ريّا أحمد - اليمن

بكاء الجدران


كانت دعوة السيدة سلمى لي لحضور حفل عقد قران ابنتها نورة كفيلاً بأن ينبش داخلي ذكريات طالما أسعدتني وأبكتني، فها أنا أدعى اليوم إلى منزل كان أربابه ضيوفي فيه يوماً ما. آه من هذه الأيام تأتينا بما نكره أحياناً. طافت بي الذكريات في الحديقة التي طالما لهوت فيها، وفي الأشجار التي حمتني من حرارة الشمس، فأين هي الآن لتحميني من حرقة الدموع؟ كانت رغبة قوية تلك التي اجتاحتني وألحت علي بالذهاب إلى أطلال ذلك البيت المهجور بسكانه. لقد كان النداء الروحي الذي أطلقته خبايا روحي العطشى لصومعة الذكريات هو من ذهب بي إلى سعادة الماضي.

لملمت أشلاء الذاكرة ومضيت إلى مرتع الطفولة. كان المكان مزدحماً: الفتيات بأثوابهن المقلدة لآخر صرخات الموضة، و ألوان مساحيقهن الرقيقة، بعضهن يقفن أمـام المـرآة لإصلاح ما أتلفه الشرشف، والبعض الآخـر يتأهبن للدخول إلى الديوان أو انتظار العروس في الصالون. أما أنا فقد كنت أتفقد زوايا المنزل، وأنصت إلى آهاته وشجونه. لقد سمعت بكاءه وهو يحدثني عن الحياة الباردة لهذه العائلة، ورأيت دموعه وهو يحدثني بشوق عن ذكريات ضمتنا معا.

همست إحداهن في أذني: "لم تكونوا بحاجة للمال، فلماذا تركتموه لهم؟"

"ربما كان ضرباً من الجنون." أجابتها عيناي، ففهمت ما لم أفهمه.

جاءت العروس تزفها الدفوف و الطبول و تصحبها الزغاريد. كانت كل دقة تحمل معها صورة جميلة لماض أجمل، فاليوم تزف عروس غريبة من نفس المكان الذي زٌفت منه شقيقتي. كل نغمة كانت تجلب معها لوحة لعمرٍ جميل اٌختزل في حديث الذكريات. الجميع يرقص، وكان رقصاً على جراحي التي لم تبرأ بعد. كان التصفيق كسوط جلادٍ يعذبني لتركي هذا الوفي الذي حمانا من لهيب الحرب، تماماً كما حمانا من تقلبات الزمان. ربما كانت الزفة جميلة لكنها عذبتني وشوهت فرحتي بهذه العروس الشابة.

لم أكترث لنظرات النساء الخبيثة وهمساتهن التي كانت تؤلمني لولا لوعتي وعذابي اللذان عشتهما للحظات في أحضان من احتضنني منذ نعومة أظافري. رحت أتلمس جدار هذا الصامت الحزين علَّني أمسح دموعه قبل أن تراها النساء فيسخرن منه كما سخرن مني.

حضرت الزفة جسداً بلا روح فقد كانت روحي تناجي ذكريات هذا المنزل، وكنت أسمع حديث الذكريات منه، فقد ذكرني الديوان بزفة شقيقتي وقد وقفت إلى جانبها مرفوعة الرأس وكأني أقول للعالم: "انظروا إلى هذه الجميلة إنها أختي." وأيضا أنا كنت فخورا بها سعيدا في عرسها. كنت أقول للجميع "هذه الفتاة ربيبتي، فأنا من شهد طفولتها، وهاهي اليوم عروس في غاية الجمال". كان صدى الذكريات يصدح في أرجاء المنزل.

لم يسمع أحد هذه الذكريات، فصوت الغناء وزغاريد الزفة فقط ما كانوا يسمعون. ذكرتني غرفة أخي بالليالي التي كان يسهر فيها مع الكتب لنيل معدل عال يؤهله للطب. لقد كنت أسهر معه إلى أن حصل على المركز الثاني على مستوى الجمهورية. لقد فرحت له كثيراً واشتقت له عندما ذهب للدراسة. مناجاة المنزل بعبق الذكريات الجميلة ذكرتني بما لم أنسَ.

قد لا يصدق أحد أن البيت شعر بالألم والحزن اللذين انتاباني حينذاك، ولكنه فعلاً شكا فأبكاني. تحدث بكل الذكريات التي لم ينسَ منها شيئاً، وعاتبني عتاب الحبيب المضني الذي ألهبه الشوق.

انتهت الزفة وأنا لا زلت أقف على أطلال الذاكرة. مسحت دموعي بعد أن قررت ترك فرحتهم حين خطفوا سعادتي، واغتالوا بسمتي. وعندما بكت الجدران ماضياً لن يعود، أٌسدل الستار على مسرح الفرح، واجدثت السعادة صورة من صور الذكريات.

D 1 حزيران (يونيو) 2006     A ريّا أحمد     C 0 تعليقات