محيي المسعودي - العراق

لعنة الأحمر


حدثني رجل يدعى الخيططال من مدينة القيلقال، قال: عندما صدر القرار التاريخي بأن يكون لون المدينة كلها أحمر، يومها كنت قد قرفت هذا اللون الذي لبسته أعواما اتقاء لوباء الحصبة. ولكن القرار كان صريحا وواضحا بأن لا مكان لغير هذا اللون ما دام يوحد المدينة. لم يكن القرف من هذا اللون وحده ما كان يمنعني من اتخاذ اللون الأحمر جلدا ولباسا لي، بل كان هناك سبب آخر، وهو أنني مثخن بالجروح النازفة في الداخل والخارج، واحتاج إلى لباس أبيض، وقلب أبيض أتبين من خلاله مدى نزف جروحي، والمكان الأكثر نزفا حتى يتسنى لي معالجته.

بضعة مسامير قاسية دقها نجار المدينة في روحي كي يثبتها على مشجب حب صاحب اللون الأحمر، وثمة أزاميل حفرت لحمي لتعلق على جسدي اللافتات الحمراء التي تحمل شعار المدينة الحمراء وقائدها الأحمر.

بالمناسبة لم يكن لون القائد أحمر، بل كان رصاصيا، ولكن لعنة إحدى الرصاصات طاردته حتى تحول لونه بالكامل إلى الأحمر. وحتى لا يعاب عليه هذا اللون ولا يسمح لأحد بان يطلق عليه لون اللعنة، قرر القائد أن تكون المدينة حمراء. لم يجد الناس بدا من تبني اللون الأحمر، وهؤلاء بدورهم شعروا بما شعر به القائد، ولكنهم كانوا يقرفون اللون الأحمر، ويتحينون الفرص لخلعه في الحمامات والأماكن المظلمة وفي كل مكان لا تصله عين القائد. ولكن كل هذه السلوكيات لم تكن كافية للتخفيف من الضغوط النفسية والجسدية الهائلة التي يعانونها.

فر البعض إلى مدن كثيرة بعضها تبنت لونا موحدا: ازرق، اصفر، أحمر، أبيض، أسود. والبعض منها لم تصلها هذه اللعنة، فكانت الألوان فيها تشكل مساحات متباينة يتحكم فيها القدر، وريشة الفنان المبدع الذي يرسم المدينة. بعضها ابتعد عن التشخيص تماما ودخل عالم التجريد معتمدا الألوان وتعددها لغة له.

صحيح أن الشيوعية وبعض التنظيمات تبنت اللون الأحمر شعارا، ولكن الأمر كان سياسيا بالنسبة لها ولم يكن مرضيا كما في المدينة التي أتحدث عنها،

في الليل، مع الانعدام الأبدي للضوء في المدينة لم يكن للون الأحمر حضورا قويا، إذ يتحد هذا اللون مع اللون الأسود وألوان أخرى، فتصبح هذه الألوان لونا واحدا أصله أحمر، وواقعه أسود، أو لونا آخر عندها.

كان الأحمر الأسود يصطاد بسهولة اللون الأبيض، وكثيرا ما تم إطلاق الرصاص على الميتين لأن أكفانهم كانت بيضاء. منع الحليب ومشتقاته عن أهل المدينة ما لم تدخله صبغة حمراء. حتى الرضع من الأطفال صار يمنع عليهم حليب أمهاتهم بسبب لونه الأبيض.

الوحيد الذي بقي محافظا على لونه هو "الرصاصي،" ولكن بشرط أن يظل في أرحام العبوات، وإذا ما خرج من هذه العبوات فلا سبيل له إلا التلون بالأحمر، ولا مكان لتلوينه بهذا اللون إلا بتحميضه داخل جسد إنسان ذي لون غير الأحمر، لكي يمنحه ذلك دم الجسد هذا اللون، ولكن بشرط أن تكون المادة الخام للرصاص، وعملية الإطلاق والتحميض على حساب عائلة الجسد المحمض-بكسر الميم. حتى الكلمات كان يجب أن تخرج حمراء بعد تحميضها داخل القلب.

تخيل أنك تعيش في مدينة حمراء: كل شيء فيها أحمر، فانظر كم من الضغط العصبي والنفسي والجسدي ستعاني. لا بد أن تكون ساعتها ثورا إسبانيا هائجا لتصبغ جسدك رماح المصارعين بدمائك. بقيت أنزف طوال سنين، لم احتج ملابس أبدا لان الدماء النازفة شكلت طبقة حمراء مسودة واقية، وهي بمثابة ثوب يعشقه قائد المدينة لأنه يقترب من لونه –اللعنة.

ولكني ولسوء الحظ سقطت ذات يوم في نهر ماء عظيم تحرسه الآلهة ولا تكفيه دماء المدينة كلها ليكون أحمر. لقد سلبني الماء لوني الدموي وخرجت بجلد أبيض كالحليب، تماما كروحي التي كانت تطارح الشمس الغرام سرا. وعندما رآني جنود القائد الأحمر وأنا اخرج من النهر بلون أبيض وبقدرة قادر وبسبب هطول المطر أفلت منهم.

الحقيقية أن المطر هو الذي أرعبهم بقدرته على إزالة لونهم الأحمر. وبقيت اركض تحت المطر وازداد بياضا حتى أنني ذهلت من بياض لوني وأنا أتطلع في المرآة التي عثرت بها بعد أن شقت قدمي لأرى أن لون دمي هو الآخر قد تغير وتحول إلى اللون الأبيض.

ولكن المفاجأة الكبرى كانت وأنا أقف على تخوم مدينة أخرى غير مدينتي الحمراء. كانت هذه المدينة ترفع اللون الأبيض علما وشعارا تماما كما يرفع الشيوعيون العلم الأحمر. عندها فرحت فرحا عظيما وقلت "سبحان الله" فبعد استعادة لوني الأبيض وجدت المدينة البيضاء. نعم لقد كانت الشوارع والأزقة والمحلات بيضاء، وحتى الهلال الأحمر كان لونه ابيض.

أطلقت لقدمي العنان لأتجول في المدينة عسى أن استرد عافيتي وأعود إلى ذاتي وطبيعتي ولأعوض السنين الحمراء الطويلة. بقيت هكذا حتى أنهكني التعب. وعندما ميلت على أحد الفنادق البيضاء كي أستريح ساعة، وجدت الفندق من داخله علبة حمراء قانية، تماما كما في مدينتي. يا للكارثة! كيف أخطأت وجئت إلى هذا الفندق المصاب باللعنة! قلت: "ليس مهما لأذهب إلى فندق آخر." وكانت المفاجأة أعظم: إنه مثل الأول تماما.

فتشت كل فنادق المدينة وبيوتها ومطاعمها، كانت كلها بيضاء من الخارجـ حمراء من الداخل إلا العلب الليلية كانت حمراء من الخارج بيضاء من الداخل. ولكني للأسف لست ممن يعاقرون الخمر والبغايا. سمعت أحدهم يقول سرا وهو يخاطب رفيقة لا بد أن نعلنها مدينة حمراء، عندها أدركت أن الوباء اللعنة قد وصل مدنا أخرى ومنها هذه المدينة، وإذا كنت قد نفذت بجلدي من مدينتي الأولى، فإنني في هذه المدينة سوف يسلخ جلدي حتى يكون لوني أحمر. عندها قررت الفرار مرعوبا إلى مدن أخرى، وكانت كلها على شاكلة هذه المدينة، كلها تتهيأ لان تكون مدنا حمراء، ربما هذه المدن تحترق. إذن فلا عاصم غير مدن الثلج في الشمال.

مرغما ركبت ريح الجنوب باتجاه الشمال هناك، كل شيء كان أبيض. رويدا رويدا أدركت أنه الثلج. ورويدا رويدا تحولت إلى تمثال ثلجي. عندها شرعت جروحي بالنزيف وبما تبقى من حرارة دمي تدفق هذا الدم ليحول التمثال الثلجي الأبيض إلى تمثال ثلجي أحمر. عندها أدركت أن لا خلاص من اللعنة، وقد نالت مني بعيدا عن مدينتي الحمراء.

D 1 آذار (مارس) 2007     A محيي المسعودي     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  هدية لعود الند

2.  شخصيّة معلّم الحكمة في روايتي "مرداد" و"اليوم الأخير" لميخائيل نعيمة

3.  هدية لعود الند

4.  عن لوحة الغلاف

5.  طيف لينا


القائمة البريدية