أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 4: 37_47 » العدد 44: 2010/02 » تركيا: ندوات النحت الدولية

عمر طوسوت - مصر

تركيا: ندوات النحت الدولية


عمر طوسونأصبحت تركيا قلب ندوات النحت الدولية بفضل مجهودات جامعات تركيا في المقام الأول، يليها جهد عدد من المحافظات التي أدركت الأهمية الكبرى لمثل هذه الندوات الدولية.

وتكفي الإشارة إلى أن هذا البلد الإسلامي، الذي يشهد نمواً اقتصاديا وسياسيا، يسعى إلى اتخاذ دور هام في منطقة الشرق الأوسط وأوروبا، ويستهدف بصفة خاصة التقرب من جديد إلى العالم العربي، الذي يربطه بتركيا ارث ثقافي كبير بحكم الثقافة المشتركة والدين والجوار الجغرافي.

وتشترك تركيا مع الدول العربية في الكثير من التحديات التي تواجهها، والرغبة في الحفاظ على الإرث الثقافي المشترك عبر مئات، بل آلاف السنين بين الأتراك والعرب، فأواصر العلاقات العربية التركية ازدهر لفترات طويلة إبان الدولة العثمانية. وهناك رغبة تركية في إبراز الوجه المشرق لتركيا وإلغاء بعض سلبيات الدولة العثمانية التي عانى منها الأتراك كما عانى منها العرب.

في تركيا اليوم ما يقرب من عشرين ندوة دولية للنحت على الرخام، وهو عدد يقارب عدد الندوات التي تنظم في كل دول العالم على الرغم من حداثة هذا الحدث في تركيا.

وسوف أتناول فيما يلي ببعض التفصيل عن بعض الندوات التي شاركت بها شخصيا وتعرفت على الكثير من التفاصيل الخاصة بها.

الندوة الدولية لنحت الرخام بجامعة البحر المتوسط بأنطاليا

في عام 2007 رأت جامعة البحر المتوسط بأنطاليا وهى مدينة ساحلية على البحر المتوسط بجنوب تركيا وتقع قبالة مدينة الإسكندرية المصرية، رأت إدارة الجامعة حاجة لعمل متحف دولي مفتوح للمنحوتات الصرحية لتزين حدائق الجامعة الشاسعة، ونظراً لما قد تكلفه هذه الفكرة من أموال طائلة قام مصطفى اكايدن، رئيس الجامعة في ذلك الوقت (محافظ أنطاليا حاليا) بتكليف الفنان أيهان كايابينار المدرس بكلية الفنون الجميلة بالجامعة بتنفيذ فكرته بإقامة ندوة (سيمبوزيوم) على أن تتكفل الجامعة بتكاليف سفر وإقامة ورحلات الترفيه للفنانين المشاركين.

تم عمل مسابقة دولية بشروط الجهة المنظمة شارك بها أكثر من مئة وخمسين متسابقا من كافة بقاع الأرض وتم الاختيار عن طريق لجنة تحكيم متخصصة قامت بعمل تصفيات عدة حتى استقرت على تسعة فنانين دوليين إضافة إلى فنان تركي. وقد شرفت بأن أكون ممثلا لمصر والعرب في هذه الدورة.

الأهم من كل هذه التفاصيل هو أن الجامعة خططت منذ البداية في تنفيذ خمس دورات فقط على أن يكون المشاركون في كل دورة عشرة فنانين، بمعنى أنهم بعد نهاية الدورة الخامسة يكونوا قد اقتنوا خمسين نحتا صرحيا. وإضافة إلى قيمته الثقافية والتراثية فانه أيضا بالغ الأهمية لطلبة كلية الفنون الجميلة المجاورة لموقع الندوة، مما يضيف إلى معارف الطلاب بهذا الفن وممارستهم للعمل في قطع صغيرة مما تبقى بعد انتهاء الفنانين من أعمالهم.

اليوم تنتشر أعمال الدورتين الأولى والثانية في أرجاء منتزهات الجامعة تدب فيها الحياة وتشع فكراً وتزهوا بها الجامعة.

ميرسين ونضج إدارة مدينة

ميرسن مدينة ساحلية متوسطية أيضا تقع شرق مدينة أنطاليا إلا أنها لا تحظى بنفس المركز السياحي لأنطاليا فعدد سكانها ومساحتها اقل بكثير من أنطاليا مما دعا محافظ المدينة للاستجابة لأفكار الفنانة بريكا ابيكبيراك)، البروفسور بجامعة ميرسين بدعم محافظة ميرسين ومشاركتها لجامعة المدينة في تنفيذ هذه الندوة الدولية.

نجحت الفنانة بريكا ربما كما لم ينجح كثيرون مثلها في عمل أحد أكبر ندوات النحت في العالم من كافة النواحي، من ناحية العدد حيث دعت خمسين فناناً عالميا وتركيا في كل دورة، ومن حيث الإقامة حيث وفرت بمساعدة المحافظة الإقامة في فنادق رائعة وخدمات ممتازة، ومن حيث المستوى حيث اختارت ومعها لجان التحكيم مجموعة من أفضل النحاتين من مختلف الأعمار من كل أرجاء الأرض، كما أن المشاركات العربية كانت كبيرة ومشرفة في الدورات المختلفة.

لكن الدورة الأخيرة تعرضت لاختبار صعب نتيجة الأزمة الاقتصادية العالمية ونتيجة للفكر الناضج لإدارة الندوة وجدوا أن إلغاء ولو دورة واحدة من الندوة ربما تؤثر بالسلب على تاريخها فلجؤوا إلى فكرة عبقرية ألا وهي الحفاظ على تنظيم الندوة ولكن تخفيض عدد المشاركين هذا العام 2009 إلى خمسة وعشرين مشاركا فقط أي نصف العدد مع دعوة عدد قليل من الأجانب في دورة استثنائية حتى تمر الأزمة، واعتذروا للفنانين الراغبين في الاشتراك ممن شاركوا في دورات سابقة حتى يفسحوا المجال لمشاركين جدد.

ايدرنا الصغير حجما الكبيرة ثقافة

ونأتي هنا إلى نموذج ثالث ومختلف في الإدارة، حيث جامعة (تراكيا) وهي كالكثير من الجامعات التركية جامعة حديثة نسبيا حيث أنشأت في الثمانينيات من القرن الماضي بضاحية تراكيا بمدينة ايدرنا العتيقة.

تقع مدينة اديرنا شمال غرب إسطنبول. وهي (اديرنا) من أجمل المدن التركية على صغرها. فبها اثنان من أهم مساجد العصر العثماني: مسجد سليميا الذي صممه ميمار سينان، المهندس التركي الأشهر. لقب (ميمار) أطلق على المهندس سينان، ويعني المعماري، وهي كلمة أصلها عربي كالكثير من الكلمات التركية، والاختلاف فقط في اللهجة (معمار – ميمار).

هذه الجامعة ليست غنية ولا تحظى بنفس الدعم الذي تحظى به كبرى الجامعات في تركيا، إلا أنها غنية بكوادر شابة بكلية الفنون الجميلة ويرأسهم عميد نشط يدعى بنيامين اوزجولتاكن، ودعم رئيس الجامعة انفر (أنور) دوران.

لتخفيض كلفة الإقامة، تم تخصيص فندق أساتذة الجامعة لاستقبال الفنانين، وتم التعاقد مع مطبخ إحدى الكليات، الذي يقدم وجبات مدعومة للطلبة والأساتذة. وبذلك تم توفير الطعام للفنانين وخفض نفقات باهظة. وبعد ذلك، اقتصرت التكاليف على دفع تذاكر سفر الفنانين، وبالطبع مقابل الملكية الفكرية للفنانين، وهو بسيط بالمقارنة بحجم العمل.

هذه نماذج محدودة لما تقوم به الجامعات والمحافظات في تركيا، فجامعة ميمار سينان العريقة بإسطنبول تنظم وحدها ثلاث ندوات دولية في النحت، اثنتان منها في مدن أخرى غير إسطنبول.

إنهم يدفعون أنفسهم إلى قلب الحدث الثقافي العالمي ونجحوا بفعل مجهوداتهم في جذب أنظار العالم إلى بلادهم وثقافتهم.

= = =

صورة من حفل ختامي لإحدى ندوات النحت الجماعي في تركيا

JPEG - 26.7 كيلوبايت
فنانون في ندوة نحت بتركيا
D 1 شباط (فبراير) 2010     A عمر طوسون     C 0 تعليقات