د. محمد هندي - مصر

صلاح الدين الأيوبي في مرآة أمل دنقل الشعرية

صلاح الدين الأيوبي في مرآة أمل دنقل الشعرية بين الواقع والمأمول

محمد هندي استطاع الشّعر العربيّ بما يمتلكه من مقومات جمالية تقديم رؤيته الفنية الخاصة لتاريخنا العربي بما يتضمنه من أحداث، ورموز، وشخصيات تاريخية كان لها دور واضح في تشكيل وعينا الثقافي والإنساني، بل كان لها أثرها الفعّال في تغيير مسار واقعنا العربيّ بصفة عامة، هذا الواقع الذي تكالبتْ عليه، ولا تزال، قوى الشرّ بين الحين والآخر.

وقد تكفّلت اللغة الشعريّة منذ العصر الجاهليّ بتقديم صورة واضحة لحياة العربيّ في صحرائه باحثا ومقاوما، تلك الحياة التي لم نعاصرْ نحن أحداثها، إنّما تفاعلنا وجدانيا وثقافيا مع جزئياتها من خلال الصورة الشعرية التي وصلتْ إلينا، والتي كافحتْ عبر الزمن من أجل البقاء وإثبات الذات، كما نقلتْ لنا أيضا رسما تخيليا للفتوحات الإسلامية، والبطولات التي سجّلها القادة العرب في عصر صدر الإسلام وبني أمية، والحال نفسه في تقديم مظاهر الحضارة والانفتاح في الحياة العباسية، وما تلاها من حيوات، وصولا إلى التفاعل مع واقعنا المعاصر بتداعياته وتحولاته المختلفة.

وهذا الدور التسجيليّ الجماليّ الذي تقوم به اللغة الشعرية ربما كان هو السبب الذي جعل ناقدا مثل رينيه ويليك يذهب إلى القول بـأنّه : "ما الأدب في نهاية المطاف إلا جوقة أصوات تتحدث عبر العصور، وتؤكد تحدي الإنسان للزمان والقدر، وانتصاره على النسبية والتاريخ" [1]. وهذا يعني أنّه لا شيء خارج اللغة، وأنّنا في قراءتنا للنصوص فإننا في حقيقة الأمر لا نتعامل مع الواقع كما هو في الحياة الفعلية، إنما نتفاعل مع صورة مغايرة لهذا الواقع برؤية جديدة تختلف باختلاف الرؤية التأليفية اللغوية، ونظرتها لهذا الواقع.

أمل دنقل ومحاورة الشخصية التاريخية

لم يكن الصوت الشعري، بوصفه تمثيلا أدبيا، للشاعر أمل دنقل بمعْزل عن هذه الوظيفة الجمالية والحضارية، هذا الشاعر الذي عرف كما يرى عبد الرحيم الكردي بثورته ورفضه، وتمرده الذي استنفد أكثر شعره[2]، وعرف أيضا بتطلعاته التي جعلتْه يبحث بشغف في التراث العربيّ باعثا إياه في روح جديدة تتناسب مع طبيعة المضمون الواقعيّ المعاصر، محققا بذلك التواصل بين العصور والثقافات، فالتراث بتعبير علي عشري: "منجم طاقات إيحائية لا ينفد له عطاء؛ فعناصر هذا التراث ومعطياته لها من القدرة على الإيحاء بمشاعر وأحاسيس لا تنفد، حيث تعيش هذه المعطيات التراثية في وجدانات الناس تحيط بها هالة من القداسة والإكبار؛ لأنها تمثل الجذور الأساسية لتكوينهم الوجداني والفكري والنفسي"[3].

ومن هنا رأينا أمل دنقل يحاور زرقاء اليمامة، وكليب، والبسوس، وأبا موسى الأشعري، والمتنبي، وأبا نواس، وأخيرا في ختام حياته الشعرية، وفي أوراق غرفته – ديوانه الأخير- يحاور في مرآته الشعرية القائد صلاح الدين الأيوبي، الذي بلغتْ شهرته وسيرته الآفاق، فمن منا لا يعرف هذا القائد، وقصة كفاحه؟ من منا لا يعرف قصة حطين، وتحرير القدس، ومقاومة الصليبين؟ وغيرها من المواقف التي تركتْ بصمات واضحة في أذهاننا، ستظل ترددها الأجيال تباعا في لحظات المقاومة ورفض الظلم.

ومن خلال معايشة الشخصيات التاريخية المقدّمة ومحاورتها شعريا يمكن تبيّن أيديولوجية الأنا الشاعرة، ورؤيتها للواقع بأبعاده الحضارية والثقافية، يقول سعيد يقطين: "إن المتفاعلات النصية التاريخية لا تتقدم إلينا كوقائع، ولكن من خلال ما نكوّنه عنها كنصوص قابلة للقراءة والتأويل أيضا"[4].

ويرى علي عشري أن"هذه الدلالة الكلية للشخصية التاريخية، بما تشتمل عليه من قابلية للتأويلات المختلفة هي التي يستغلها الشاعر المعاصر في التعبير عن بعض جوانب تجربته، ليكسب هذه التجربة نوعا من الكلية والشمول، وليضفي عليها ذلك البعد التاريخي الحضاري، التي يمنحها لونا من جلال العراقة. وبالطبع فإن الشاعر يختار من شخصيات التاريخ ما يوافق طبيعة الأفكار والقضايا والهموم التي يريد أن ينقلها إلى المتلقي"[5].

وكأنّ أمل دنقل في محاورته لـصلاح الدين إنما يحاور في الحقيقة ذاته المتمردة التي ظلّتْ طويلا تبحث وتقاوم، ليكون صلاح الدين من خلال هذه المحاورة وسيلة مهمة تساعد في إضاءة بعض الجوانب الخفية في شخصية أمل دنقل المتطلعة، واستنطاق المسكوت عنه في رؤيتها للواقع من حوْلها، وهذا ما تؤكده رحاب لفتة في قولها إنّ الشاعر قد تناص مع الرموز التاريخية بصفة عامة "ليعبر بها عن هزائم الواقع وانكساراته وتناقضاته..وإن ضعف الشخصيات المعاصرة، وعدم توافر شخصيات بحجم هذه القامات الكبيرة سبب جوهري لدى دنقل وحافز مهم جعله يعود إلى الماضي ينقب فيه وفي تاريخه باحثا عن الشخصيات الصالحة للتعبير عن الحاضر وتعريته، وكشف زيفه، فيتناص مع شخصيات لها قيمتها الفنية والتاريخية الأيديولوجية في الماضي"[6].

غلاف دواوين أمل دنقلصورة صلاح الدين وثنائية الدلالة والتوظيف الشعري

تجسدتْ شخصية صلاح الدين في مرآة أمل دنقل الشعرية في صورتيْن: الأولى: الصورة الجزئية، والأخرى: الصورة الكلية.

أ- الصورة الجزئية

أما عن التوظيف الجزئيّ فقد تمثّل في قصيدة "لا وقت للبكاء" من ديوان "تعليق على ما حدث"، والتي قالها تعليقا على وفاة جمال عبد الناصر يوم 28 سبتمبر (أيلول) 1970، ومطلعها:

لا وقت للبكاء

فالعلم الذي تنكسينه على سرادق العزاء

منكّس في الشاطئ الآخر

والأبناء

يستشهدون كي يقيموه على "تبّه"[7]

ففي هذه القصيدة التي غلبت عليها النزعة التقريرية حاول الشاعر إيقاظ الوعي الجمعي للشعب، والعمل بمقولة: "لا ينفع البكاء على اللبن المسكوب"، وهذا ما يمكن إدراكه مباشرة من أول وهلة عندما نقف عند المقطع الحواريّ الذي بدأت به القصيدة، هذا المقطع الذي حرص على تقديم صورة مأساوية مجزأة لواقعنا العربي الذي تم اختزاله بنيويا في الجملة الوصفية الاستنكارية للعلم المنكس (منكّس في الشاطئ الآخر) في إشارة واضحة إلى احتلال الأرض، ومن هنا كانت الحاجة ماسة إلى أن يتجاوز الشعب محنة الوفاة التي تألّم لها كثيرا، للنظر إلى ما تعانيه الأرض التي استوطنتها يد الغدر ، تلك الأرض التي كانت سيناء جزءا أصيلا منها، والتي رثاها قائلا:

وهذه الخرائط التي صارتْ بها سيناء

عبريّة الأسماء

كيف نراها دون أن يصيبنا العمى؟

والعار من أمّتنا المجزأه؟[8].

لتظهر صورة صلاح الدين في ختام القصيدة مطلبا ضروريا وحاجة ملحة تمثّل حافزا ودافعا للإصرار والمقاومة، والاعتزاز بالأرض، تلك الصورة التي رآها الشاعر ماثلة في هتاف الشعب الجريح ليلة الثامن والعشرين من سبتمبر الحزين، وهي ليلة وفاة جمال عبد الناصر، يقول:

لقد رأيت ليلة الثامن والعشرين

من سبتمبر الحزينْ:

رأيت في هتاف شعبي الجريحْ

(رأيت خلف الصورة)

وجهك يا منصورة

...

رأيت في صبيحة الأول من تشرينْ

جندكيا حطينْ

يبكون

لا يدرون

أن كل واحد من الماشين

فيه صلاح الدين![9].

فهذه الصورة الوصفية الحركية التي اتخذتْ من ضمير الحكي الذاتي (رأيت) متكئا لها توضح أنّ صلاح الدين لم يكنْ موجودا بالفعل في القصيدة، إنما تمّ استدعاؤه بما يحمله من إرث حضاريّ تاريخيّ من خلال مخيّلة الأنا الشعرية، هذا الإرث الذي اختزله الشاعر ضمنيا في حركة الشعب الذي لا يدرى أنّه قادر على صناعة المستحيل، بشرط أن يؤمن بإرثه، وأن يدرك تماما أنّه على المستوى الشخصي يمثّل صلاح الدين، وأنّ جنود معركة حطين ما هم إلا صورة كنائية رمزية عصرية للشعب الجريح، الذي يحاول الشاعر استنهاض هممه من خلال تذكيره بماضيه وإرثه التاريخي، وبهذا تمثل صورة صلاح الدين في هذه القصيدة حافزا ودافعا للتغيير والمقاومة.

ب- الصورة الكلية

شكّل صلاح الدين بنية محورية في قصيدة أمل دنقل المعنونة بـ"خطاب غير تاريخي على قبر صلاح الدين"، حيث يظهر صلاح الدين في هذه القصيدة في هيئتين: الأولى ذاتية تتمثل في رؤية أمل دنقل الخاصة، واعتزازه بشخصية صلاح الدين الواقعية، والأخرى تتمثل في هيئة العرب الغرقى (كما أسماهم في قصيدته) الذين يبحثون عن مخرج، وغد أفضل، والذين وضعهم في صورة تقابلية استنكارية مع صلاح الدين. ومن خلال هاتين الهيئتين تتشكل الرؤية العامة للشاعر في علاقته بـصلاح الدين، أو (الحلم المنتظر).

== جزئيات الصورة الكلية:

تجسدت الهيئة الكلية في صورة نفسية، وخطاب لغوي اتّكأ في تقديم مادته النصية على مفردات المعجم النفسي، بما يفرزه من تجليات فنية مختلفة مثل: المفارقة، والسخرية، والثنائيات الضدية، والحنين، والآلم، والحسرة، تلك التي يستطيع القارئ إدراكها بصورة مباشرة في عتبة العنوان: (خطاب غير تاريخي على قبر صلاح الدين)، هذا العنوان الذي يفرض تساؤلات حوارية تتعدد بتعدد القراء وآفاقهم التخيلية، خاصة وأن هذا العنوان قد تمّ تصديره بمفردة "خطاب"، تلك التي تحيل دلاليا إلى مفردات لغوية مثل: رسالة، ومحاورة، وكلام موجّه يحمل شكوى ما،،إلخ، ومن هنا قد يتسائل القارئ قائلا: من المخاطب؟ ومن المخاطب؟ وما سبب الخطاب؟ ولم كان الخطاب غير تاريخي؟ ولم تمّ الاتكاء على مفردة القبر في هذا العنوان التقريري؟

كما لا يخفى أن هذا العنوان بأبعاده النفسية يتناسب دلاليا مع المفردة الكبرى التي تتمثل في مفردة "أوراق" التي تتصدر عنوان الديوان: "أوراق الغرفة 8"، الذي تضمّن هذه القصيدة، حيث إن الورقة تعدّ من الوسائل الأساسية التي يتم من خلالها تقديم أي خطاب مرسل.

ثم يأتي المتن النصي للقصيدة محاولا تقديم بعض الإجابات التي ربما تسهم في إشباع نهم القارئ المعرفي، والتي ربما تجعله يستريح من عناء التفكير في ماهية هذا العنوان الذي على الرغم من تقريرية لغته، إلا أنّه يحمل رؤى تفسيرية متشعبة. ويمكن النظر إلى القصيدة بنائيا من خلال تقسيمها على ثلاثة مقاطع أساسية تشكّل بنية خطاب الرسالة الموجهة على النحو الآتي:

المقطع الخطابي الأول: (الافتتاحية التذكرية)

وفيه نكون أمام تقابل مقصود وواع بين الماضي المتجسد في واقع صلاح الدين، وقبره بإيحاءاته التاريخية والرمزية، والحاضر العربي المشتت الذي لم يستغل الإرث الذي تركه السلف له، ولذا بدأ هذا المقطع بهذه الجملة الرثائية:

ها أنت تسترخي أخيرا

فوداعا

يا صلاح الدينْ[10].

وفي هذا المقطع حاول الشاعر رسم صورة زمنية للعرب في ماضيهم الذي استمد عزّه من إرث صلاح الدين، وحاضرهم الذي بهتت ملامحه:

يا قارب الفلين

للعرب الغرقى الذين شتتتهمْ سفن القراصنة

وأدركتْم لعنة الفراعنة

وسنة بعد سنة

صارت لهم "حطينْ"

تميمة الطفل وإكسير الغد العنينْ[11].

فنغمة الرثاء الجماعي ماثلة بقوة في الأشطر الشعرية بخاصة في الصورتيْن المتقابلتين (يا قارب الفلين، وللعرب الغرقى) من ناحية، ثم في صورة العرب الغرقى، في مواجهة (سفن القراصنة، ولعنة الفراعنة)، وأخيرا في الشحنات الانفعالية التي يفيض بها الوصف التشخيصيّ (الغد العنين) الذي يوحي بالثبات والعجز، هذا الغد الذي لا حيلة له إلا العيش على إكسير- شراب يطيل الحياة كما يزعم البعض- حطين، وكأنّ هذه الأسطر جاءت استجابة للنبرة الخطابية الرثائية التي تتضمنها مفردة "فوداعا"، التي توحي بالأسى والحسرة على ماض ربما لا يعود مثله مرة أخرى.

المقطع الخطابي الثاني: (الذروة- فحوى الرسالة)

وفيه قدّم الشاعر صورة موجزة للواقع العربي المشتت، وصورة لـ صلاح الدين (الغائب- الحاضر)، ويبدو أن الشاعر أراد من هذا المقطع استنهاض الهمم، وبعْث الروح العربية التي خمدت في مقاومتها للذل والاستبعاد، الأمر الذي جعله يعمد إلى استحضار صلاح الدين من قبره إلى ساحة الميدان من جديد، فربما يجدون فيه قوة تساعدهم على الخلاص والنجاة:

مرت خيول التركْ

مرت خيول الشّركْ

مرت خيول التتر الباقينْ

ونحن – جيلا بعد جيل- في ميادين المراهنة

نموت تحت الأحصنةْ!

وأنت في المذياع..في جرائد التهوينْ

تستوقف الفارين

تخطب فيهم صائحا:"حطين"

وترتدي العقال تارة..

وترتدي ملابس الفدائيينْ

وتشرب الشاي مع الجنود

في المعسكرات الخشنة

حتى تسترد المدن المرتهنة[12]

يلاحظ في هذا المقطع أن الشاعر عمد إلى تقدم صورة مركبة لـصلاح الدين اعتمد فيها على النبرة الخطابية الموجهة المبنية على الفعل المضارع الحركيّ (تستوقف، ترتدي، تشرب، تسترد) بتجدد دلالته واستمرارها وعدم ارتباطها بوقت أو مكان محدد، وكأنّ هذه الصور في مجموعها موجهة بصورة ضمنية إلى القادة، وإلى الذين يتقاعسون عن أداء مهامهم الوطنية، لكن على الرغم من كل ما يبذله، يسقط في النهاية ضحية ليد الغدر والاغتيال:

(حتي سقطت- أيها الزعيم

اغتالتك أيدي الكهنة! ).

المقطع الثالث/الأخير: لحن الختام المأساوي:

وفيه يعرض الشاعر الصورة نفسها التي بدأ بها القصيدة، صورة (صلاح الدين والعرب) لكن في تجسيد آخر أكثر مفارقة ودرامية، حيث واقع صلاح الدين في قبره، وواقع العرب الغرقى :

نمْ يا صلاح الدين

نمْ..تتدلى فوق قبرك الورود..

كالمظليين!

ونحن ساهرون في نافذة الحنين

نقشر التفاح بالسكينْ

ونسأل الله "القروض الحسنة"!

فاتحة:

آمين:

كانت هذه هي المحطات (الجزئيات) الثلاث الرئيسية التي شكّلت البنية الخطابية لقصيدة (خطاب غير تاريخي على قبر صلاح الدين)، والتي يمكن النظر إليها بنيويا في صورة خط درامي يشكّل في أساسه ما اصطلح على تسميته في الدراسات النقدية بالقصة الشعرية.

== القصة الشعرية ودلالتها في خطاب أمل دنقل

بهذه النهاية التي تضمنت ثنائية تقابلية مقصودة وواعية من قبل الأنا الشاعرة، استطاعت القصيدة التي هي عبارة عن قصة درامية تم تقديمها في قالب شعري أن ترسم لنا صورة لـصلاح الدين، لا تختلف كثيرا عن تلك التي ترتسم في ذهن القارئ حول هذه الشخصية التاريخية، لكنّ الذي يحسب للشاعر أنّه قدّم لنا هذه الشخصية في صورة ذهنية نفسية أكثر التحاما بالأنا، خاصة في اعتمادها على البعد الحكائي، هذا البعد الذي يتناسب مع شخصية صلاح الدين التي تحولت إلى حكايات وأساطير تحكي على ألسنة العباد، ومن هنا لم يكن غريبا أن نجد هذه الشخصية مغلفة في مرآة أمل دنقل بطابع الحكاية، التي ربما أراد تسجيلها في خطابه الشعري الذي أراد له البقاء من خلال ترْكه على قبر صلاح الدين، فربما يأتي آخر في زمن ما ليقرأ الحكاية، ثم يستوقف الفارين صائحا فيهم "حطين"، وربما كان هذا هو السبب الذي جعل أمل دنقل يسطّر خطابه لهذا المجهول الذي ينتظره، والذي كثيرا ما حلم به في قصائده، ألم يقل في قصيدته الشهيرة:"لا تصالح":

وغدا

سوف يولد من يلبس الدرع كاملة

يوقد النار شاملة

يطلب الثأر

يسْتوْلد الحقّ..

من أضلع المستحيل[13].

وقد تضمنت القصة الشعرية مقومات البناء الفني للحكاية، وقد تم تقديمها في صورة تكثيفية تتناسب مع طبيعة البناء الشعري، فنجد الصيغة السردية التي تترواح بين المخاطب والغائب والمتكلم بحسب السياق الشعري، راصدة الصراع النفسي الذي يعتمل في نفسية الأنا الشاعرة في صورة خطاب أشبه ما يكون بالحوار الداخلي، ولاسيما في الاتكاء على أسلوب النداء المتكرر (يا صلاح الدين)، والمخاطب: (وأنت في المذياع، تستوقف، تخطب، ترتدي، تشرب الشاي مع الجنود)، وهناك الغائب كما في: (وسنة.. بعد سنة، صارت لهم حطين، ومرتْ خيول الترك...)، وأخيرا المتكلم الجماعي الذي يحمل صوتا مأساويا ذليلا: (نموت تحت الأحصنة، ونحن ساهرون في نافذة الحنين، ونسأل الله القروض الحسنة). بالإضافة إلى توظيف الشخصيات المتصارعة، التي تتمثل في: (الأنا الشاعرة من ناحية، وصلاح الدين، والعرب الغرقى، والساهرون، والذين يقشرون التفاح بالسكين من ناحية أخرى) وأنّ هذه الشخصيات لا وجود لها على مستوى الفعل أو الحدث القصصي إلا في مخيّلة الذات الشاعرة التي عملت على استدعائها ومحاورتها.

وضمْن هذا الفضاء الذهني رأينا الشاعر يقدّم الأمكنة الواقعية التي تتصارع فيها الشخصيات، بداية من قبر صلاح الدين الثابت الذي هو علامة على مقاومة الذل والاستعباد، مرورا بالأمكنة الواقعية كحطين، وسفن القراصنة، وانتهاء بالمكان المتخيّل الذي تحيل إليه الجمل الشعرية: (ونحن ساهرون في نافذة الحنين، نقشر التفاح بالسكينْ .. ونسأل الله القروض الحسنةْ!). وأنّ هذه الأمكنة اصطنعت لنفسها زمنا تتصارع فيه وتتأرجح ما بين ماض سعيد، وحاضر مشتّت بلا هوية أو ملامح تذكر.

وهكذا وجدت الأنا الشاعرة في خطاب الحكاية منفذا تعبيرا يخلصها من ويلات اضطراباتها الداخلية، ولذلك لم تجد الأنا الشاعرة سوى خطاب المفارقة الساخرة أنيسا ومنفذا تعبيريا لها، فالقصيدة من بدايتها إلى نهايتها عبارة عن ثنائية تقابلية تجمع بين (صلاح الدين = رمز المقامة) في مقابل (العرب الغرقى) الذين ينتظرون ساهرين في نافذة الحنين، سائلين الله القروض الحسنة، دون أي ردّ فعل يذكر.

والمتأمل لشعر أمل دنقل يجده كثيرا ما كان يعتمد على فكرة الثنائيات الضدية؛ رغبة منه في تعرية الواقع وكشفه من جميع زواياه، وأنّ ثنائية هذه القصيدة تذكرنا بثنائية قصيدة "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة "، التي نسج الشاعر خيوطها إثر نكسة 1967، متكئا على التراث وبعثه في صورة جديدة، فهناك القوة المقهورة المتمثلة في الأنا الشاعرة المنكسرة، وزرقاء اليمامة بطاقاتها التراثية والعصرية (رمز الحكمة في القصيدة)، والجنود الذين لا طاقة لهم، في مقابل القوة القاهرة: (قوة الأغنياء، والطبقة الحاكمة الذين لا يعنيهم شيئا سوى متعتهم الخاصة)، يقول الشاعر في نهاية القصيدة:

ها أنت يا زرقاء

وحيدة عمياء!

وما تزال أغنيات الحبّ والأضواء

والعربات الفارهات والأزياءْ!

فأين أخفي وجهي المشوّها

كي لا أعكّر الصفاء الأبله المموّها .

في أعين الرجال والنساءْ؟[14]

== السخرية والتناص الشعري:

بدت السخرية واضحة في قصيدة "خطاب غير تاريخي على قبر صلاح الدين" في الاعتماد على التناص الشعري، وقد أصبح معروفا في أدبيات النظرية النقدية أنّ التناص هو ذلك المصطلح الذي أرسته جوليا كريستيفا، وأنّ التناصية بتعبير جيرار جينيت هي: "علاقة حضور مشترك بين نصين وعدد من النصوص بطريقة استحضارية، وهي في أغلب الأحيان الحضور الفعلي لنص في نص آخر"[15].

وعلى المستوى الوظيفي للتناص يرى عبد المجيد الحسيب أنّ "هذه الظاهرة اللغوية المعقدة باعتبارها آلة هدم وبناء تجعل من النص ضفيرة من النصوص القادمة في فضاءات قصية ومختلفة، وتجعل منه كذلك بنية متناسقة لا تعرف حد النهاية، وبنية حية دائمة الحركة والتفاعل. ليس التناص هو إعادة إنتاج النصوص كما هي بل هو عملية امتصاصها وتحويلها في سياق جديد"[16]

وإذا نظرنا إلى التناص بصفة عامة عند أمل دنقل نجده قد احتلّ مكانة كبيرة في إنتاجه الشعري، فاستدعاء صورة صلاح الدين في صورتها العامة ما هي إلا صورة من صور التناص التاريخي الذي كان له حضور قويّ في مرآة أمل دنقل الشعرية، وهذا ما يمكن تبينه – على سبيل المثال- بصورة واضحة في قصيدة "لا وقت للبكاء" خاصة في استدعاء الشخصية في لوحة قائمة بذاتها في نهاية القصيدة، أما في هذا المحور من التحليل فالمقصود من التناص هو التناص الجزئي على مستوى القصيدة الذي يحيل إلى وجود نصيْن متداخليْن، فقد عمد أمل دنقل في قصيدة (خطاب غير تاريخي..) إضافة إلى توظيف التناص العام إلى توظيف أبيات شعرية لـ أحمد شوقي والتفاعل معها في موضعيْن مختلفيْن:

الموضع الأول: في قوله:

وسنة بعد سنة

صارت لهم "حطينْ"

تميمة الطفل وإكسير الغد العنينْ

(جبل التوباد حياك الحيا)

(وسقى الله ثرانا الأجنبي!)

فجبل التوباد معروف مكانيا بأنه يقع في السعودية، وقد ارتبط تاريخيا بالقصة العاطفية التي جمعت قيس (مجنون ليلى)، وابنة عمه ليلى العامرية، تلك القصة التي نجد صداها في مسرحية أحمد شوقي الشعرية "مجنون ليلي"، على لسان قيس في الفصل الخامس:

جبل التّوْباد حيّاك الحيا == وسقى الله صبانا ورعى

فيك ناغينا الهوى في مهده== ورضعْناه فكنت المرْضعا[17]

أما أمل دنقل فقد اتّكأ على أبيات شوقي لكن بعد تحوير الجزء الثاني بصورة تتناسب مع أهدافه الساخرة، خاصة بعد أن تركنا ماضينا العظيم وأصبح الغد (عنينا) لا يجد بغيته إلا في قصص الحب والعشق، وأنّ ترابنا أصبح يسقى لغيرنا. وبهذا يتضمن البيت الشعري مفارقة ساخرة، ففي الوقت الذي نتغنى نحن بجبل التوباد وأشعار الهوى، يندب الشاعر راثيا (سقى الله ثرانا الأجنبي).

أما عن الموضع الآخر فيتمثل في قوله:

حتى سقطت- أيها الزعيم

واغتالتك أيدي الكهنة!

(وطني لو شغلت بالخلد عنه..)

(نازعتني –لمجلس الأمن– نفسي!)

فهذا الاستدعاء إنما هو تحوير ساخر لبيت أحمد شوقي في سينيته المشهورة التي قالها في منفاه في الأندلس:

وطني لو شغلت بالخلد عنه == نازعتي إليه في الخلد نفسي

وفي هذا إشارة إلى الذل والهوان والاعتماد على الآخر (مجلس الأمن) في المطالبة بتحرير الأرض. كما يلاحظ أنّ أمل دنقل حرص على تحديد النص المستدعى وتمييزه بنيويا، من خلال وضعه بين قوسيْن، تعيينا له وتأكيدا لخصوصيته ومحوريته في النص الرئيسي.

== الصراع الدرامي وعلاقته باللغة الشعرية

نجد الشاعر على امتداد القصيدة قد اعتمد على لغة ذات إيحاءات وانفعالات نفسية ذاتية تتناسب مع النبرة الخطابية التي تتضمنها البنية العنوانية للقصيدة (خطاب غير تاريخي على قبر صلاح الدين) فنجد في النص مفردات مثل: القبر، وداعا، الموتى، المجنون، شتتتهم، لعنة، نموت، المسكين، اغتالتك، ساهرون، الحنين، وكلها مفردات تزيد من عمق المأساة التي وصل إليها حال العرب الغرقى.

بالإضافة إلى تقريرية الصور الوصفية التي لم تخرجْ في صورتها العامة عن النزعة التقريرية للقصيدة، حيث يلاحظ وضوح التشبيهات وقلّتها وخلوها من التكلف والتركيب، كما في وصف صلاح الدين: (يا أيها الطبل البدائي الذي تراقص الموتي على إيقاعه المجنون، ويا قارب الفلين، وتتدلى فوق قبرك الورود كالمظليين!). مع الاعتماد على الحروف ذات النغمة الهادئة المهموسة، غالبا، التي تتناسب مع حالات الاضطرابات والصراعات الداخلية، والحنين، وتداعي الذكريات، كما في استعمال حرف (ص، س، النون الساكنة في نهاية الأشطر)، والاعتماد على وزن شعري واحد وهو تفعيلة بحر الرجز (مستفعلن) التي تتغير إيقاعاتها وتوزيعاتها في القصيدة بحسب تغيّر الموقف الشعري من مقطع لآخر.

الخاتمــة

وهكذا يتضح أن شخصية صلاح الدين كانت حاضرة بفاعلية في مرآة أمل دنقل الشعرية على مستوى الموضوع والشكل، وأنّ الشاعر استطاع أن يرسم لنا لوحة فنية تحمل طابعا حكائيا نرى من خلالها صورة واضحة للواقع العربي منذ فترة صلاح الدين إلى يومنا الحاضر، في ومضات تكثيفية خاطفة لها وقْع مؤثر في النفس، تتناسب مع طبيعة القالب الشعري الذي تضمنها.

وقد ظهرتْ هذه الصورة في هيئتين: إحداهما جزئية، والأخرى كلية، بدلالة مغايرة، حيث هناك الحافز والدافع وتقديم المثل والقدوة في قصيدة "لا وقت للبكاء"، وهناك المفارقة الساخرة في قصيدة "خطاب تاريخي على قبر صلاح الدين"، ولعل الظرف التاريخيّ الواقعيّ كان هو السبب الرئيسي في اختلاف الدلالتين، فقصيدة "لا وقت فيه للبكاء" قيلت في لحظة كان الشعب فيها أحوج ما يكون إلى المقاومة واستنهاض الهمة لاسترداد الأرض، أما القصيدة الأخرى فقد قيلت سنة 1976، وقد استردتْ "سيناء"، وغالبية الأرض العربية، لكنّ العربّ ما زالوا غرقى.

= = =

هوامش الدراسة

[1] رينيه ويليك، مفاهيم نقدية، ترجمة محمد عصفور، الكويت: عالم المعرفة، العدد 110، 1987، ص 25.

[2] عبد الرحيم الكردي، عندما تتوهج الكلمة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2015، ص 169.

[3] على عشري زايد، عن بناء القصيدة العربية الحديثة، مكتبة الآداب، القاهرة، 2008، ص 121.

[4] سعيد يقطين، انفتاح النص الروائي،النص والسياق، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، ط 2، 2002، ص 106.

[5] علي عشري زايد، استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، دار الفكر العربي، القاهرة، 1997، ص 120.

[6] رحاب لفتة حمود الدهلكي، التناص مع الشخصيات التراثية في شعر أمل دنقل، مجلة الأستاذ، كلية التربية ابن رشد، جامعة بغداد، العدد211، المجلد الأول 2014، ص 98.

[7] أمل دنقل، الأعمال الكاملة، ديوان تعليق على ما حدث، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الخامسة، 2015، ص 251.

[8] المصدر السابق، ص 255.

[9] المصدر السابق، ص 255-256.

[10] أمل دنقل، الأعمال الكاملة، ديوان أوراق الغرفة 8، ص 402.

[11] المصدر السابق، ص 402-403.

[12] المصدر السابق، ص 402.

[13] أمل دنقل، الأعمال الكاملة، ديوان أقوال جديدة عن حرب البسوس، ص 335- 336.

[14] أمل دنقل، الأعمال الكاملة، ديوان البكاء بين يدي زرقاء اليمامة، ص 100-101.

[15] جيرار جينيت، طروس: الأدب على الأدب، ضمن كتاب آفاق التناصية: المفهوم والمنظور (مؤلّف جماعي)، ترجمة وتقديم: محمد خير البقاعي، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، 1998، ص 132.

[16] عبد المجيد الحسيب، الرواية العربية الجديدة وإشكالية اللغة، عالم الكتب الحديث، عمّان، ط1، 2014، ص 106.

[17] أحمد شوقي، الأعمال الكاملة – المسرحيات، تحقيق: سعد درويش، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1984، ص 216.

يافطة عود الند العدد الفصلي السادس

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3367762

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC