حيث أركب عرشه المتهرئ امرأة أخرى. وليته اكتفى بما ارتكبه من حماقة، لكنه في غمرة هذه التقلبات التعسة والآلام المحزنة كتب النهاية. ورقة ملخصها:

"أنت طالق." تطلق على إثرها عقل المسكينة، ثم جسدها ودفنا معاً. لكن سيرتها بقيت. لم تدفن بعد.

حبات الطماطم

يسعى وراء رزقه. فجر كل يوم يملأ سيارته الصغيرة عن آخرها بأنواع الخضار كل حسب وقته من الموسم. ينقلها إلى السوق الكبير ليبيعها.

ذات يوم، استقل كعادته سيارته نصف النقل، بعد أن ملأ جوفها بالطماطم، وتوجه إلى السوق في ذات الطريق المعتاد. وهو يهم بالتحرك بعد أن أضاءت له الإشارة لونها الأخضر، وفيما سيارته تمشي الهوينى من ثقل ما فيها. غدر به أحد أولئك الشباب الطائش. اصطدم به فهشم جزءا من سيارته المتهالكة، وتناثرت أمام عينيه حبات الطماطم الحمراء. لم يتألم لما حدث لسيارته كما تألم لمنظر حبات الطماطم وهي تتساقط على الأرض، والسيارات المسرعة تدوسها بغير رحمة.

دون وعي وبلا اكتراث بتلك السيارات، نزل من سيارته وبدأ يجمع الصالح من تلك الطماطم، ثم يتوجه للصناديق التي تملأ سيارته، فيصفّها برفق الواحدة تلو الأخرى، وكأنه يجمع رزقه الذي تبعثر، غير مبال بأن تدوسه إحدى السيارات كما داست طماطمه.

D 1 تشرين الأول (أكتوبر) 2007     A جعفر أمان     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  دعوة للحياة: ح 5

2.  أرض وسماء: قراءة

3.  مقتطف: حوار مع إميل حبيبي ورؤية لأعماله

4.  جان جينيه (*): الجندي العاشق

5.  بيرم وانتهاء دولة الشعر