مليكة فريحي - الجزائر

تحليل الخطاب: أمثلة تطبيقية على قصائد لأحمد مطر

حجاجية التّكرار في صنع الخطاب السّياسي في أشعار أحمد مطر

يعود مصطلح تحليل الخطاب إلى عدّة مفاهيم، تشمل مجالات واسعة ومتباينة، بالإضافة إلى أنّه حاز على اهتمام العديد من النّقاد، وصار"محور التقاء دراسات مختلفة، مثل اللّسانيات الاجتماعية، واللّسانيات النّفسية، واللّسانيات الفلسفية واللّسانيات الإحصائية"[1]، كما يوضح محمود عكاشة.

يؤكد خليفة بوجادي أن تحليل الخطاب له استعمالات عديدة، تغطي مجالات مختلفة من الأنشطة الإنسانية، وهذه الأنشطة هي نقاط تماس بين علم اللّغة الاجتماعي الذي يهتم ببيئة التفاعل الاجتماعي، وعلم اللّغة النّفسي الذي يركز على قضايا اللّغة والإدراك، وعلم اللّغة الفلسفي الذي يهتم بالعلاقات الدّلالية القائمة بين وحدات الكلام، وعلم اللّغة الإحصائي[2] الذي يبحث في الجانب اللّغوي عن طريق عمليات إحصائية بغية الوصول إلى جوانب عديدة في المعنى.

يختلف تحليل الخطاب الأدبي عن الخطاب السياسي الذي يكتسي حلّة أخرى، بحيث يعبر عن مقصدية موجهة إلى متلقي معين وهذا للتأثير فيه "وإقناعه بمضمون الخطاب ويتضمن المضمون أفكارا سياسية، أو يكون موضوع هذا الخطاب سياسيا، يهتم بالأفكار أو المضامين، ولهذا نجد المادة اللّفظية قليلة في حين يتسع المعنى الدّلالي لتلك الألفاظ، فالمرسل يعتني بالفكرة التي هي مقصده أكثر من عنايته بالألفاظ فالفكرة في الخطاب السياسي هي الأساس"، كما يشرح محمود عكاشة[3].

يشترك في تلقي الخطاب المرسل الذي هو الأداة الأولى في العملية الخطابية، والتي لها دور فعّال في عملية التأثير، وتؤثر ثقافته ووسائله الإقناعية على المرسل إليه أو المتلقي الذي هو المستمع أو المقصود المباشر، وتعتبر هذه الوسائل الرّكيزة الأساسية في العملية كلّها وهي بمثابة عملية حجاجية للمتلقي.

الوسائل الإقناعية:

يرى محمود عكاشة أن الوسائل الإقناعية هي بمثابة الوسيط بين المرسل والمرسل إليه وتتمثل في "الأدلة والبراهين والأساليب التي يستعين بها المرسل لإقناع جمهور المتلقين. وتنقسم إلى نوعين: أدلة خارجية (خارج الخطاب والعالم الخارجي)، وأدلة داخل الخطاب (اللّغة والأسلوب وترتيب الأفكار، وإجراء الخطاب)"[4].

وأحاول أدناه تذليل ذلك عبر مثال تطبيقي من أشعار أحمد مطر، وهو قصيدة يقول فيها:

غلاف ديوان أحمد مطر زارَ الرّئيسُ المؤتَمَـنْ

بعضَ ولاياتِ الوَطـنْ

وحينَ زارَ حَيَّنا

قالَ لنا :

هاتوا شكاواكـم بصِـدقٍ في العَلَـنْ

ولا تَخافـوا أَحَـداً..

فقَـدْ مضى ذاكَ الزّمَـنْ.

فقالَ صاحِـبي (حَسَـن):

يا سيّـدي

أينَ الرّغيفُ والَلّبَـنْ؟

وأينَ تأمينُ السّكَـنْ؟

وأيـنَ توفيرُ المِهَـنْ؟

وأينَ مَـنْ

يُوفّـرُ الدّواءَ للفقيرِ دونمـا ثَمَـنْ؟

يا سـيّدي

لـمْ نَـرَ مِن ذلكَ شيئاً أبداً.

قالَ الرئيسُ في حَـزَنْ :

أحْـرَقَ ربّـي جَسَـدي

أَكُـلُّ هذا حاصِـلٌ في بَلَـدي؟!

شُكراً على صِـدْقِكَ في تنبيهِنا يا وَلَـدي

سـوفَ ترى الخيرَ غَـداً.

**

وَبَعـْـدَ عـامٍ زارَنـا

ومَـرّةً ثانيَـةً قالَ لنا :

هاتـوا شكاواكُـمْ بِصـدْقٍ في العَلَـنْ

ولا تَخافـوا أحَـداً

فقـد مَضى ذاكَ الزّمَـنْ.

لم يَشتكِ النّاسُ!

فقُمتُ مُعْلِنـاً:

أينَ الرّغيفُ واللّبَـنْ؟

وأينَ تأمينُ السّكَـنْ؟

وأينَ توفيـرُ المِهَـنْ؟

وأينَ مَـنْ

يوفِّـر الدّواءَ للفقيرِ دونمَا ثمَنْ؟

مَعْـذِرَةً يا سيّـدي

.. وَأيـنَ صاحـبي (حَسَـنْ )؟![5]

الأدلة الخارجية

منطقة التنومة العراقية كانت ميلاد للشّاعر أحمد مطر، الشاعر الإعلامي السّياسي العربي، الذي شكلت له السّلطة هاجسا في كل أشعاره، فصورها في سياسة الحاكم المراوغ الذي يكون هدفه الأساسي التوجيه الإقناعي للمتلقي ووضع سلوكه الاجتماعي في سلة السلطة. والقصيدة التي بين أيدينا مقطوعة من نص "مفقودات" من الديوان الثاني في سلسلة "لافتات أحمد مطر" (ص 18، 19، 20، 21).

نجد في هذه القصيدة تفاعل لغة الخطاب مع العالم الخارجي، وذلك باستخدام محددات زمنية تربط زمن الخطاب بزمن خارجي معين نجد منها (زار، مضى، بعد عام). وكأن الشاعر يريد أن يعد تقريرا حول زيارة هذا الرّئيس الذي يمثل السّلطة الحاكمة.

الأدلة الدّاخلية:

الشاعر أحمد مطراستعان أحمد مطر بوسائل لغوية حجاجية لتدعيم خطابه السياسي وللتأكيد أيضا على رسالته للشّعب والحاكم، استخدم لغة يهضمها الشعب. وقد أكدّ محمود عكاشة على ضرورة "وضوح الرّسالة لأن الوظيفة التي ستقوم بها هي إبلاغية إفهامية، وأن اللّغة المشتركة بين المتلقي والمرسل لابد أن تكون بسيطة"[6]، وقد استخدم المرسل، أحمد مطر، في قصيدته لغة مفهومة لا تحتاج معجما، ولا تشكل غموضا على المتلقي.

وعمد الشاعر في القصيدة إلى التكرار في اللّفظ والذي غطى كل القصيدة خاصة في تكرر الفعل زار ثلاث مرات، كما تكررت جمل الحاكم وتمثلت في هاتوا شكاويكم بصدق في العلن، ولا تخافوا أحدا فقد مضى ذاك الزّمن مرتين، والأسئلة التي جاءت على لسان بعض المتلقين وتمثلت في "أين الرّغيف واللّبن؟" مرتين، و"أين تأمين السّكن؟" مرتين، و"أين توفير المهن؟" مرتين، و"أين من يوفر الدّواء للفقير دونما ثمن؟" مرتين، وتكرار اسم العلم حسن مرتين، وما يمكن ملاحظته أن استعمال النّمط الحجاجي الذي سجل في عملية تكرار الاستفهام التقريري قد سيطر على القصيدة.

و قد عرف ابن منظور الاستفهام بقوله "الفهم: معرفتك الشيء بالقلب. وفهمت الشيء: عقلته وعرفته، وفهمت فلانا وأفهمته. وتفهم الكلام: فهمه شيئا بعد شيء. واستفهمته: سألته ان يفهمه، واستفهمني الشيء، فأفهمته وفهمته تفهيما"[7]، فالاستفهام من الأساليب الإنشائية الطلبية وله عدة وظائف منها الوظيفة الحجاجية.

والاستفهام نوعان وهو ما جاء على لسان ابن فارس حين يقول "الأول قائم على الأصل اللّغوي، وهو الاستفهام الحقيقي والذي يكون ظاهره موافقا لباطنه كسؤالنا عما لا نعلمه فنقول ما عندك؟ ومن رأيت؟ والثاني هو المجازي، وأشار إلى خروجه عن الأصل اللّغوي إلى معاني مجازية"[8].

و ما يمكن ملاحظته أن التّكرار المسجل في القصيدة جاء لتقرير خطاب سياسي مقنع تحت لواء الألفاظ يريده الشاعر أحمد مطر ويهدف إلى إيصاله.

ونجد الشّاعر قد عمد إلى التكرار المعجمي نفسه تأكيدا على حجم المصيبة، فكما يشرح لأنّه محمود عكاشة، فإن التكرار "من أكثّر الأدوات البلاغية استخداما في الخطاب العربي على الإطلاق لما له من تأثير على مشاعر المتلقي العربي الذي يتذوق المعنى ويتفاعل مع المرسل من خلال الأساليب التي استخدمها في الخطاب في التواصل معه وقدرته على استخدامها، وقد لاحظت باربا جونستن أنّ الخطاب الإقناعي العربي تكراري، وتوصلت من خلال البحث إلى أن التّكرار في العربية الآلية الأشيع والأقوى في الإقناع سواء أكان تكرارا بنائيا أم تكرار مستويات"[9]. ويرى مازن الوعر أيضا "أن صفة التّكرار على مستوى الشّكل اللّغوي وعلى مستوى الدّلالة اللّغوية تجعل الخطاب أكثر ديناميكية وحيوية وتفاعلا"[10].

كما عرف ابن منظور التكرار على النحو التالي:

الكر: الرجوع. يقال كره وكر بنفسه.

والكر مصدر كر عليه يكر وكرورا.

وتكرارا: عطف عليه وكر عنه: رجع.

وكرر الشيء وكركره: إعادة مرة أخرى [11].

وقال ابن أثير: "اعلم أن هذا النوع من مقاتل علم البيان وهو دقيق المآخذ وحدّه: هو دلالة اللّفظ على المعنى مرددّا وربما اشتبه على أكثر الناس بالإطناب مرة وبالتطويل أخرى"[12].

وتحدث الجاحظ هو الآخر مبيّنًا الفائدة منه قائلا: "إن الناس لو استغنوا عن التكرير ( التكرار) وكفوا مئونة البحث والتنقير لقلّ اعتبارهم. ومن قلّ اعتباره قلّ علمه، ومن قلّ علمه قلّ فضله، ومن قلّ فضله كثُر نقصه، ومن قلّ علمه وفضله وكثُر نقصه لم يُحمد على خير أتاه، ولم يُذمّ على شرّ جناه، ولم يجد طعم العزّ، ولا سرور الظفر، ولا روح الرجاء، ولا برد اليقين ولا راحة الأمن [13].

كما روى صاحب التاج في مادة كرر: "كَرَّ عليه يَكُرّ كَراًّ وكُروراً كقُعود وتَكْراراً بالفتح: عَطَفَ. وكَرَّ عنه: رَجَعَ فهو كَرَّارٌ ومِكَرٌّ بكسر الميم يُقال في الرَّجل والفرَس. وكَرَّرَه تَكْرِيراً وتَكْرَاراً. قال أبو سعيد الضَّرير: قلتُ لأبي عمرو: ما بين تَفْعَال وتِفْعال؟ فقال : تِفْعال اسمٌ وتَفْعَالٌ بالفتح مَصْدَر وتَكِرَّةً كتَحِلَّةٍ وتَسِرَّة وتَضِرَّة وتَدِرَّة قاله ابن بُزُرْج. وَكَرْكَرَه: أعاده مرَّةً بعد أخرى. قال شيخُنا: معنى كرَّرَ الشيءَ أي كرَّرَه فِعْلاً كان أو قولاً. وتفسيرُه في كتبِ المَعاني بذِكْر الشيءِ مرَّةً بعد أُخرى اصطِلاحٌ منهم لا لُغة قاله عصامٌ في شرحِ القصارى انتهى. قلتُ: وقال السُّيوطيُّ في بعضِ أَجْوِبته: إنَّ التَّكْرار هو التَّجْديدُ للَّفْظِ الأوَّل ويُفيد ضَرْبَاً من التأكيد [14].

ويبرز الزّمخشري القيمة الفنيّة والمعنوية في ظاهرة التّكرار "بأنها استدعاء مهم لتجديد الاستبصار عند كل خطاب وارد، وطريقة الإنصات لكل حكم نازل، وتحريك منهم لئلا يفتروا أو يغفلوا عن تأملهم وما أخذوا به"[15]. وأما في الاصطلاح، فالمقصود به: تكرار كلمة أو لفظ أكثر من مرة في سياق واحد لنكتة ما، وذلك إما للتوكيد، أو لزيادة التنبيه أو للتهويل، أو للتعظيم [16]، وتبقى صيغة التكرار ضربا من التأكيد حتى أننا نجد أن "دوران الأفلاك وظهور النجوم والكواكب واختفائها"[17] لآية وحجة يقينية للبشر.

كثف أحمد مطر التّكرار في القصيدة التي بين أيدينا الممزوج بالاستفهام في عملية الإقناع للتأثير على المتلقي، ولبعث الحركة وإزالة الرتابة.

إذن سياسة هذا الحاكم هي المراوغة والتي هي طريقة لسبر آراء الشّعب واستدراجه لفض مكبوتاته وتهيئة طريق الأمان له، ونجد ذلك في قوله (هاتوا شكاويكم بصدق في العلن، ولا تخافوا أحدا فقد مضى ذاك الزّمن)، والنّتيجة أن الشّخص الذي كانت له الجرأة للكلام هو حسن، ويقصد من وراء ذلك الشاعر أحمد مطر، ما حسنت أخلاقه وأفعاله والذي كان أحسن ممن تجمعوا وقد سيطر عليهم الصمت، كان مصيره الموت، وكان بمثابة رسالة لهذا الشّعب وكبش محرقة لمن تسول له نفسه تكرار السّؤال أين، وهو من الأساليب الطلبية الإنشائية التي يستخدمها المرسل لغرض إقناعي حجاجي. وقد عمد إليه للتأكيد على الحالة المزرية التي يعيشها هذا الشعب تحت واقع مرٍّ تغيب فيه أدنى ضروريات الحياة.

نسق أحمد مطر باستخدامه صيغة التكرار في عملية طرح قضية الشّعب التي تلخصت في قمع وجبروت الحاكم، فقد بدأ الخطاب بمقدمة فتح بها فكرته التي تلخصت في تلاعب هذا الحاكم المؤتمن وجسه لنبض الشّعب واستدراجهم للكلام، وهنا نعود إلى مقولة وزير الدّعاية والإعلام في عهد هتلر أنّه كلّما شعر بوجود مثقف تحسس مسدسه، فحسن الذي تكلم في الشّطر الأوّل هو مفقود في الشّطر الثاني. كما استخدم أحمد مطر رابط الوصل المكرر في عملية الاستفهام وهذا لتأكيد القضية وسرد كيف كان هذا الحاكم يتلاعب ويتراوغ مع أفراد مجتمعه ويستدرجهم للكلام.

هي عملية حجاجية بتوظيف التكرار استخدمها الشاعر للوصول إلى ما يريده وخاصة إذا طبقنا نظرية الحجاج لدى بيرلمان والتي حددها في خمسة ملامح رئيسية: (1) أن يتوجه إلى مستمع. (2) أن يعبّر عنه بلغة طبيعيَّة. (3) مسلماته لا تعدو وأن تكون احتمالية. (4) لا يفتقر تقدمه تناميه إلى ضرورة منطقية بمعنى الكلمة. (5) ليست نتائجه ملزمة.

أشعار الإعلامي أحمد مطر لم تكن إلا سبرا لآراء بعض الشّعوب العربية، فبدلا من أخذها بعين الاعتبار، قام الحكام بملاحقة فرد أوصل الرّسالة، جاء بما سمعه وعاينه، ونجده يتحدث عن ذلك قائلا في قصيدته التّهمة:

كنتُ أسيرُ مفـرداً

أحمِـلُ أفكـاري معـي

وَمَنطِقي وَمَسْمعي

فازدَحَمـتْ

مِن حَوْليَ الوجـوه

قالَ لَهمْ زَعيمُهم: خُـذوه

سألتُهُـمْ: ما تُهمتي؟

فَقيلَ لي:

تَجَمُّعٌ مشبــوه"[18]

يستخدم أحمد مطر في هذه المقطوعة الشّعرية لغة حوارية يفترضها المرسل، بحيث نجده يسأل ويجيب وكان ذلك بعد الاستغراق في الوصف والتصوير على أساس تهيئة السامع وتشويقه واستحضار الأشياء أمامه، كما وظف لتوثيق الأحداث ولتحقيق التّأثير المباشر والتّفاعل المستمر مع المتلقي الفعل المضارع (أسيرُ، أحملُ)، وهي أفعال ذات حركة مستمرة ودائمة.

يبقى الحصار الإعلامي دائما يحيط بالمثقف، فبدلا من استنزافه لصالح الدّول، لأنه بمثابة الكاهن الذي يتوقع أمور السياسة، ويمثل وعي الشعب وكوابته وما يقوله ما هو إلاّ أكبر اقتصاد لغوي لسبر آراء أفراد المجتمع، إلا أنّنا في واقع الأمر نجد الرّقابة في مقابل ذلك تشدد عليه الحصار.

وخير ما يمكن أن نستجير به في هذا المقام هو الشاعر البصري العراقي أحمد مطر، الذي كان الكاهن الإعلامي لعدد من المستجدات التي تحدث في المجتمعات العربية التي سميت "الرّبيع العربي"، وهي غيمة سوداء لا بد لها أن تنجلي، لأن العالم العربي الآن كما يقول المثل الشعبي في الجزائر أراد أن يهرب من الذئب فوقع في جحره.

وما يجري في الوقت الرّاهن توقعه شاعرنا. وقد جسده في وصفه لنهاية الحكام بطريقة بشعة حين قال:

أقــولْ:

الشمسُ لا تـزولْ

بلْ تنحَـني

لِمحْـوِ ليلٍ آخَـرٍ

.. في سـاعةِ الأُفـولْ

أقــولْ:

يُبالِـغُ القَيْـظُ بِنفـخِ نـارِهِ

وَتصطَلـي الميـاهُ في أُوارِهِ

وتكشفُ الهمـومُ عن غيومِها

وتبـدأُ الأمطـارُ بالهُطـولْ

.. فتولـدُ الحقـولْ!

أقــولْ

تُعلِـنُ عن فَراغِهـا

دَمـدَمـةُ الطّبـولْ

والصّمـتُ إذْ يطـولْ

يُنذِرُ بالعواصِفِ الهوجاءِ

والمُحــولْ: رسـولْ

يحمِـلُ وعـدَاً صـادِقاً

بثـورةِ ا لسّيولْ"[19]!

يستعين أحمد مطر بالحجج والبراهين للوصول إلى مستوى الإقناع المنطقي، وذلك قصد التأثير في المتلقي، والتي من خلالها يخلق جوا من الإطناب باستخدام تراكيب متوالية ومتصلة بعضها ببعض حتى يفصل في شرح فكرته. كما استخدم الشاعر الفعل المضارع بصفة مستمرة وهذا ما يؤكد اهتمامه بعنصر الحدث والزمن والحركة، حيث يؤكد محمد العيد أن استخدام الفعل المضارع، هو أقوى تأثيرا، ويقوم باستحضار الأشياء، ويقنع المتلقي بها، لأنه يمنحها قوة في حقل عاطفة المستمع ويستبقها فيه، ويجعلها أوثق عرى بمكانها وزمانها[20].

كما استخدم أحمد مطر الرّابط الحجاجي الذي ظهر جليا في تكرار رابط الوصل الواو، الذي نجده في هذه المقطوعة يجمع بين الجمل ويفيد اشتراك معاني متعدد في حكم يريد الوصول إليه.

أحمد مطر توقع ما يجري ولم يكن يحرض لأنه يمثل الشعب ونتيجة لجرأته "ضرب عليه الحصار بدءا من العراق إلى الكويت إلى منفاه، وثاني هذه الأسباب موقفه البائن، والعلني المعارض لبعض الأنظمة العربية المنبطحة التي صار حكامها مجرد سفراء لأمريكا من أوطانها العربية الشيء"، كم يقول محفوظ كحوال[21].

تحسس أحمد مطر نهاية الحكام العربية وظهر ذلك في عدة محطات من أشعاره حين قال:

غيرَ أنّـا مُنـذُ أن نُولَـدَ

نأتـي نَركُضُ

وإلى المَدْفَـنِ نبقى نَركُضُ

وخُطـى الشُّرطَـةِ

مِـنْ خَلْفِ خُطانا تَركُضُ

يُعْـدَمُ المُنتَفِضُ

يُعـدمُ المُعتَرِضُ

يُعـدمُ المُمتَعِضُ

يُعـدَمُ الكاتِبُ والقارئُ

والنّاطِـقُ والسّامِـعُ

والواعظُ والمُتَّعِظُ

حسَناً يا أيُّها الحُكّامُ

لا تَمتعِضـوا

حَسَناً.. أنتُـم ضحايانا.

وَنحـنُ المُجْـرِمُ المُفتَرَضُ!

قد دَعَوْنـا ربَّنـا أنْ تَمرُضـوا

فَتشا فيتُمْ

ومِـنْ رؤياكُـم اعتـلَّ وماتَ المَرضُ

ودعَونـا أن تموتوا

فإذا بالموتِ من رؤيتِكم مَيْـتٌ

وحتّى قابِضُ الأرواحِ

مِنْ أرواحِكُـمْ مُنقَبِضُ

وهَرَبْنا نحـوَ بيتِ اللهِ منكُمْ

فإذا في البيتِ.. بيتٌ أبيضُ

وإذا آخِـرُ دعوانـا..سِلاحٌ أبيضُ

هَـدّنا اليأسُ،

وفاتَ الغَرَضُ

لمْ يَعُـدْ مِن أمَـلٍ يُرجى سِواكُـمْ!

أيُّهـا الحُكـامُ باللهِ عليكُـمْ

أقرِضـوا اللهَ لوجـهِ اللهِ

قرضـاً حسَناً

.. وانقَرِضـوا [22]

ظهر التكرار مرة أخرى لتأكيد الفاجعة التي تحيط بالشعب، ويؤكد السّيوطي في حديثه عن التأكيد أن التكرار من الأساليب المعروفة عند العرب، وأنه من محاسن الفصاحة؛ خلافا لمن غلط.[23]

وفي الختام، وكما يشرح صلاح فضل أصبح "الحِجاج في رحاب هذا التحوّل مطلباً أساسياً في كلِّ عمليّة اتّصالية تستدعي الإفهام والإقناع. وانطلاقاً من الدور البالغ الذي أصبحت نظريّة الحِجاج تلعبه، أو من المفروض أن تلعبه"[24]، ومن خلاله استطاع أحمد مطر أن يبني خطابه السياسي المكبوت تحت لواء الألفاظ.

= = = = =

الهوامش

[1] محمود عكاشة، لغة الخطاب السياسي، دراسة لغوية تطبيقية في ضوء نظرية الاتصال، دار النشر للجامعات، مصر، ط1، 2005، ص 34.

[2] ينظر خليفة بوجادي، محاضرات في علم الدلالة مع نصوص وتطبيقات، بيت الحكمة للنشر والتوزيع، ط1 2009، ص 104.

[3] محمود عكاشة، لغة الخطاب السياسي، دراسة لغوية تطبيقية في ضوء نظرية الاتصال، ص 45-46.

[4] المرجع نفسه، ص 109.

[5] محفوظ كحوال، أروع قصائد أحمد مطر، نوميديا للطباعة والنشر والتوزيع، 2007، ص 11.

[6] محمود عكاشة، لغة الخطاب السياسي، دراسة لغوية تطبيقية في ضوء نظرية الاتصال، ص46.

[7] ابن منظور، لسان العرب، مادة فهم.

[8] أحمد بن فارس، الصاحبي وسنن العرب في كلامها، تحقيق محمد الشومي، دط، بيروت، 1964، مؤسسة بدران للطباعة والنشر، ص 289.

[9] محمود عكاشة، لغة الخطاب السياسي، دراسة لغوية تطبيقية في ضوء نظرية الاتصال، ص 111.

[10] المرجع نفسه، ص 112، نقلا عن اللّسانيات وتحليل الخطاب السياسي، المجلة العربية للعلوم الإنسانية، 1997، ص 234.

[11] ابن منظور، لسان العرب، دار المعارف، مجلد 5،حرف الكاف، ص 3851.

[12] ابن أثير المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر قدمه وعلق عليه احمد الحوفي وبدوي طبانة دار النهضة مصر للنشر والتوزيع الفجالة القاهرة، قسم 4، ص4.

[13] أبو عثمان الجاحظ، رسائل الجاحظ، 3/181.

[14] الجوهري، تاج اللغة وصحاح العربية، مادة (كرر)، وقاموس المحيط، للفيروزآبادي (مادة كرر).

[15] عز الدين علي السيد، الحديث النبوي من الوجهة البلاغية، دار الطباعة المحمدية، الأزهر، القاهرة 1973، ص 265.

[16] ابن معصوم، أنوار الربيع في أنواع البديع، 5/34-35.

[17] كتاب سيبويه (تحقيق عبد السلام هارون، عالم الكتب، بيروت)، ص. 83-84.

[18] محفوظ كحوال، أروع قصائد أحمد مطر، ص 23.

[19] المرجع نفسه، ص 286.

[20] محمد العيد، بحوث في الخطاب الإقناعي، توزيع دار الفكر العربي، القاهرة، ط1، 1419، ص 69.

[21] محفوظ كحوال، أروع قصائد أحمد مطر، المرجع نفسه، ص5.

[22] المرجع نفسه ص 284.

[23] جلال الدين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، دار الكتب العلمية، بيروت (د. ت) 3/224.

[24] بلاغة الخطاب وعلم النص، صلاح فضل، منشورات عالم المعرفة، الكويت، 1992، ص 67.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3306552

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC