أحمد عبد الله - مصر

ليس بيدي

أحمد عبد اللهفي ذلك الوقت من كل يوم، اعتادت أن تراه في قمة تألقه. بنظارته الشمسية وسواد حذائه وساعته في يسـراه. بطلبه المعتاد على الصباح في هذا المكان الأنيق. دخان القهوة المتصاعد يضفي عالما مميزا من الرقيّ مع لمسة خشبية في التصميم تعطيك إيحاء بالسكون والفخامة.

كل ذلك يزول تأثيره بمجرد وصوله. عطره يجبر الورود المتفتحة على امتصاص روائحها لهيمنة وجوده. تنتظر أن ترى عينيه لتضيء المكان من غمامته على الرغم من إضاءته. أيا كانت ألوان ملابسه، تتغير الألوان المحيطة به لتتلاءم معها. أحيانا توقن بأنه ليس بشـرا، فذلك الرقيُّ لم تسمع عنه حتى بالروايات، فكيف لبشر يتحول العالم من حوله كي يلائمه؟ فلهدوئه فن، ولصمته صوت.

سأظل بنظارتي الشمسية هذا اليوم من أجل إخفاء اهتمام نظراتي لك. أعلم ما يدور بداخلك ولكنك لا تدركين حواري معي. ألمح في عينيك ما تمنيت أن أعيشه دائما. حب عميق ودفء متوغل يسـري بروحي كلما تقابلت عيوننا.

أتجنب عينيك فأسمع همسات صوتك تطرق أوتار فؤادي عازفة أحلى المشاعر. أطفئ صوتها وأتجاهل حلاوة صداه بداخلي. أعود لأنهمك فيما يلهيني عنك فأجدك تلهيني عمّا ألّهاني عنك. تحاولين فهم طبيعتي وأنا أشتت تركيزك وأبعثر استنتاجاتك.

أشم عطرك؛ يسكرني وأنا دون مقاومة مستسلم لك. أتحاشاك فتأثيرك علىّ ينسيني كلماتي ودنياي. كلما راجعت نفسـي وقررت مجاراتك. أعود لألومني. تسألينني وأنا أحتاج أكثر منك سماع إجابتي.

ليتك تعلمين أن ما يمنعني عنك ليس بيدي، بل هو حكم مسبق عليك تقبله وتحمله معي. ليس ذنبي أنه كان حبيبا لك قبلي. وليس خطأك أنه لم يأت بعدي.

كلما اقتربت من فتح بابي أغلقته من الداخل، ترين نورا تستكشفين منه ما يحدث فأقطع الكهرباء بداخلي. أخفي عنك كل ما يمكِّنك من قراءتي وتوقُّعي.

غير كل يوم، لم تر عينيه. أحسَّت بزيادة الظلمة في المكان على الرغم من نور الشمس. تجاهلت وضوح تركيزها معه. خاطرت بفضح حقيقتها والتحدث إليه.

لم يمهلها الفرصة. وقف من مكانه فاصطفَّت الطاولات احتراما لوقوفه. طوى ما كان يكتب وما لا تعرف طبيعته. ودون انتظار توجَّه نحوها. توقَّف الزمن على الأقل بالنسبة لها. ابتسم ووضع الورقة أمامها. وتركها.

لم تنتبه إلا بعد رحيله عنها. نظرت للورقة وهى تشعر بانقباض أنفاسها. وفتحتها. حينها أدركت ما كان يفعل وقتها. فلقد كان يكتب لها "ليس بيدي".


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3366039

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC