مكارم المختار - العراق

فضفضة

مكارم المختاريا لغنائي بكاء، داء ودواء، صخرا وريشا، ماء وهواء، ظمأ وارتشافا وارتواء، سعدي ونحسي، فرحي وعبسي.

غنائي بصيص تحت رماد، ورمز لوجدان، ومسافات باهتة وليال ذكريات، وضبابيات وتفاؤل، شيء من فراغ ومد من هواء ومساحة من ذينك .

أخاف منه غنائي، خوفي أن يكون قاتلي أو فنائي.

لم ينتم إلى بكائي، وليس بهارب عني غنائي، أشعر بوجودي حين الخيال، ويستعيرني ظلا في كل الخطوات.

أنظره من بعيد غنائي، فتشع جوانبه صمتا خاويا، فأنسجم مع فتن الطارئات، ليبدع شجنه، ومنسجمات الشواغف، وتائهات دروب وحضور نزوات.

غنائي صمت، وأقاويل سامر، أمل الآتي، ومعاناة من حاضر، تتراقص من عبرة وحسرة، ومن خلف قلة وكثرة تفتأ القساوة جزلى، وترنو بماضيات وتدنو بجاريات العمر وقادمات .

غناء على غارب من أعوام، وعيون في كل زمان ومكان، تبحث عن ضلع أيسر، وتتعثر وكأنها تبحر، فلا يهنأ بال ولا يسر حال، فجراح تتعهد الروح، وشرايين القلب تهمد لتظل مبتلة، وجوف الروح تجيد حزنا وأمانا، فبدت سنين العمر كقصر عمر الهلال.

تتساقط أطول اللحظات، وتنفرط كل الكلمات، ليسمع من الصمت ترنيمة، يتوجس منه إكسيرا، وبلا ميعاد يأتي نبض السنوات، كأطلال في غور الزمان، ووداع بلا فراق، فالعهد قيد يضحى ويمسي ويسجل على لوح الأفاق.

غنائي سماء الأصوات، يسقط حيث الأحلام، أنشودة احتمال، من مصادفة يولد، وينتشر ويزداد، يعلمني الخوف، حتى يخيل أني مخطئ، أو أني تمرد على الزمان، وأنتعل الوقت لأموت خفيفا.

ورأيت غنائي كتاب رؤيا، يتوعد بالألم ويعد اللذة، وغورا في عتيد، ينضم أبياتا وديباجة، نسيما من براءة، وريحا من هبوب تمرد.

يفارق روحي غنائي، من شكوى أهداب تغادر مدارج المقل، لتستقبل أسراب الحزن بالدمع العصي.

وكما الموفودة تعرق روحي، وتجف أصابعي كضوء لم يسترع الأفق.

يحمل التاريخ غنائي، عرف من خصالي شيئا، وكشف عن أسراري، وباح بمكنون من غير قصد، ودل على موطن ضعف، وميادين الثبات، على الارتعاش حين الجلادة، والخوف حين الصلابة.

يستشرف وجوها جديدة، ليست ودودة ولا مرعبة، دون سمات وبتقاسيم، تقاسيم واضحة مكممة، معلومة غامضة، كأنه على مستوى من التضليل.

قليل من المغالاة وكثير من التهويل، حتى ليبدو أنه يتلو خطبة، خطبة حميم لدود، وعدو ألد، يجعل الأسماع ترهف، لتحملق الأنظار وتنظر الأبصار، وترى العيون تفاصيل مبهمة كمكيدة لا يخبر عنها شيئا، ولا يروي حيالها سردا ولا حكاية، يروي ما يهديك إليه وما يدلك عليه، حتى ليقول أحذرني ألف مرة، وأحذر مغنيا مرة.

هذا السلطان، السلطان المتفق على خداعه، يكذبك ويصدق الوشاية، حتى يوغر حقدا وضغينة فيك، ويجعل ضمرا من كره له عليك، وكأنه يدبر مكيدة توقع بثمار تقطف دانية، وبساط يسحب من استحواذ، يجمل الشفق، ويزين الأشعة، ويحلي الأفق، وينال الإعجاب، حتى تتغاضى عنه، وعن أنه لعوب كذوب، كذوب بصدقه، لعوب بجده.

بكائي، يدق أجراس الصمت، وحلول الكلام، ورد بشوك، رباطة جأش بكائي، وهشاشة قوة صرح من رخام، وضعف حصن من رهف وطيب، ونعومة، يتلجلج حين الهدير، ويصفر حين النشوة، صوت تتخايل من أعينه الاستشاطة والتغريد غضبا، وهديل من شدة غضب كذلك هو يستعيد ثقته بجلده، حتى يكاد من شدة الارتباك أن ينسلخ جلده (غنائي-بكائي) من عذابات الوحشة ثم ليعجز عن أن يكون جوابا لسؤال، أو أن يعجز عن الإجابة عما هو ومن هو.

بكائي، لا يروح عن النفس، ولا ينعش الفؤاد، ولا عذابات الحاضر يقضي، ولا وحشات الماضي يمحي، ألام من ظلمة، وخوف من أتي ، وخوف من ظلمة أتي، هو غور ممزوج ببهجة وحزن مكبوت ودم قلب، مهجة هو، خاطر هو، خاطر سرعان ما يتطرق إليه النسيان، يبقى يحمل قصائد الأرج ومهما يبعدك بخريدته، يبقيك دائم التقرب، شفق يأذن بتزيين أنظارك وتجميل بغير الجمال حتى تعتاد زيارته والمثول عنده وكأنه قافلة الحياة، ثم يمر وتعبر دهاليز النسيان، دون أن تواجه ألم الفراق، ولا إحساسا بألم رحيل حين يحتل الحواس ويمتلك الشغاف.

ذاك حين يسكت ضجيج عزفك يا غنائي بين الأوردة وفي النبضات يتراقص بأبجدياته ترنيمة تتربع في فضاءات الأحداق.


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3366039

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC