إبراهيم قاسم يوسف - لبنان

عطر الفردوس من الشّام

عند بداية موسم التّوت في النصف الأول من تموز عام 1935، ما من أحد من الشهود القلّة الأحياء يذكر اليوم بالتحديد. في ذلك الحين مات إمام البلدة الشيخ "السّبليني"؛ الصوت الخطابيّ الصافي واللثغة النّجفيّة المميّزة، ذات الحروف الدّافقة المغرّدة، التي تتحول فيها الجيم شيْنا وتبقى القاف على أصالتها. رحل صاحب الجبّة البيضاء والكفّين الضخمتين والخطّ النّسْخيّ الأنيق، يكتب به وثائق البيع والشراء، ووصايا الناس من المتّقين المؤمنين باستخدام الريشة والدواة.

قدم من النّجف مباشرة، بتنسيق مسبق وتمويل من مغترب تقيّ وميسور، فتولى إمامة أول مسجد أقيم في ساحة القرية، قريبا من حاووز المياه ودسكرة من شجر الحور. تزوّج امرأة واحدة تصغره بخمسة عشر عاما، واستنزف منها ذرية تتألف من عشرات الأولاد والأحفاد. توفاه الله فجأة في ساعات الصباح الأولى عن عمر لم يبلغ المئة، لكنه تجاوز التسعين عاما بسنوات قليلة.

مات دونما يهزمه مرض أو يستسلم لفراش. كانت عيناه سليمتين تريان الحصى الصغيرة والزؤان، وهو ينقّي عدس الطبخ لكنّته أو أمّ عياله أو يدخل الخيط في خرم الإبرة لحفيدته، تصلح بها ثوبا أو تعيد زرا إلى عروته. كان رجلا مهيبا ممتلئ الصّحة عالي الهامة سليم الجسم والروح، يشبه في شكله "زوربا اليوناني" إلى حدّ بعيد. توفاه الله بلا علّة أو مرض ظاهر. مات وفمه مليء بالأسنان السليمة البيضاء وشعر لحيته فيه الكثير من السواد.

أمّ الحضور في صلاة المغرب والعشاء، ثم عاد فاغتسل بجرّتين من الماء البارد، وتناول طعامه لبنا وخبزا وتمرا ثم صلّى مرة أخرى للمغفرة والدعاء ولجأ إلى الفراش. حينما تفقدتْه إحدى حفيداته في ضحى اليوم التالي، وقد تأخّر على غير عادته في النهوض من النوم، كانت الشمس قد أشرقتْ وانقضى وقت الصلاة ولم يترك فراشه بعد. وجدته نائما على الجانب الأيسر كما ينام الأطفال. نادته ولم يجبْ. هزّته برفق ثم هزّته بشدة فلم يتحرك. صرخت الفتاة؛ ورحل الرجل بلا معاناة ولا أوجاع. أغمض عينيه ومضى إلى ربّه في سلام. بهذه البساطة وهذا الرضا مات السّبلينيّ الإمام.

لم تكن زوجة المتوفى وابنه قد عادا من السفر، بدواعي التسوّق واختيار جهاز العروس إحدى حفيدات الإمام، فاجتمع أعيان البلدة وكبارها على عجل، واتخذوا قرارا بتأجيل الدفن إلى اليوم التالي، اليوم المتوقع لعودة الابن الغائب وحرم الإمام؛ بالإضافة إلى العروسين المستفيديْن من الرحلة إلى الشام. لكن حرارة الطقس في شهر تموز عرقلت تأجيل الدفن وأجهضت تنفيذ القرار، وانقسم الحضور بين مؤيد ومعارض للدفن في ذات النهار.

موسى راشد لم يكن من الكبار أو الأعيان، أو ممن شاركوا في اتخاذ القرار. كان يافعا لم يبلغ العشرين تضجّ في عروقه دماء الشباب. كان يجلس في الصف الخلفي الأخير، لكنه رأى وسمع ما حدث فصمّم على أمر.

ترك المسجد على الفور وبادر إلى بغلته فجرّها وراءه، وقطع المسافة القصيرة عبر الأزقّة من بيت أسرته في الجوار، حتى حظيرة المواشي لآل "الصّليبي" آخر العمران في البلدة عند الحدود مع الغرب. ثم اتجه بالبغلة صعودا عبر مسالك عسيرة وطرق عذراء لم تطأها من قبل أقدام إنسان. يمّم وجهه صوب قمة الجبل في أعالي صنين قريبا من الحدود مع السماء.

أنجز رحلته إلى القمة بصعوبة بالغة عبر أشجار الملّول والسنديان، ووقع حوافر الدّابة على الحصى والحجارة تخترق السكون. تتناغم مع أزواج من طير الحجل تنفر إلى جواره من حين إلى حين، يتردد صدى أجنحتها مصفقة في الفضاء.

رأى أيضا بعض الأرانب الرمادية تنطلق صعودا؛ تساعدها طبيعة قوائمها على الهروب دائما إلى الأعلى، ووجود الأرانب يؤشّر بالضرورة إلى وجود الثعالب. لكنّه لم ير واحدا من هذه الحيوانات الذكية، التي تخشى ممّنْ يسلخ جلودها ولا يأكل لحمها، فتنأى بنفسها بعيدا عن عيون الناس.

أبصر كذلك كثيرا من السحالي تنبطح في أعلى الصخور، تومئ برؤوسها بآليّة ورتابة إلى أعلى وأسفل كمن يقول في ذات الوقت لا، ونعم. أو كأنها ترحّب به وتقول له أهلا وسهلا، وعانى طوال الطريق من صخور شعثة مسنّنة مزّقت شرواله ونالت من حذائه، وأشواك حادة لسعته وآلمتْ ساقيه.

كادتْ صعوبة الطريق وانحدارها الشديد تثنيه بالتراجع عن مهمته، لكنه أكمل طريقه باندفاع أهل الريف ونخوتهم في الملمات. أبى الفشل في مهمته والعيب على نفسه بالخيبة والرجوع، فتحايل في الالتفاف على العوائق والصخور في الطريق إلى القمة، وقطع المسافة في ثلاث ساعات وهو يجر بغلته وراءه.

حينما أدرك رأس الجبل بجهود جبارة تكاد تشبه ما يفعله أبطال الأساطير، روى عطشه فأكل ثلجا نظيفا لم تعبثْ به يد ولم تره عين، ثلجا بكرا عصيا على الذوبان في ظلّ جرف صخريّ عظيم، وحرارة شمس خجولة تصل إلى أدنى الدرجات على ذلك العلو المخيف، ثم ملأ كيْسيّ "ميلو أحمر": كيسين كبيرين، حمّلهما على ظهر الدابة من الجانبين وعاد بهما إلى القرية بهمّة عالية ورأس مرفوع، فوصل إلى المسجد حيثما يجتمع الناس بعد أقل من ساعتين في طريق النزول، دون أن يخسر من الثلج إلاّ القليل.

هكذا فاجأ الجميع، فهللوا له وأكبروا فيه الهمّة والشجاعة والإقدام، وتمّ حفظ جثمان الإمام حتى موعد الدفن في اليوم التالي، تحت سقف من الخشب والطين وثلج من قمة الجبل في صنين. وهكذا صار موسى راشد مضربا للمثل، يستحضرون ذكره وشجاعته عند الملمّات.

لكن بعض المؤمنين ممن شاركوا في العزاء، واستمطروا الرحمة على روح الإمام، واستذكروا الكثير من مآثر الفقيد، ومن الآيات البيّنات التي تتناول العبرة والمغفرة والموت؛ أنكروا فضل موسى راشد وبخسوه حقّه. فقالوا: لم يكن جثمان الإمام بحاجة إلى الثلج لحفظه من التلف السريع في فصل الصيف، وأن موسى أرهق نفسه بالمخاطرة والصعود إلى الجبل بلا جدوى، ففي موعد الدفن في اليوم التالي، كانت تفوح من جسد الوليّ الطاهر رائحة زكية كزهر البيلسان، أثر من شذا الجنّة كان عالقا على ثياب الملائكة ممن تولوا حراسة الجثمان طيلة الليل حتى الصباح.

من الناس من حمله إيمانه إلى أبعد من الرائحة الزّكيّة التي تنتشر في المكان، فشهد أنه رأى بعينيه طيف الملائكة تغادر عند الفجر من "باب السّر" (1) إلى فناء الحواكير، ومنهم الشكّاك المرتاب من كان لا يؤمن أبدا فيقول: هذا افتراء على الحقيقة وضلال؛ هو "عطر الفردوس" مما أحضروه مع جهاز العروسين من حيّ السيدة زينب في دمشق الشام. رشّوه على الميت وأغرقوا به جثمان الإمام.

= = = =

(1) "باب السر": باب ضيق يتفرع من دار مكشوفة إلى الخلاء.


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3429092

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC