أمين دراوشة - فلسطين

جوع ونصوص أخرى

أمين دراوشةجوع

فرّ من بيته إلى المدرسة، شعر بدوار خفيف، كأنه أصيب بفقدان ذاكرة مؤقت، يعلم أنه يعمل مدرسا، وأنه الآن في المدرسة، ولكن لا يعلم بتاتا أين يكون فصله، وكونه لم يتعرف على المعلمين لم يسألهم عن فصله، فقرر الدخول إلى أول صف في طريقه، كان الطلاب داخل غرفة الصف في حالة هيجان، يغنون ويرقصون ويتنططون.
دلف إلى الغرفة، عاد الطلاب إلى مقاعدهم، ونظروا باندهاش إلى القادم الجديد.

أمسك الطبشورة، وكتب وسط اللوح: " الجوع".

سأل الطلاب عمّا توحي الكلمة إليهم.

ارتفعت الأصابع طالبة الإجابة.

= الجوع يعني الحلم باللحم الأحمر.

= الجوع هو الحاجة إلى النوم.

= الجوع كفر.

= الجوع مرض.

= الجوع عكس الشمس.

= الجوع الحياة دون مطر.

= الجوع مذلة.

= الجوع نهاية الطريق.

= الجوع موت.

= الجوع خيانة.

= الجوع بطالة.

= الجوع بداية السير على الدرب الصحيح.

= الجوع فلسفة الأغنياء.

= الجوع العيش دون بحر.

= الجوع أن تقبل الحال كما هو.

= الجوع فقدان الأب.

= الجوع دمار.

= الجوع يعني الشعور بالبرد.

= الجوع كنز الفقراء.

= الجوع هو العيش دون أم.

= الجوع بداية الثورة.

= الجوع محبة.

رن الجرس معلنا نهاية الحصة، صرخ الطلاب بصوت واحد: "ماذا يعني الجوع يا أستاذ؟"

قال: "الجوع. الجوع. الجوع: أن لا تكون نفسك".

تهديد

مرّ صاحب المشروع ليتفقد العمل، وجد العمال يضعون على الأرض الحمص والفول وحبات البندورة وكم رأس بصل. فكر مشرف العمال أن يقول: "تفضل".

قبل أن يقولها كان صاحب المشروع يصرخ ويشتم ويلعن. العمال لملموا غذائهم وهم ما زالوا جوعى، وانطلقوا كل إلى عمله.

وأثناء مغادرة موقع العمل، شاء حظه العاثر أن يدوس على مسمار، الذي استطاع أن يخترق حذاءه الجلدي ويصيبه بألم فظيع.

تجمهر العمال حوله في محاولة لمواساته. أخذ يبكي بحرقة، ثم قال: "الذكرى. آه يا أمي، وأخيرا استجاب الله لدعائك، واخترقني الوجع، ولعله يرافقني إلى الأبد كما كنت دائما تهددين".

ابتسم للريح

قالت العرافة بدهاء: " ابتسم رغم فيضان الوجع، وانحباس الدمع، والخسارات المتتالية".

قال باندهاش: "كيف ذلك؟ واﻷلم يسري كالجدول في روحي المنقسمة، والمدينة الموبوءة تسكنني، والجدار يغلق المدى. لا أحد يحس بهاويتي البئرية. حتى الشمس ترتجف، والغيوم مبللة بالفزع والخوف".

ضحكت وقالت: "ابتسم، فالريح الحرة العنيفة، المصحوبة بقوة إلهية قادمة، ريح مفعمة بالوعود".

غير أني لا أعلم حقا، أستكون وعودا باﻷمل والود والخلود أم بالبؤس واليأس واليباس.

برتقال

قال المزارع الفقير لنفسه: "ما أجمل حبات البرتقال على أغصان الشجرة! سأقطف حبة".

شرع يقشرها، سمع صوتا. أصغى، ثم أخذ يحرك البرتقالة بين يديه وقسمها بخفة إلى قسمين.

صرخ من الدهشة، ثم عجز عن الكلام.

نهضت من نومها وتمطت. وطبعت على شفتيه قبلة بنكهة أبدية.

حلم لا يأتي إلا مرة واحدة.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3251505

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC