هيام ضمرة - الأردن

حق الوفاء


هيام ضمرةاليوم الأول

تلفعها وهج ساخن ليوم قائظ، تصاعدت معدلات ارتفاع الحرارة فيه إلى مستوياتها القصوى، ملابسها السوداء تبتلع الحرارة بنهم، لتجمع وهجا على وهج، وليصبح كامل جسدها كمرشح يعتصر ملوحة عرقها بلا هوادة، حتى جلدة رأسها هي الأخرى أعلنت دورها في المؤازرة، ونزت عصارة العرق من تحت الحجاب، كنبع ينداح على عنقها ويسري كما النمل المجتهد على ظهرها قبل أن تتشربه ملابسها، تتصاعد دقات قلبها، والهواء الساخن يلفح وجهها ويدفع إليه الدم، لتبدو كلوحة فاتنة سهرت عليها يد مباركة.

ترجلت من سيارتها وقد اتخذت لها ركنا في موقف السيارات القريب، اتجهت صوب عيادة الطبيب، تبتلع عصارة ألم في كتفها وساعدها، تقضب جبينها توجعا مع كلّ حركة وكلّ زفرة أنفاس، المسافة بين موقف السيارات والعيادة رغم قصرها، أثارت مؤخرة الحذاء فراح ينحت كعبها المعروق بمقاصده اللئيمة.

استقبلتها السكرتيرة بابتسامة مصطنعة من خلف مكتبها، كانت تقبع وسط عدد من أصص النباتات المتفاوتة الأحجام، تربض في أجواء لطيفة ومكيفة فيما ترسم أساريرها بالغبطة، ربما هي لزوميات الدور الذي تلعبه لتزرع زوار العيادة بالاطمئنان. تلقت منها البيانات المطلوبة، واستدارت بكرسيها صوب جهاز الحاسوب تنقر مفاتيحه بأصابع مزدانة بالخواتم، قبل أن تدلف غرفة الطبيب وهي تدك بالأرض كعب حذائها المغالي في علوه في توق موهوم للامتشاق، وبيدها البطاقة، لتخرج بعد برهة وهي تومئ إلى السيدة جمان بالدخول، ليتسنى لها البوح بإيقاعها الموجوع.

فما أن ولجت باب غرفة الطبيب، حتى استقبلها وجه مغلف بالجدّية من خلف مكتب فخم يعج بالأوراق والكتب والقطع المكتبية، ترتكز نظارته على أرنبة أنفه، ما أن طالعها حتى رفع بسبابته النظارة، ووقف مشدوها، مدهوشا، معلقا نظراته على وجهها، وقد التمعت بنظرة إعجاب لا تخطئها الأنثى، فجلست مرتبكة تحاول جاهدة تجاهل نظراته وما انطوت عليه، فالتجاهل أنفاس النجاة والحلم معقل الحكمة، هي حكمتها المعهودة التي كثيرا ما خدمتها. راحت تسرد إليه قصتها مع أوجاع كتفها وتذبذب نومها مع لكزات الآلام كلما قلبها وهن النوم.

تحدبت عيناه وهو يطلق غضبا مفتعلا حين علم أن عمر الألم ناهز الشهر:

"ما كان عليك سيدتي أن تتأخري بالعلاج كل هذا الوقت."

"ظروف العمل. إنها ذروة انهماكي في أعمالي التجارية دفعتني إلى تأجيل عيادة الطبيب حتى أنفض يدي من الأهم."

"يا سيدتي الصحة تتقدم على العمل والانشغال وحتى الاهتمامات."

"ظننت الأمر مجرد لفحة برد تزيلها المراهم."

"كيف تقولين ذلك وأنت المرأة المتعلمة والناضجة؟ وهل يقضى الأطباء سنين تعليمهم ليكون الطب مجرد وصفة صيدلاني؟

لم يثنه ذلك عن الاستمرار بلومها وتحميلها نتيجة تطور الألم. إلا أنه كان يحاول إظهار ملامح اللطف في عبارته للاستئثار باهتمامها، فحينما تتولد داخل المرء الرغبة في الوصول إلى غاية ما، سرعان ما تتحفز الرغبة فيه لإظهار ذاته بصورة مفعمة بالزخرفة، ولذلك يجتهد باستخدام كافة الوسائل التي من شأنها تحسين صورته وتنعيم سطوح شخصيته، وينتقل إلى كلمات على وزن أفعل من قبيل أحسن وألطف، إلى آخره.

وحين كشفت عن ساعدها بناء على طلبه اقتحم النهم نظراته، فسارعت إلى سحب كمّ ثوبها إلى القدر الكافي. تنبّه إلى فزعها، فراح يشاغلها بأسئلة يخلط فحواها بين الصحية والاجتماعية، لغاية التقاط القدر الأكبر من المعلومات حولها. تعبأت نظراته بالفضول حين عرف أنها جديدة عهد بالترّمل، ولم يمض على وفاة زوجها سوى عام واحد، فسألها على الفور مستعجلا قطف ثمار فضوله:

"كم عمرك سيدتي؟"

أجابت دون تردد: "خمسون عاما."

فغر فاه والدهشة ترتسم على محياه، ورغم نبرة الجدية في صوتها وعلى ملامحها، إلا أنه رد بشكل مثير للاستفزاز غير مصدق:

"لا، لا، قولي الحقيقة أرجوك."

إلا أن حزمة الألم التي داهمتها خلال هبوطها عن سرير الفحص، أنهت الحوار.

انكمشت ملامحه متأثرا، فاستدار نحو مكتبه مستلا قلمه ليخطّ (روشتة العلاج) وهو يشرح وسائل استخدام الدواء. عاودته تلك النظرة وهو يقول بنبرة التذاكي:

"إن حالتك المتأخرة تجبرنا على استخدام علاج فيزيائي لمدة أسبوع على أقل تقدير."

ردت بحماس من تبحث عن العلاج السريع: "سألتزم بكل التوجيهات المطلوبة يا دكتور، فلدي في منزلي عدد من القرب الدافئة وآلات التدليك الكهربائية."

"لا، لا. العلاج سيكون بأشعة خاصة تسلط على موقع الألم من ساعة إلى ساعتين يوميا هنا في عيادتي."

ردت مستنكرة: "هنا! قد لا أستطيع التواجد يوميا هنا، فلدي من الالتزامات والمسؤوليات ما يحول دون قدرتي على الالتزام. أرجوك جدْ لي بديلا عن ذلك."

قال متخابثا ومقاصده تلازمه، قاطعا عليها الحوار: "إذن لتكن لمدة ثلاثة أيام وليس هناك من سبيل آخر."

وافقت على مضض، وهي تظن أن ذلك سيكون من مهمة الممرضة، ولن يكن هناك داعي لوجود الطبيب.

شعور الانتصار حفزه على مواصلة استخدام أسلوب التذاكي في الحصول منها على المعلومات، فقال:

"تستطيعين سيدتي الحضور للعلاج الفيزيائي خلال الفترة الصباحية، وأطفالك في مدارسهم."

اكتفت برسم ابتسامة امتنان باهته وهي تتأهب للمغادرة، فلم تكن راغبة في توسيع الحوار، والروع يتخلل فؤادها، فتقدمها إلى الباب مودعا والصمت يكتم لهفته. وقف متابعا خطواتها متأملا قامتها إلى أن غيبها الباب الخارجي.

أصدر تعليمات سريعة إلى السكرتيرة، وانطلق مسرعا صوب نافذة مكتبه ليطل على زائرته ممعنا في تفاصيلها، غير مصدق أيّ صدفة تلك التي قادتها إلى عيادته، وأيّ عزف ذلك الذي اشتدت لنغمته أوتار فؤاده، امرأة ربيعية جميلة، ممتشقة القامة، ملفوفة العود، آسرة المحيى، متحررة الرابط. هي جلّ ما كان يبحث عنه ويتمناه.

وكطفل عثر على ضالته شبك أصابعه بفرح الانتصار ثم نفضهما في الهواء، وانقض على جهاز التلفون ينقر أرقامه، وما أن جاءه الصوت من الطرف الآخر حتى هتف وقلائد جمان تزيّن كلماته:

"وجدتها. لقد وجدتها، نزلت عليّ من السماء، ملاك يشع جمالا كأزاهير تشرين، ويمتشق قدها على كعوب ناضرة، تنساب نعومتها كما العقيق، هي ذات الصورة التي تمنيتها."

رد الطرف الآخر: "عظيم. عظيم. أهي عاملة؟"

"أجل، تدير دارا للنشر."

"كم لديها من العمر؟"

"لست أدري بالتحديد، ولكني أستطيع أن أخمن أنها بالثلاثينات أو بداية الأربعينات على أقصى تقدير."

"عجيب، أبهذا الجمال ولم يسبق لها الزواج؟

"بل هي أرملة توفى زوجها منذ قرابة العام.

رد صديقه باطمئنان: ""ما دامت لا أبناء لها فذلك جيد. أستطيع أن أقول وفقك الله يا عريس."

انخفض تردد صوته وهو يقول: "بل لديها ثلاثة من الأبناء."

بعصبية من طرقت المفاجأة وتره المشدود جاء الرد: "هل جننت يا رجل؟ أتعود إلى تربية الصغار في سنك هذه؟"

"لكنها كاملة الأوصاف شكلا وجوهرا، ولو رأيتها لعذرتني."

"وأطفالها ماذا ستفعل بهم؟ وأهلها ماذا عرفت عنهم؟"

جلس ساهما على مقعده ونظراته تتجمد على صورة ولديه داخل إطارها الفضي.

"من الصعب استخلاص كل المعلومات مرة واحدة، ولكنها عائدة غدا، وبعد غد، وبعد بعد غد، هناك متسع من الوقت لجني كل المعلومات."

"لا أنصحك بالزواج من أم الأطفال، فليس هناك ما يمنعك حينها من الشكوى كما كان العهد أيام زوجتك المرحومة."

"يجب أن تراها غدا، يا أخي. والله إنها بنضارة الصبايا، وبملامح ملائكية تأخذ بالألباب.

اليوم التالي

دلفت السيدة جمان العيادة. ألفتها وقد مرت عليها يد التحسينات بلمسات شاعرية، تندّ عن المكان رائحة معطر الجو الزكي، وامتلأ المكان بعدد من الزهريات تبرز منها باقات الورد النضر، وقد رصّت المجلات بشكل مرتب، واتخذت أصص النباتات وضعا أكثر أناقة. ليس هذا وحسب فإن مكتب الطبيب هو الآخر اتخذ ترتيبا رائعا، واختفت من عليه الفوضى، وتوزعت في أركانه تشكيلات جميلة من الورد، كان واضحا وكأن مناسبة تركت أثار احتفالها بالمكان. الذي أدهشها حقيقة وجود ضيف عند الطبيب في لحظة موعدها، وأن الطبيب أعطى للسكرتيرة الإذن بإدخالها وهو ما زال يجالسه.

ارتبك الضيف بارتباكها، وتلعثمت عبارة اعتذاره ونظراته تحط على وجهها كاستراحة طائر. تريث عند الباب فيما اقترب منه الطبيب وراحا يتهامسان.

ضاقت نفسها وأسئلة الطبيب تحاصرها، وتضيق الخناق عليها للحصول على الخصوصيات من أخبارها، ولم يثنه عن الاستمرار إجاباتها المختصرة وتحفظها الواضح، كانت حريصة أن تبقي إجاباتها ضمن العموميات، قاطعة عليه التمادي والاسترسال، دون تذمر أو تجاهل وقح، وهو ما وجد فيه علامة ذوق ونضوج، إلا أنه أحجم حين وجدها تتململ للانسحاب بحجة موعد ينتظرها.

كشجرة ممتدة، انزرع ذلك الوجه النسائي في مخيلته ملتهما مساحاتها، وانزلق خياله في سياحة حالمة لأمل يغلق صفحة التصحر في قرطاس حياته. أطلق نظره عبر النافذة المشرّعة صوب صفحة السماء المدلهمة، وقد تلألأت بأضوائها المنوسة تعاقر سهده بإلهامات فيوضها، وكأنما ارتسم ذلك الوجه بشموخ موشى بالضياء، ليعبئ نوره المكان، فهمس مع ذاته ببوح عاشق يضنيه الوله.

"إذا كانت صورتها اقتحمت سنيني العجاف بهذا الكبرياء، فماذا ستكون عليه أيامي المقبلة معها؟"

إنما ليس بالأمر الممكن إقحام النوايا بلا مقدمات لكشف بواعثه، وهو ما وجده ليس باليسير عليه في المرحلة الخمسينية من عمره، خاصة وأنه كان قد قضى حياة روتينية لم تصل حد البؤس في زواجه السابق، ولكنها أيضا لم تسمو إلى الحد المحقق لأحلامه. قلّبه السهاد على جوانب متصلبة، وحين استسلمت أجفانه للسبات، كان قراره جاهزا للخطوة التالية، على أن يترك وسائلها لمقتضيات الموقف آنذاك.

اليوم الثالث

ظل يرقب عقارب الساعة، وقد استفزه عناد تباطؤها. يطل عبر النافذة والصبر منه نافذ، ورغم تجاوز الوقت لموعد حضورها بكثير إلا أنه لم يستطع زيارة مرضاه في المستشفى، وأوكل الأمر إلى أحد زملائه.

ظل متخندقا خلف مكتبه يحركه الضجر بين النافذة وصالة الانتظار، وقد تقاطرت حبات عرق الخيبة عن جبين تزاحمت عليه فيالق القلق، والأفكار تهاجمه بعناد قاس: "هل تراها استشعرت سوءا من جمْلة أسئلتي؟ أو ارتابت من نظراتي؟

وعاد إليه الليل يحمل بين سواعده وسادة الكرى مترنحا، ساعة يواجه ملامته لنفسه، وأخرى ينعت فيها حظا أغرقه في لجة هذا الصراع. كثيرة هي الوجوه الجميلة التي أطلت عليه خلال مزاولته مهنته في الطب، إلا أن لهذه المرأة تأثير السحر على محسوساته، وها هو يمتطي شوقه المحموم كما المراهق. وكالليلة الفائتة لم يشعر بأي وقت تسلل النوم إلى أهدابه، ولكنه شعر بمكابدة أيادي الكرى وهي تعبث بقسوتها على كل أجزاء جسمه.

اليوم الرابع

كان أول فرماناته إلى سكرتيرته الاتصال بها والاطمئنان عليها، وتذكيرها بموعد اليوم وضرورته، ولم يكن بيده بد إلا تقبل الموعد الذي حددته بنفسها. افتقاده التركيز أقلقه، فلم يحدث أن مرّ بما يمر به الآن. ها هو يتطوح في إعصار ارتباكه وقد غشته حمى وله سافر.

حضرت جمان في موعدها تماما، ليدخله وجهها الآسر ثانية في عمق دائرة الإعجاب، كان منجذبا إليها وكأنما حواسه هبت للتو من مرقد سبات عميق. تهيأت الكلمات على شفتيه، فليس مفروضا أن يجعل الفرصة سمكة زلقة تفلت من بين يديه، فقال لها وشعاع الضوء الموجه إلى كتفها، وساعدها يضيء ملامحها فتزداد توهجا وجمالا:

"هل لي بسؤال، على ألا تأخذيه بسوء المقاصد؟

نظرت إليه باستغراب والشكوك تلكزها، وقالت على الفور:

"إن ما يمكن أن يثير الريبة أو سوء الظن، لا داعي إليه أصلا."

سرعان ما أطفأ الحرج شعلة ابتسامته، فارتدى ثوب الجدية وقال معقبا:

"لا سمح الله، ليس هناك بالشيء المريب أو المسيء، إنما حساسية الموقف تكمن بالموضوع الذي يدور في ذهني، فقد..."

توقف برهة وهو ينظر في عينيها المتسائلة"

"فقد أردت معرفة رد فعلك إذا ما تقدم لخطبتك شخص محترم وناجح، وذو مركز اجتماعي مهم، ووضع اقتصادي جيد؟"

اهتزت كمن عقصتها أفعى سامة. ارتبكت ملامحها واصطبغت بحمرة دموية مثيرة، كموج علاه موج، وبدت وكأن روحها اقتنصت منها، اختلط الحزن في عينيها وهي تسدل كمّ ثوبها، وقالت دون أدنى فرصة للتفكير:

"بالطبع لا، ثم لا."

أذهله سرعة ردها وتأكيد رفضها، فانكمش كمن شقت أغلفة روحه عن وهن.

"ولكنك تحرمين نفسك الحقين، حق استعادة الحياة، وحق التفكير بتأن."

"إن الأمر محسوم بالنسبة لي، وليس هناك من داع لأن يمر الأمر على اختبار التفكير بأي حال."

"ألا تظلمين نفسك ثمنا للوفاء؟ ثم إنه وفاء لذكرى ليس إلا، والحيّ أبقى."

"بل هي ذاكرة عمر من الشراكة، داهمها بعض قليل من المرار، وبعض كثير من السعادة، وحصادها كوكبة رائعة من الأبناء. ألا تكون والحالة هذه ذكرى محفورة في القلب والوجدان؟ فإن كان وفائي لزوجي حقا، فوفائي لأبنائي هو الحق كله، ودوري معهم لا ينهيه رحيل والدهم، بل رحيل روحي إلى بارئها."

التجم لسانه. أحس بوهج حارق ينطلق من جوفه إلى حلقه، ورغم تبعثر ذاته مثل موجة فقدت السيطرة على نفسها، فقد اختنق بحمرة كثيفة عبأت كامل رأسه حتى أذنيه، فانكمش وغرز نظراته في الأرض حرجا، وقال بأدب بالغ:

"أحترم قرارك كما أحترم شخصك، وإن كنت على يقين أنك من الذكاء بحيث أدركت أني شخصيا المعني بالموضوع."

أخفضت رأسها تشغل نفسها بسلسلة مفاتيح سيارتها، ثم رفعت هامتها بوقار وهي تقول:

"عذرا، فرفضي هو رفض للمشروع بحد ذاته، هو أمر مرتبط بي شخصيا، لا يطول بأسبابه شخصك الكريم، فمشروع الزواج خارج خططي تماما، ولا يدخل في نطاق برامجي في الطرف المتبقي من حياتي. إن الموت لا يستشير الزوجات حين يخطف عنهن أزواجهن، ولكنه يمنحهن مع الحزن وحرقة الدمع إرادة الصبر والوفاء، وكل ما يرغبن به، هو العيش مع أبنائهن وضوضاء الأحفاد."

تحرك بضع خطوات أمامها وهو يرصد أرض الغرفة وكأنه ينتشل من العمق البعيد فكرة مختزنة، وقال بمكابرة من يؤخر جدول انسحابه من معركة وجد نفسه فيها متورطا:

"ألا ترين في ذلك معاندة للطبيعة الإنسانية وفطرتها؟"

قبضت على المفاتيح وسلسلتها في باطن كفها وضمت عليها الأصابع وهي ترد:

"في مثل هذا العمر، الفطرة تحققت والهدف أنجز. إنما الإنسان يغزل للأشياء أردية هشة حين يريد أن يزينها لنفسه ويرضي رغبة في ذاته. ونحن لسنا سوى أطفال في ثياب الكبار."

وقف على مشارف الانهزام وهو يبحث عما يفحمها بالحجة به قبل أن يقرّ بالهزيمة، ونطق:

"ربما الأمر يختلف عند الرجل المتوفى عنه زوجه، لحاجته إلى من ترعى شؤونه وشؤون أفراد أسرته."

ندت عن ثغرها ابتسامة مجاملة وصوتها يحتفظ بهدوئه: "إن المرأة لو أرادت أن تتوارى خلف الأعذار لفعلت، وهي قادرة أن تلبس أعذارها أردية تجر في الإقناع ذيولها، ولادّعت حاجتها إلى القيادة الذكورية التي أولاه الله القوامة عليها لضعفها وقصور حالها، ولتعذرت لحاجتها للرجل الممول، أو للرجل الحارس، ولادعت الفشل في قياد الأسرة وقد سقط عنها جناحها القوي وأنى لها أن تطير بجناح وحيد ضعيف. إن ذكاء المرأة ودهاءها يجعلها قادرة على استحضار الأسباب والأعذار لو أرادت، ولكنها تأبى ذلك على نفسها، وتفضل عليه أن تدرأ عنها صفة الادعاء، وتمسك بقوة زمام تماسك أسرتها، لتبقى خطوات اتزانهم فوق أرضية آمنة."

وجد نفسه يقف مبهورا أمامها. أعجزته حجتها، ها هي تتركه مبهورا بعقلها وقد كان مبهورا بجمالها. كم هو جميل أن يمتلك المرء فلسفة عميقة للحياة! فلسفة لا تستخدم مواد تجميلية تزيف معالمها. صدق هذه المرأة مع نفسها بث فيها القوة، فإذا ما القدر أصابها بسنان سنابكه، فقد منحها بذات الوقت حرية القرار وقوة الوثوب.

الليلة الأخيرة

لجأ إلى فراشه في ليلته تلك وأشباح همومه تتلوى في عقله، إنما كان في حالة من الجاهزية لاتخاذ القرار، وما كان لليلته أن تنجلي على ما قلّبه الكرى فيها، وفي جوف نيرانها ما يذيب المقل، دون أن يبزغ قراره الأخير وهو متطلع لواقع مختلف، فقد صرف عن ذهنه فكرة الزواج، وابتغى تعزيز صداقته بأبنائه، والانصراف إلى أبحاثه العلمية لتحقيق الإنجاز الذي طالما كان من أولويات أحلامه، فقد أدرك أن من ابتدع كذبة عدم قدرة الرجل الأرمل العيش دون المرأة قد ظلم الرجل، لأنها جردته من أدوات القوة التي منحه إياها الله عز وجل في تحمل المسؤوليات، وأضعفت قدراته حتى على رعاية الذات، فتاهت روحة عن تلمس طاقات النور وهو يجتاح المسافة الأخيرة من نفق الحياة.

D 1 شباط (فبراير) 2010     A هيام ضمرة     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  عود الند: الفئات العمرية

2.  الحركات والضمائر: بين الفونيم والمورفيم

3.  رحيل المناضل الفلسطيني المخضرم حيـدر عــبـد الـشافـي

4.  باديس فوغالي

5.  حوار مع الناقد عبد الله الفيفي