كلمة العدد الفصلي السادس - عدلي الهواري

هبّة القدس 2017

عدلي الهواريحقق أهالي القدس إنجازا كبيرا في مواجهة مع قوات سلطات الاحتلال الإسرائيلي بعد وضعها عند مداخل الحرم القدسي الشريف أجهزة إلكترونية لتفتيش الأفراد، كتلك المستخدمة في المطارات. رفض الراغبون في الصلاة في المسجد الأقصى وقبة الصخرة وساحاتهما الدخول إلى رحاب الحرم عبر هذه الأجهزة، ورفضوا أيضا استبدالها بكاميرات مراقبة.

تحقق الإنجاز من خلال المثابرة على التجمع والصلاة في الشوارع القريبة من سور مدينة القدس القديمة، حيث يوجد الحرم الشريف، والصمود أمام محاولات فض التجمعات. وتحقق الإنجاز أيضا من خلال انضباط مثير للإعجاب. ولم يتم دخول رحاب الحرم القدسي إلا بعد مشاهدة الأجهزة الإلكترونية محمّلة في شاحنات، وبعد معاينة لجنة للأماكن المقدسة، وإعلانها أن بوسع الصامدين العودة للصلاة في رحاب الحرم.

لكل إنجاز آباء كثر، أما الإخفاق فهو لقيط مجهول الوالدين. الوقائع تؤكد أن النصر كان من صنع المشاركين في الهبّة وصمودهم في المواجهة المعتمدة فقط على التجمع والصلاة في الشوارع رغم الإجراءات القمعية. ولولا تحقق النجاح لما سمع أحد بآباء آخرين له، بل لصدرت تصريحات روتينية تحذر من الإضرار بعملية السلام.

إن الاحتفاء بهذا الإنجاز وإبداء الإعجاب بهذه الهبّة مبرران لأكثر من سبب، أولها أن الفلسطينيين في القدس مقيدون بكثير من القيود، فلأنهم يعيشون في المدينة التي تعتبرها إسرائيل عاصمتها، فهم يحملون بطاقة هوية إسرائيلية تعطي لهم بعض الامتيازات، ولكن دون معاملتهم كمواطنين مثلما يحدث لفلسطينيي مناطق 1948. وأهل القدس معزولون عن باقي مناطق الضفة الغربية. وتمارس ضدهم سياسة هدم البيوت بذريعة البناء دون ترخيص، وتسحب منهم بطاقة الهوية بذرائع مختلفة. وبيوت وأراضي المقدسيين تتعرض لمحاولات خسيسة لاستملاكها من خلال أفراد أو شركات واجهتها فلسطينيون، ولكن الملكية تؤول إلى الصهاينة. لذلك، لا مبالغة في القول إن إصرار أهالي القدس على البقاء فيها فعل مقاومة. وفي ظل هذه الظروف، فإن تمكنهم من خوض مواجهة تكللت بالنجاح إنجاز غير قابل للتأويل أو الاستخفاف به.

قدّمت هبّة أهالي بيت المقدس دليلا جديدا على أهمية النضال الجماهيري. وأكدت في الوقت نفسه أن الجماهير لا تتحرك وفق موعد يراه المثقفون والسياسيون والإعلاميون مناسبا. وفي حال هبّة جماهيرية بدافع ديني ومن أجل مكان مقدس، نجد استغرابا أو امتعاضا من بعض اليساريين والعلمانيين، مع تفاوت في درجات النظرة السلبية لهبّة من هذا القبيل.

العلمانيون الذي يعتبرون العلمانية مناهضة للدين لا يشعرون بالرضا عن دور الدين في المجتمع، وبالتالي لا تنال هبّة أهالي القدس رضاهم من هذا المنطلق. بعض اليساريين يستغربون أن يكون اهتمام المنتفضين بمكان محدد، ويرون أن كل الأماكن في فلسطين يجب أن يكون لها نفس الأهمية.

عندما انطلقت الثورة الفلسطينية في عام 1965، كانت تركز على تساوي أهمية كل قطعة من أرض فلسطين، ومن كلمات إحدى أغانيها "ما بنتحول عن حبة رملة، إن كنا بنعز القدس، بنعز الرملة". من حيث المبدأ، هذا الكلام صحيح، ولكنه لا ينفي أيضا حقيقة أن لبعض الأماكن مكانة خاصة لدى الشعوب. على سبيل المثال، عواصم الدول لها مكانة خاصة حتى دون أن يكون لها قدسية لصلة ما بدين. والمكانة الخاصة غير مرتبطة أيضا بصلة ما بمرحلة تاريخية ما، فبعض المدن، عربية وغير عربية، تتمتع بمكانة خاصة لجمالها أو انفتاحها أو لأنها مدينة معروفة بالنشاطات الثقافية والفنية، إلى آخره.

بناء على ذلك، من غير المعقول أن يبدي المرء موقفا سلبيا تجاه هبّة جماهيرية حرّكها شعور مرتبط بالدين وخاصة أن لهذه الهبّة صلة وثيقة بمقاومة احتلال لا خلاف بين المنتمين لمختلف الاتجاهات السياسية والأيدلوجية على وجوب التخلص منه عاجلا لا آجلا.

الموقف الأصح أن يسعى المهتمون إلى تطوير هذا الدافع ليشمل مقاومة الاحتلال، فهو منبع كل أنواع المعاناة التي يعاني منها الشعب الفلسطيني، وبالتالي هو القضية الكبرى التي ينبغي أن يناضل من أجلها كل أفراده.

وهذا يقودني إلى الحديث عن نقاط أخرى ذات علاقة بكيف يجب أن تتعامل الأحزاب أو المثقفون مع الجماهير. لن تتحرك الجماهير لتفعل أمرا ما تراه كمثقف أو سياسي في صالحها بمجرد أن يقال لها "تحركي". وإذا أراد شخص أو منظمة التعامل مع الجماهير لخدمتها، فمن الضروري أن يكون المنطلق احترام الجماهير، حتى لو كان وعيها في الوقت الحاضر ليس بالمستوى الذي تراه صحيحا أو مناسبا.

يجب استخدام وسائل الإقناع والتأثير من أجل أن تجعل الجماهير ترى وجاهة رأيك وتحليلك للأمور، وأن تشارك في توضيح الرؤية لها، فتقاوم الاحتلال ليس من أجل تحقيق هدف محدود، مثل الصلاة دون الخضوع إلى التفتيش، بل من أجل التخلص من الاحتلال والعيش بحرية وكرامة في الوطن المحرر، فتتنقل في ربوعه دون قيود أو تصاريح.

من أكبر الأخطاء اعتبار الجماهير جاهلة ومتخلفة، وبالتالي التعامل معها من برج عاجي. بين الجماهير أناس كثر على قدر عال من الوعي. وحتى الإنسان غير المتعلم لن يمكن اعتباره غير واع، فليس من ضحى أو مستعد لأن يضحي بنفسه من أجل وطنه المتعلم فقط. مهمة من يسعى إلى قيادة الجماهير أن يقنعها بالنضال معه من أجل تحقيق الأهداف التي ستخدم مصلحة الشعب والوطن.

بعد هزيمة الجيوش العربية في حرب عام 1967، راهنت منظمات المقاومة الفلسطينية رهانا رابحا على الجماهير، ونجحت في تحقيق حالة من الالتفاف الجماهيري المبهر وزخم نضالي كبير. والانفضاض عن المنظمات والأحزاب لا تلام عليه الجماهير، فعندما كان الإخلاص في النضال واضحا، قدمت الجماهير التضحيات بدون حدود. وعندما أخفقت القيادات أو حادت عن المسار النضالي، انفضت من حولها الجماهير.

الأمر الآخر الذي أود التنبيه إليه أن الهبات الجماهيرية التي تحدث دون أن يكون لها قيادة معرضة للفشل، أو إجهاض إنجازها بعد وقت قصير من تحقيقه. ولذا من الضروري عدم الاكتفاء بالإنجاز المتمثل في إرغام القوات الإسرائيلية على سحب الأجهزة الإلكترونية، والشعور بالرضا عن التمكن من الصلاة في المسجد الأقصى بقدر أقل من المعوقات، بينما القدس لا تزال محتلة.

أكدت هبة القدس أن الروح النضالية لدى الشعب الفلسطيني لا تزال جمرا متوجها تحت الرماد. وبالتالي، ثمة واجب على كل مثقف ومهتم بالقضية الفلسطينية أن يفكر بكيف يمكن للشعب الفلسطيني أن يطور أساليبه النضالية بحيث تكون المقاومة فعلا يوميا ينجح في هزيمة الاحتلال.

= = =

الحرم القدسي الشريف
يافطة عود الند العدد الفصلي السادس

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3366039

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC