عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

 
أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 60-120 » السنة 6: 60-71 » العدد 60 » للانتظار ألوان، وربيع، وأحلام

وهيبة قويّة - تونس

للانتظار ألوان، وربيع، وأحلام


كانت تنتظره، هي هنا وهو هناك في الطّرف الآخر من الشّاشة.

انتظرته وهي تتصفّح متفرّقات على الشّبكة العنكبوتيّة وتُطلّ على البريد من حين لآخر. لم تظهر أيّ رسالة منه. ولم تفكّر في لفت انتباهه برسالة إليه.

قال سيتأخّر فأحبّت الانتظار في صمت، يحدوها الأمل. وبالأمل تُزيح بعض الحزن، فيبتعد قليلا وتُطلّ صورتُه بين سطور ما تتصفّحه، وتسمع صوتَه. تمتلِئ فرحا. ولكنّ الحقيقة تعود لتحتلّ حيّزا من تفكيرها ومن الصّور المرتمية في فوضى على شاشة أحلامها، ورأت فراغَ الانتظار فعاد الحزن يطأ على صدرها بوحشيّةٍ.

رَسَمَتْهُ بألوان شتّى، فراغا من سواد قاتم، لا يدوم، ولكنّ وطأته على القلب مريعة، وفراغا من بياض يبتلع في بياضه كلّ الألوان. لا تحبّ هذا البياض المفترس للصّور. رسمت الفراغ بالأخضر في لون عشب البراري فتمدّدت أحلامها على خضرتها.

وأضافت بالأصفر لون الشّمس. مسحتها سريعا، ففي صفرتها توهّج لا تحتمله العين وتغيم فيه الصّور الّتي تُريد رسمَها. لون الغروب أجمل. على ضوئه الخافت تظهر الأشياء كلّها في هيئة من يصارع الموت بأنفاسه الرقيقة الذّاوية، ثمّ يستلّ الحياة بنوم هادئ حتّى يحين إشعاع فجر جديد.

مع انشقاق السّماء بلون الغروب وجدَتْ فرصةً لترسم الأزهار هنا وهناك وحول مياه جدول صغير يجري كما الخائف بين الأعشاب الطويلة. واختلطت الألوان، ولكنّها تناسقت لتكون أجمل صورة للانتظار، لم تَنسَ رسم شجرة. قالت: "لعلّ الانتظار إن طال استَظَلّ بها ظلّي."

ارتفع جذع الشّجرة أكثر وتغيّر شكل أغصانها وأوراقها، صارت نخلة، وسمعته يقول: "هذه هي النّخلة"، هزّت جذعَها وانتظرت أن يتساقط الرّطب جنيّا. لم يكن حينها موسم الرّطب، ولكن سمعت لها صوتا شجيّا، صوت طفلة يأتي من بعيد، من تشقّق وقت الانتظار بالأمل،

وتقدّم سواد اللّيل، وغشيها ببرد وظلام، وابتلع الألوان. كان لا بدّ أن تفتح نافذةً للنّور، قمرا يشرف على ساحة الانتظار ويؤنس الحزن، وانفتحت الشّرفة، ومرّ منها، والوردة والقصيدة كالعادة تحتضنهما كفّاه.

لم تسأله عن شيء. كان الصّمت أجمل ما بينهما وهما ينتظران، هو هناك، وهي هنا في الطّرف الآخر من الشاشة.

D 25 أيار (مايو) 2011     A وهيبة قويّة     C 8 تعليقات

5 مشاركة منتدى

  • اي انتظار هذا ؟ واي زمن فرسان ذاك ؟ حتى في زمن الفرسان لم يكن لانتظار غودو طعم العسل فما بالك بالان ؟ من يراه عذابا هكذا ربما لم يذق مرارته في الواقع و حتى خلف تلك الشاشات التي من خلالها يتذوقون حلاوة الشات لتهون عليهم مرارة الانتظار و ظلمة الشاشات . الصمت جميل ؟ حين يرى احدهما الاخر فتتحدث العيون اما عبر الاثير فانتظار ممل متعب الاجدى اغلاق الحاسوب و القلب معا.


    • شكرا الأستاذة هدى لمرورك على النصّ.
      الانتظار فروسيّة في كلّ الأزمان. له طعم بحسب من ننتظره. هو: أخفاه النصّ وتخفّى هو خلف الشاشة كما تخفّت. والعلاقة بيينهما غير صريحة، وإن كشفها الصمت آخر النصّ. عندما نعلم من وراء الشاشة سيكون الانتظار قصّة لا يُغلق دونها الحاسوب وإنّما تتفّح لها براعم الربيع.
      قد تكون الصورة من رسم امرأة تستأنس بمجهول على الشات، وقد تكون لامرأة غاب عنها زوجها، أو حبيبة تشتاق لحبيبها، الانتظار عندما يصبح ربيعا ويتلوّن لا بدّ أنّ من ننتظره يستحقّ كلّ هذا العناء. وأنّه هو الغائب لم يصبح ضميرا غائبا إلاّ لإحكام إخفائه عن عيون المتطفّلين على شاشات الشات.

  • لا أجد كلام أقوله .. سوى أن قلمك يعبر بطلاقة عن مشاعر فياضة بداخلك
    قوة اسلوبك يا وهيبة بتدفعك للكتابة في أعماق أعماق الأدب
    استمري في امتاعنا بأفكارك الجميلة
    .......
    تلميذك نبيل ثابت


  • وقفت عند ما قالته السيدة الفاضلة هدى الدهان: الاجدى اغلاق الحاسوب والقلب معا.
    سيدتي لو كان من تنتظر ابنها البكر؟
    لو كان زوجها الذي لها منه صبية صغار ؟
    احتمال اباها اذ ليس لها غيره وقد وعدها بالعودة؟
    نعذرها نسبيا في انتظارها القاسى ... وان كنت لا اطيق الانتظار!


    • إلى زهرة الجزائر
      كلّ الاعتذار لأنّني فتحت باب انتظار ردّ على مشاركاتك، وشكرا لك لقراءة نصوصي وتعليقك.

      وأمّا الانتظار، فلا أظنّ أنّ فينا من أحبّه في واقعه أيّا كان المنتَظرُ، فقلوبنا لا تعرف الصّبر في انتظار من نحبّ، لذلك كتبت عنه وكتبت في فضاءاته، ولوّنته وغنّيته... كان يفتح لي أبواب ذاكرة أحبّها ومن هنا جاءت فكرة مجموعة نصوص في باب الانتظار، ستكون كلّها في أعداد عود الندّ بإذن الله...
      فانتظري... قد يأتي باقي النّصوص بما تشتهيه الأنفس. وأرجو أن لا أحبط أحدا.
      أرقى تحيّة للجزائر وزهرتها.

  • كلما قرأت سطورك كلما ازدادت أثار التخدير العقلي اللإرادي شيئاً فـ شيئاً لأجد نفسي
    ٰ مبهِماً منتشياً بعد أن زالت اثار تخدير سطورك وكلماتك ،
    يالـِ روعتها من روعه أفكارك اللتي أضاءت ولألأت عتمة الانتظار "الممل" الذي لا طالما
    البعض ان يُصِروُّا على أن كلمة "الممل"هي الرديف للإنتظار.
    وهنا لايسعني إلَّا أن اشكرك لإشباع ذائقتي بماقراته،،،..{{}}


  • في أنتظارك طفلة تراود اللاشي ؛تسقيه من أشيائها فكان إخضرارا ؛ وشجرة ؛ وأخيرا نخلة .. هنا يكون الانتظار واحة من ذكرى المكان ونسيان ضروري للزمان كأن الكلام حلم يرافق السماء في هبة الإقحوان . انتظار بحجم المجهول لكنه في كفك طريق المعنى المأهول ...